Sunday 7th of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    12-Feb-2021

آن لهذا العالِم أن يُكرّم..يوسف بكّار وجائزة حمد للترجمة والتفاهم الدولي.. العرب وتراث فارس

 الدستور-د. عباس عبد الحليم عباس

 
حاز الأستاذ الدكتور يوسف بكار على (جائزة حمد للترجمة والتفاهم الدولي) ضمن دورتها السادسة لعام 2020م وذلك عن مشروعه الترجمي والبحثي المنجز بين الثقافتين العربية والفارسية، الذي شغل نحوا من خمسة عقود من البحث العلمي المتواصل في هذا المجال، حيث عني العلامة البكار بالتراث الفارسي لغة وأدبا ومصادر ودراسات قديمة وحديثة، شكّلت صلته باللغة الفارسية، التي تعود إلى رئاسته لقسم اللغة العربية بجامعة الفردوسي بمدينة مشهد الإيرانية، في سبعينات القرن العشرين، في الوقت الذي كان فيه المشتغلون بهذا الحقل المعرفي من العرب لا يتعدون أصابع اليد الواحدة..هذا وقد تأسست جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي في الدوحة - قطر عام 2015، وهي جائزة عالمية يشرف عليها مجلس أمناء، ولجنة تسيير، ولجان تحكيم مستقلة. 
 
يتميّز اهتمام الدكتور يوسف بكار في الدراسة المقارنة بتوجهه في الأغلب نحو التراث الفارسي وأثره في ثقافتنا العربية، وذلك عبر عدد من الدراسات التي أنجزها في هذا الإطار. وهي تسير في اتجاهين معاً، الأول: أبحاث تقع في حقل الأدب المقارن، والثاني: أبحاث تقع في حقل (النقد المقارن) أو ما يمكن تسميته بنقد النقد. وهو في كلا الاتجاهين يطل على منجز معرفي واسع من علاقات التفاعل بين العرب والفرس، وقد أتاح له اطلاعه المباشر على أدب الفرس وحضارتهم معرفة معمقة بكنوز المصادر وأمهاتها، من خلال إقامته بمدينة مشهد في إيران، وهو يرى أن ثمة اختلافاً كبيراً بين الباحثين حول الأثر الفارسي الأدبي في الحضارة العربية الإسلامية برغم اتفاقهم على اثر الفرس في المجال الحضاري عامة.
 
وصنف هواء الباحثين إلى فئات ثلاث:
 
الأولى: فئة لا ترى للأدب الفارسي كبير الأثر في أدبنا العربي، وعلى رأسها طه حسين وعبد العزيز الدوري ومحمد نجيب البهبيتي.
 
والثانية: فئة تقف على الضد تماماً فترى للثقافة الفارسية فضلا كبيرا على الثقافة العربية، (فأحمد الشايب) تطرف جداً كما يصفه يوسف بكّار، (ومصطفى هدارة) يرجع فضل الفرس على الثقافة العربية إلى عدة مجالات كالغناء، والموسيقى، وفنون الإيقاع، وشعر الغزل  وغيره.
 
أما الأخيرة في نظر يوسف بكار فئة معتدلة يمثلها كل من (أحمد أمين) (وشوقي ضيف)، وبهذا يطلعنا يوسف بكار على المشهد العام في مجال التأثير الفارسي على الأدب العربي وموقف العرب منه في العصر الحديث.
 
وعند دراسته للتفصيلات يلجأ الدكتور بكّار إلى الاتجاه التاريخي في عرض جذور التفاعل العربي الحديث بتراث فارس وآدابها، وهنا يستعرض  دور الفرس في الثقافة العربية في نظر الدارسين العرب المعاصرين منذ زمن الدولة العثمانية «فكثرة المتعلمين والشعراء العرب في الدولة العثمانية إلى بدايات القرن  العشرين كانوا يعرفون الفارسية لأن التركية والفارسية كانتا متلازمتين، وكان الأتراك يعدون الفارسية أصلاً لثقافتهم، وكان العلم بها ضرورة ثقافية لا غنى لتركي عنها، وكانت التركية عندهم لغة الفصحاء».
 
