رويترز -
يكثف الفريق أول ركن صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، تحركاته السياسية والعسكرية في إقليم فزان، مستهدفا تعزيز حضوره بين القبائل والمكونات الاجتماعية، بالتوازي مع تشديد الإجراءات الأمنية وتوسيع المشروعات التنموية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه المنافسة على النفوذ في الجنوب، وسط تحديات أمنية مرتبطة بنشاط مجموعات مسلحة، ومساعٍ من أطراف سياسية وعسكرية مختلفة لتوسيع حضورها في المنطقة.
وفي هذا السياق، كشف تقرير نشره موقع "أفريكا إنتليجنس" الجمعة، بعنوان "صدام حفتر يسعى إلى حشد قبائل فزان"، عن تحركات نائب القائد العام لحشد المكونات القبلية في الجنوب، في إطار مساع لإحباط خطط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة لتشكيل قوة عسكرية مشتركة في المنطقة. ويضع التقرير هذه التحركات ضمن صراع أوسع على النفوذ وترتيبات السيطرة الأمنية في فزان، بما يعكس أهمية الجنوب في حسابات المعسكرين المتنافسين.
ولا تبدو جولات صدام حفتر مجرد زيارات تفقدية للوحدات العسكرية، بل جزءا من تحرك أوسع يستهدف بناء شبكة علاقات قبلية وأمنية واقتصادية، وتعزيز موقعه داخل المؤسسة العسكرية، وتثبيت حضور القيادة العامة في منطقة تتمتع بأهمية استراتيجية بسبب موقعها الحدودي وثرواتها الطبيعية وممراتها التجارية.
تكتسب فزان أهمية استراتيجية تتجاوز مساحتها الجغرافية، فهي تضم حقولا نفطية رئيسية، من بينها الشرارة والفيل، وتشكل نقطة اتصال بين ليبيا ودول الساحل الأفريقي، خصوصا النيجر وتشاد، فضلا عن امتلاكها معابر ومسارات صحراوية تستخدم في التجارة والنقل وحركة الأشخاص.
وفي ظل ضعف الرقابة المركزية وتعدد التشكيلات المسلحة، تحولت السيطرة على هذه المسارات إلى عنصر أساسي في موازين القوة المحلية، خصوصا أن المنطقة تمثل مجالا لنشاط شبكات تهريب الوقود والبشر والأسلحة والمخدرات. كما أن تأمين المنشآت النفطية والطرق الحدودية يمنح القوى المسيطرة قدرة أكبر على التأثير في الموارد الاقتصادية والحركة العسكرية.
ويفسر هذا الموقع الاهتمام المتزايد الذي توليه القيادة العامة للجنوب، حيث لم يعد تثبيت السيطرة العسكرية كافيا لضمان النفوذ، بل بات يتطلب بناء تحالفات مع المكونات القبلية والمحلية، والاستجابة للاحتياجات الخدمية والتنموية التي ظلت لسنوات أحد أبرز مصادر التوتر بين السكان والسلطات المتعاقبة.
تأتي تحركات صدام حفتر في ظل تحديات أمنية متجددة، أبرزها نشاط غرفة عمليات تحرير الجنوب بقيادة محمد وردقو، الضابط السابق في قوات حفتر والمنتمي إلى قبائل التبو.
وتعود جذور المواجهة إلى الخلافات التي أعقبت حل اللواء 128 في يناير 2025 وإقالة قائده حسن الزادمة، وهو أحد أبرز حلفاء حفتر في الجنوب وينتمي إلى قبيلة أولاد سليمان. ورفض وردقو تسليم أسلحته ومواقعه، قبل أن تظهر مجموعته في عمليات عسكرية استهدفت مواقع تابعة لقوات القيادة العامة، بينها نقاط قرب معبر التوم وبوابة أرينديغا، الواقعة شمال قاعدة الويغ الجوية.
وفي أغسطس، أعلنت القيادة العامة تنفيذ هجوم على مواقع تابعة للغرفة قرب قاعدة السارة العسكرية، قالت إنه أسفر عن اعتقال عناصر ومصادرة آليات، بينما نفت المجموعة وقوع الهجوم بالصورة التي عرضتها القيادة. وتعكس هذه التطورات أن السيطرة على بعض مناطق الجنوب لا تزال تواجه تحديات من تشكيلات مسلحة تمتلك امتدادات قبلية وقدرات على التحرك عبر الحدود.
وفي أكتوبر، برزت تطورات سياسية جديدة مع تقارير عن اتصالات أجرتها حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس مع وردقو، وبحث إمكان الاستفادة من قواته ضمن تشكيل قوة مشتركة في الجنوب، بما قد يتيح للحكومة توسيع حضورها في مناطق تخضع لنفوذ القيادة العامة.
