Friday 29th of May 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    29-May-2026

فيضان نهر الفرات: لماذا وقعت الكارثة وما علاقة تركيا؟

الاخبار-

 
قبل أشهر فقط، كان سكان ضفاف الفرات في محافظات سوريا الشمالية والشمالية الشرقية، يراقبون النهر بحذر وهو ينحسر إلى مستويات غير مسبوقة، وسط مخاوف من عطش يهدد سوريا والعراق. اليوم، تبدّل المشهد بالكامل؛ مياه جارفة تبتلع الأراضي الزراعية، وسدود تفتح مفيضاتها للمرة الأولى منذ عقود، وقرى في دير الزور تواجه خطر الغرق.
 
هذا التحول الحاد من الجفاف إلى الفيضان لم يكن صدفة، بل نتيجة موسم استثنائي من الأمطار وذوبان الثلوج في تركيا، تزامن مع تغيرات مناخية متسارعة جعلت مناسيب الفرات أكثر تقلباً من أي وقت مضى.
 
خلّفت فيضانات نهر الفرات في محافظتي دير الزور والرقة أضراراً واسعة طالت السكان والبنية التحتية والقطاع الزراعي، بعد الارتفاع الكبير في منسوب المياه وفتح مفيضات سد الفرات نتيجة التدفقات المائية القادمة من تركيا. وأدت المياه إلى غمر مساحات زراعية واسعة قُدّرت بنحو 24 ألف هكتار، ما تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين والمحاصيل الموسمية على ضفاف النهر.
 
كما تضررت آلاف العائلات في القرى والمناطق القريبة من مجرى الفرات، وسط تسجيل أضرار متفاوتة في المنازل والممتلكات، واضطرار عدد من السكان إلى مغادرة المناطق المنخفضة المهددة بالغرق. وامتدت الأضرار إلى البنية التحتية، حيث تعرضت جسور ومعابر ترابية للتصدع والانهيار الجزئي، إضافة إلى غمر طرق رئيسية وخروج بعضها عن الخدمة.
 
وأدى ارتفاع منسوب المياه إلى تهديد محطات مياه الشرب والصرف الصحي، مع تعطل بعض الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة، حيث أكد وزير الطاقة في الحكومة السورية الانتقالية محمد البشير، خروج 16 محطة مياه في الرقة عن الخدمة و62 في دير الزور.
 
 أدت المياه إلى غمر مساحات زراعية واسعة قُدّرت بنحو 24 ألف هكتار ما تسبب بخسائر كبيرة للمزارعين
 
يأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات تطلقها الجهات المحلية ووزارة الطوارئ السورية من مخاطر الاقتراب من مجرى النهر بعد تسجيل حالات وفاة، بينها أطفال جرفتهم التيارات القوية. ويخشى السكان من أن تؤدي هذه الفيضانات إلى تداعيات اقتصادية ومعيشية طويلة الأمد، في ظل اعتماد جزء كبير من أهالي دير الزور والرقة على الزراعة والري من مياه الفرات كمصدر رئيسي للدخل والغذاء.
 
المشكلة أعمق من «الفيضان المفاجئ»
ورغم أن الفيضانات بدت للبعض مؤشراً على انتهاء أزمة الجفاف، فإن خبراء يرون أن ما يحدث أخطر بكثير من مجرد وفرة مفاجئة للمياه. فالخبير في التنمية المستدامة، عهد الهندي، يقول لـ«الإخبار» إنّ المشهد الحالي في نهر الفرات يكتسب أهمية خاصة، لأنه يكشف دخول المنطقة مرحلة من «الفوضى المناخية»، تتجاوز مجرد الجفاف أو وفرة المياه.
 
وأوضح أنّ الحديث قبل أشهر كان يدور حول انخفاض تاريخي في منسوب الفرات واحتمال حدوث أزمة مياه حقيقية، فيما تشهد المنطقة اليوم فيضانات وفتح مفيضات السدود للمرة الأولى منذ عقود. ذلك لا يعني انتهاء المشكلة، بل على العكس تماماً، إذ بات التغير المناخي في الشرق الأوسط يخلق تطرفاً حاداً في المواسم، يتمثل في سنوات طويلة من الجفاف تعقبها أمطار غزيرة ومركزة خلال فترات زمنية قصيرة.
 
وأشار الهندي إلى أنّ الأراضي التي تتعرض لجفاف طويل تصبح أكثر قساوة وأقل قدرة على امتصاص المياه بسرعة، ما يؤدي إلى تحول الأمطار مباشرة إلى سيول وارتفاع كبير في منسوب النهر. وأضاف أنّ الأمطار الغزيرة وذوبان الثلوج في تركيا هذا العام أسهما في زيادة تدفق المياه نحو سوريا، الأمر الذي أدى إلى امتلاء البحيرات والسدود بسرعة، ودفع الجهات التركية إلى فتح بوابات التصريف لتخفيف الضغط.
 
وحذّر من الاعتقاد السائد بأن الفيضانات تعني انتهاء أزمة المياه، موضحاً أنّ المنطقة تنتقل من «الاستقرار المناخي القديم» إلى مرحلة من التذبذب الحاد، تتراوح بين الجفاف الشديد والفيضانات ثم العودة إلى الجفاف مجدداً، وهو ما يشكل خطراً متزايداً على الزراعة والسكان والبنية التحتية والاستقرار الاجتماعي.
 
السلطات التركية رفعت بشكل مفاجئ كميات المياه المفرغة من سد أتاتورك لتصل إلى نحو 2000 متر مكعب في الثانية
 
ورأى الهندي أنّ دولاً مثل سوريا والعراق لم تعد بحاجة إلى بناء السدود فقط، بل إلى تطوير منظومة جديدة بالكامل لإدارة المياه والتكيف مع التغير المناخي، تشمل تخزين مياه الفيضانات، وتحديث إدارة السدود المصممة أساساً لظروف مناخية أكثر استقراراً، والحد من الهدر الزراعي عبر تقليل الزراعات المستهلكة للمياه، مثل القطن، إضافة إلى إعادة تأهيل الغطاء النباتي والتوسع في التشجير للحد من السيول والانجرافات، قائلاً إنّ «ما كان صالحاً قبل ثلاثين عاماً، لم يعد مناسباً للتعامل مع الواقع المناخي الحالي».
 
تركيا تتحمل مسؤولية «الكارثة»
في المقابل، يحمّل ناشطون محليون في دير الزور تركيا مسؤولية جزء كبير من الأضرار التي خلفها الفيضان، متهمين أنقرة بإدارة الملف المائي بمنطق «تصدير الخطر» إلى دول المصب. ويقول أحد الناشطين لـ«الإخبار» إن السلطات التركية رفعت بشكل مفاجئ كميات المياه المفرغة من سد أتاتورك، أكبر السدود التركية على نهر الفرات، لتصل ـ بحسب التقديرات ـ إلى نحو 2000 متر مكعب في الثانية، أي ما يعادل أربعة أضعاف الحصة المتفق عليها مع سوريا بموجتاىب اتفاقية عام 1987، والتي تنص على تمرير نحو 500 متر مكعب في الثانية.
 
ويضيف أن تركيا، التي لطالما خفّضت كميات المياه خلال سنوات الجفاف إلى مستويات أقل من المتفق عليه، كان يفترض بها إدارة الفائض المائي تدريجياً وبالتنسيق مع سوريا والعراق، بدلاً من فتح المفيضات بصورة مفاجئة ومن دون مراعاة هشاشة البنية التحتية داخل الأراضي السورية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأضرار في الأراضي الزراعية والمنازل وممتلكات السكان، وفق تعبيره.