ويظهر أن محاولة يوسف بكار، وحرصه على تفصيل الوقائع وتتعبها بشان الحضور الفارسي في ثقافة العرب في العصر الحديث تأكيد منه على أن حركة التفاعل الأدبي لحضارة العرب في هذا العصر لم تقتصر – كما تظهر جل الدراسات – على ثقافة الغرب وأدبهم، إذ انشغلت بحوث تاريخ الأدب، والدراسات النقدية كثيراً برصد تأثير الأدب العربي الحديث والمعاصر بالأدب الغربي، الانجليزي، والأوروبي، والانجلو سكسوني، وبناء عليه فان حركة الدرس العربي المقارن سارت في هذا الاتجاه، إذ تركز هذا النوع من الدراسات على إماطة اللثام عن تأثير أدباء غربيين على الأدباء العرب، منذ عصر النهضة والريادة حتى الآن، في مجالات الشعر والقصة والرواية والمسرح، لتأتي جهود يوسف بكار بمثابة دعوة للتوازن العلمي في هذا الإطار،فالبكار يرى في البحث عن هذه العلاقات استمراراً طبيعياً تاريخياً لما كانت عليه العلاقات العربية الفارسية في الدولة الإسلامية لعصور خلت، وربما كان هذا الدافع عاملاً آخر من عوامل اهتمام البكار بتراث فارس ومواقفه في ثقافتنا الحديثة، والعامل الثالث الممكن إضافته إلى ما سبق يتمثل في إيمان البكار الشمولي بأخوة الحضارات وضرورة تفاعلها.
 
ولعل هذه الطبيعة الانفتاحية واحدة من خصال الناقد المقارن التي لا بد من توافرها فيه، بل هي ضمان حقيقي لنتائج موضوعية، وقبول بالآخر يعادل القبول بالذات دون تطرف أو عصبية، وإلا لن يمكن للناقد أن يعترف بفضل ثقافة أخرى على ثقافته لو افتقد هذه السمة، وهذا الإيمان، إن تاريخ الأدب المقارن عند الشعوب يشهد بذلك، وأي سوء ظن أو انحراف نحو نظرية المؤامرة (Conspiracy Theory) سوف يقف حائلاً دون الوصول إلى نتائج علمية، بل دون إجراء مقارنات عادلة أصلاً، واذكر أنّ (رينيه  ويلك) أشار إلى شي من هذا حين «كان الأدب المقارن ممنوعاً تحت حكم ستالين» في روسيا.
 
لقد آثر يوسف بكار أن يختط لنفسه طريق التخصص في درسه المقارن، فكان تعمقه في التخصص برباعيات الخيام وترجماتها ودارسيها ودراساتها دليلاً على منهج استقصائي في مقارنة الظاهرة الأدبية وفق تمثلاتها المقارنة، فأنجز في هذا السياق مجموعة من الدراسات. ولا شك أن اقرب هذه الجهود إلى الدرس الأدبي المقارن تلك التي تعاين صورة الخيام ورباعياته عند أدباء وشعراء مثله، لذا سأتخذ من اشتغاله على تلقي (رباعيات الخيام) عند عرار وجماعة الديوان مجالاً للدراسة والتحليل.
 
إن من عوامل قيام البكار بتحقيق ترجمة مصطفى وهبي التل (عرار) لرباعيات الخيام هو تصويب رؤية أديبنا مصطفى وهبي التل للخيام وأدبه التي يزعم البــكار أنها « غير تلك التي تقولها الدلالات الظاهرية المشحون بها عدد كبير من رباعيات لم يستطع احد إلى الآن، أن يستصفى منها رباعيات الخيام الحقيقية الأصلية «.وهي ترجمة أدت إلى «الفهم القشري الذي جرته على الخيام رباعيات قد يكون بريئاً من عدد غفير منها «
 
غير أن الريادة الترجمية ليست هي هم الناقد المقارن الأول والأخير، إنما همه دائماً في إماطة اللثام عن القيم الأدبية والفنية التي يحدثها الأثر/ المصدر في أدب المتلقي أو المتأثر من ناحية، ومن ثم كشف التأثير الترجمي الذي باتت أحدث الدراسات المقارنة تسعى اليه من خلال «تنامي ما يعرف الآن بالدراسات الترجمية أو الدراسات المتصلة بالترجمة التي تثير أسئلة هامة حول «دور الترجمة في الاتصالات عبر  الثقافية»
 
وفي بثها لقيم معرفية وجمالية، بين الثقافات وربما اضطر الناقد المقارن إلى تجاوز هذا الدور والتمحيص في دقة الترجمة أو خللها الذي يحاول الناقد اكتشافه ومن ثم تصويبه، وهو ما تحمّل البكار عناءه بمنح عمله المقارن قيمة علمية إضافة إلى قيمته الأدبية، ولأجل هذا يهتمم ببحث جانب التأثير على عرار قائلاً: «واعترف عرار من بعد، بالأثر الخيامي فيه من خلال ترجمة البستاني بخاصة فقال: سبق لرباعيات الخيام ان استهوتني عندما اطلعت، قبل سنوات، على ترجمتها الشعرية والأولى في بابها بالعربية بقلم الأديب وديع البستاني لدرجة جعلتني أعنى بصورة خاصة بلغة قوم الخيام عناية متعتني بقراءة الرباعيات بلغتها الأصلية، ورباعياته في اللغات الثلاث التي أفهمها، وهي العربية والتركية والفارسية، حتى كان لي من درسي وبحثي هذا رأى خاص ببحث الخيام ومذاهبه ونواحيه الفلسفية التي اعتنقها حيناً من الدهر».
 