ويمنح هذا التطور تحركات صدام بعدا يتجاوز احتواء مجموعة مسلحة محدودة، إذ بات الجنوب ساحة تنافس على الترتيبات الأمنية ومراكز النفوذ.
بالتوازي مع التحركات العسكرية، يبرز ملف الإعمار بوصفه إحدى الأدوات المستخدمة لتعزيز النفوذ في فزان. فقد أعلن صدام حفتر، خلال لقائه مشايخ وأعيان المنطقة الجنوبية في سبها في أغسطس الماضي، خطة لإنشاء عشرة آلاف وحدة سكنية في مدن الجنوب، بناء على توجيهات القيادة العامة.
يكتسب صدام حفتر نفوذه من منصبه وتوليه ملفات أمنية، وتحركاته القبلية والمحلية، مما يعزز حضوره بمناطق تتطلب إدارة أمنية واقتصادية متكاملة.
كما شملت جولاته لقاءات مع أعيان ومشايخ في تمسة والشويرف، حيث جرى بحث احتياجات السكان ومشروعات الخدمات والبنية التحتية، ومن بينها تطوير مطار الشويرف.
وتزامنت هذه التحركات مع زيارة شملت قاعدة الواو العسكرية في 19 أكتوبر، أعلن خلالها صدام أن رؤيته للجنوب لا تقتصر على حماية الحدود، بل تشمل التنمية وتحريك الاقتصاد وتطوير منظومة مراقبة الحدود.
ويبرز هنا دور صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يديره بالقاسم حفتر، والذي وسع نشاطه في مدن الجنوب. ففي أغسطس، أطلق الصندوق مشروعات في سبها شملت تطوير الطرق، وتأهيل مرافق جامعة سبها والمركز الطبي، وإنشاء منظومة لمعالجة مياه الصرف الصحي ونقلها بعيدا عن المناطق السكنية.
ويتيح تداخل التحركات العسكرية مع المشروعات التنموية بناء حضور متعدد المستويات، يجمع بين توفير الأمن وإظهار القدرة على تحسين الخدمات، وهو ما يمكن أن يعزز العلاقة بين القيادة العامة والأعيان والبلديات المحلية.
تمثل اللقاءات مع القبائل والمكونات الاجتماعية عنصرا أساسيا في استراتيجية تثبيت النفوذ بالجنوب، نظرا للدور الذي تؤديه الروابط القبلية في تشكيل التحالفات الأمنية والسياسية، خصوصا في مناطق مثل سبها ومرزق والقطرون وأوباري.
وقد أظهرت اللقاءات التي عقدها صدام مع مشايخ وأعيان الجنوب صدور مواقف تأييد لجهود القيادة العامة في تعزيز الأمن والاستقرار، فيما رحب أعيان الشويرف بجولته وأشادوا بالاهتمام المعلن بمشروعات المنطقة. كما شارك رئيس المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان في جولة بالقاسم حفتر في سبها، في مؤشر على أهمية القنوات الاجتماعية في تحركات القيادة العامة.
يكتسب صدام حفتر موقعه الحالي من منصبه نائبا للقائد العام، ومن اتساع الأدوار التي يتولاها في إدارة الملفات العسكرية والأمنية، فضلا عن تحركاته المباشرة مع القبائل والبلديات والمؤسسات المحلية. ويمنحه الجمع بين هذه المسارات قدرة على توسيع حضوره في مناطق تتطلب إدارة متداخلة للملفات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ويبرز في هذا السياق تداخل الأدوار بين المؤسسات المرتبطة بالقيادة العامة، سواء في المجال العسكري أو في تنفيذ مشروعات الإعمار، حيث يؤدي صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا دورا في إطلاق مشروعات البنية التحتية، بالتوازي مع تحركات ميدانية وسياسية تستهدف تعزيز الاستقرار في مناطق نفوذ القيادة العامة.
وتتصل أهمية هذه التحركات أيضا بمحاولة تقديم نموذج لإدارة الجنوب يجمع بين الانتشار العسكري وتوفير الخدمات وبناء التفاهمات مع المكونات المحلية، في مواجهة تحديات التهريب والنشاط المسلح وضعف مؤسسات الدولة.
وتعكس تحركات صدام حفتر في فزان محاولة للجمع بين ثلاثة عناصر: إحكام السيطرة الأمنية، وتوسيع التحالفات القبلية، وتوظيف الإعمار لتعزيز الحضور المحلي. لكن هذه المعادلة تواجه تحديات تتعلق باستمرار نشاط المجموعات المسلحة، ومنافسة حكومة طرابلس، وتعدد المكونات الاجتماعية في الجنوب.