وكالات -
اعتلى ليو الـ 14 كرسي البابوية قبل أقل من 18 شهرا، وكان في الـ69 من عمره، شابا بمقاييس البابوات في العقود الأخيرة، معروفا بنشاطه وكثرة سفره ولقاءاته، ومن دون سجل معلن لمشكلات صحية تثير القلق.
وعزز ذلك انطباعا واسعا بأن أمامه بابوية طويلة يستطيع خلالها أن يرسم ملامح المرحلة بهدوء وعلى مهل.
لكن تشخيصه هذا الأسبوع بسرطان الرئة بدد ذلك الاطمئنان دفعة واحدة، وتقول نيويورك تايمز إن المرض لم يفتح باب الأسئلة حول صحة البابا فحسب، بل أعاد حساب الوقت داخل الفاتيكان.
الزمن في الحساب
ورأت نيويورك تايمز أن البابا تصرف منذ انتخابه كمن يعتقد أن الطريق أمامه طويل، فلم يقدم على تغييرات واسعة في المناصب، ولم يسع إلى افتتاح بابويته بقرارات صاخبة، بل اختار إيقاعا أبطأ وحاول رأب الانقسامات داخل الكنيسة بعد سنوات فرانشيسكو المضطربة.
وحافظ على هذا النهج في الملفات السياسية كذلك، حيث تشير الصحيفة إلى أنه حين انتقد حرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على إيران، لم يدفع الخلاف إلى مواجهة مفتوحة، بل أكد لاحقا أنه لا يريد صداما مع الرئيس الأمريكي. كان، في نظر مراقبيه، بابا لا يتصرف تحت وطأة الساعة.
أما الآن، فقد دخل الزمن نفسه في صلب الحسابات.
فالتشخيص يضع أجندته وجدول رحلاته، ومحاولته الجمع بين المحافظين والتقدميين تحت ضغط جديد، وتقول نيويورك تايمز إن أسوأ السيناريوهات يعيد إلى الواجهة سؤال الخلافة، وهو سؤال لم يكن أحد يتوقع أن يطرق أبواب الفاتيكان بهذه السرعة.
ويستدعي ذلك سلفه فرانشيسكو الذي تولى البابوية في سن 76 عاما وكان يحمل تاريخا صحيا معقدا، وبعد عام من انتخابه، قال للصحفيين إنه يتوقع أن يبقى في منصبه عامين أو 3 أعوام، لكنه بقي 12 عاما، وإن أثقلت الأمراض سنواته الأخيرة.
اكتشاف مبكر
وتوضح صحيفة واشنطن بوست أن الأطباء شخصوا إصابة ليو بالسرطان الغدي الرئوي، وهو أكثر أنواع سرطان الرئة شيوعا.
وقد خضع لجراحة استؤصل خلالها الفص السفلي من رئته اليمنى، وأعلن أطباؤه نجاح العملية من دون مضاعفات، فيما توحي المعلومات التي نشرها الفاتيكان بأن الورم اكتشف في مرحلة مبكرة.
وهذا النوع من السرطان قد يصيب المدخنين وغير المدخنين، وقد يتطور أحيانا من دون أعراض ظاهرة.
لكن اكتشافه مبكرا يغيّر الصورة بقدر معتبر؛ إذ تنقل الصحيفة عن أطباء أن استئصال الورم في مراحله الأولى قد يمنح فرصا جيدة للبقاء على المدى الطويل، كما يستطيع المرضى الأصحاء العودة إلى حياة طبيعية بعد التعافي من الجراحة.
لكن الأطباء يشددون على أن احتمال عودة المرض يظل قائما، وأن التوقعات تختلف من مريض إلى آخر بحسب حجم الورم ومدى تقدمه، وقد تستدعي بعض الحالات علاجات إضافية بعد الجراحة، كما تورد الصحيفة.
الفاتيكان أمام امتحان
وترى نيويورك تايمز أن أثر المرض داخل الكنيسة لن يتحدد بالعلاج وحده، بل أيضا بمدى وضوح الفاتيكان في إطلاع العامة على تطورات الحالة الصحية للبابا.
فالمرض الخطير لرأس الكنيسة يفتح سريعا باب التأويل والشائعات، ولا سيما حين تتغير المواعيد أو يقل الظهور العام.
وينقل التقرير عن ديفيد غيبسون، مدير مركز الدين والثقافة في جامعة فوردهام، قوله إن حالات كهذه تخلق بطبيعتها "قلقا" داخل الكنيسة.
وقد ألغى الفاتيكان ارتباطات ليو العامة حتى 20 أكتوبر/تشرين الأول، بينما يتوقع أن يمكث في المستشفى نحو أسبوع.
لكن رحلته المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني إلى أوروغواي والأرجنتين وبيرو لا تزال قائمة حتى الآن، وهو ما يجعل أي تعديل لاحق في جدوله موضع تدقيق.
فرصة تشكيل صورة
ومع ذلك، لا تقرأ نيويورك تايمز التشخيص بوصفه بداية أفول حتمي، فإذا خرج ليو من العلاج قويا، يرى غيبسون أن المرض قد يتحول إلى جزء من صورته العامة، لا إلى عبء عليها.
ويستحضر تجربة البابا يوحنا بولس الثاني بعد محاولة اغتياله عام 1981؛ إذ أصبحت إصابته وتعافيه لاحقا جزءا من السردية التي أحاطت بشخصيته ومكانته.
والسرطان، بخلاف محاولة اغتيال نادرة، تجربة يعيشها ويعايشها الملايين، ولذلك قد تمنح طريقة ليو في مواجهة العلاج والضعف الجسدي لبابويته بعدا إنسانيا جديدا، وتجعله -كما يقول غيبسون- سلوانا لمن يمرون بالتجربة نفسها.