هذا التفرغ الذي مارسه البكار في مكان آخر من خلال دراسة رائدة أسماها (جماعة الديوان وعمر الخيام) وهي احدث دراساته المقارنة عن الخيام، صدرت عام 2004، ومزج فيها بين الاتجاهين: العلمي الذي يدرس بتفصيل شديد صلة العقاد والمازني وشكري بعمر الخيام، ومراحل تطورها، فضلاً عن ترجمات هذه الجماعة الرباعيات الخيام ونقد هذه الترجمات، ومن ثم يدرس تأثرهم بالرباعيات دراسة فنية مقارنة من واقع أعمالهم الشعرية.
 
إن كتاب (جماعة الديون وعمر الخيام) يمثل في توجهه المقارن مزيجاً من المناهج التاريخية والنقدية والفنية، والدرس التناصي المقارن، فضلاً عن انه « من المؤلفات والدراسات القليلة التي تنبه على  مسرب مهم لم ينل حظه من العناية والاهتمام في الأدب العربي المقارن، هو الدراسات المقارنة بين الأدب العربي وأدب الشعوب الإسلامية التي تعد قليلة اذا ما وزنت بنظيراتها بين الأدب العربي وأدب الغرب كافة» 
 
وبذا فإننا أمام دراسة مقارنة تدخل في صلب الدراسات الترجمية المؤسسة على منهجية تحقيق  النصوص ونقدها، فهو بداية يتريب في أي ترجمة لم يقم صاحبها بإثبات الأصل، كما انه يثني على المترجم الذي يقوم بالاطلاع على مصادر أخرى، إلى جانب النص المترجم (الأصل)، كما فعل إزاء جهود العقاد، وترجماته التي تبع فيها الأصل أحياناً، وغادره أحياناً أخرى لغايات فنية، وكذلك إزاء ترجمات آخرين... وكل ذلك يشير الى حجم النقاشات التي دارت ولا تزال تدور حول رباعيات الخيام بوصفها نصاً مشكلاً في عدد من النواحي، ويرى المشتغلون بتحقيق النصوص، بما فيها ترجماتها، أنّ « مشاكل تحقيق نص كان نفسه في حالة تاليف مستمرة وهو- علاوة على ذلك- غير كامل في حالته النهائية، هي بدون شك جديرة بالاعتبار « لأنها الخطوة الأولى نحو فهمه وفهم صاحبه وعصر إنتاجه، لذا كانت عناية يوسف بكار بتحقيق نصوص الترجمات، وإثارة نقاشات طويلة حول ما هو للخيام منها حقاً، وما هو ليس للخيام جهود علمية اساسية في طريق الدراسة المقارنة، بل إنّ توجهه بهذا الاتجاه يدل على وعي علمي ومعرفي يمثل هذه الأيام أحدث المناهج في الدراسات المقارنة عند الغرب، بل هو اتجاه في الدراسة والبحث العلمي قد يغدو بديلاً لمنهجيات الدرس المقارنة في صورها التقليدية. والا كيف نفسر قيامه بتحقيق ترجمة مصطفى وهبي التل (عرار) لرباعيات الخيام، واستخراج أصولها، ودراستها، مع أنها ترجمة حديثة، أي ما يعد في العصر الحديث، وليست من أعصر تاريخية قديمة، لولا هذه القناعة العلمية التي ترى في تحقيق النص (موضوع المقارنة) خطوة أولى وأساسية قبل الشروع في المقارنة نفسها. وربما راح بعض النقاد يصنفون أعمال يوسف بكار التحقيقية في (المنهج التاريخي) دون النظر إلى غايات التحقيق وطبيعته.
 
للاطلاع على المنجز الكامل للدكتور بكار في مجال العلاقة الثقافية بين العرب والفرس انظر الرابط التالي:
 
https://aouedu-my.sharepoint.com/:w:/g/personal/a_abbas_aou_edu_jo/EVAWYnwlwXtDtKAW9XK89FwBGkDEWV3VK36fHQt8KItekA?e=5GygHh