Thursday 29th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-Oct-2020

سامية الزرو.. عمرها الفني 475 سنة

 الراي-ملك يوسف التل

خلافا لما يعتقد الكثيرون: الفكر العلمي والفكر الأدبي يتفقان
 
حاولتُ أن أصنع تلاميذ.. وللأسف لم أنجح كثيراً.. يهاجرون أو يتزوجون
 
كلمة مصمم أو ديزاينر أصبحت مستهلكة ومبتذلة
 
نابلس في ذاكرتي أقرب إلى القدس
 
أكتب للأجيال البريئة الطاهرة التي لم تتلوث بعد
 
العمل الفني خبرة وتجربة ومعاناة وفرح واشتياق
 
عندما تُنهي الفنانة سامية الزرو تشكيل كتابها الذي طال انتظاره، فإنني أتخيله سيكون حدثا ثقافيا بوزن اكتشاف مطعوم معتمد لكورونا. على الأقل هذا بالنسبة للذين عرفوا أو تتلمذوا أو تابعوا أو انتظروا فرصة الاستماع اليها
 
سامية الزرو تحكي كما ترسم، وكما تكتب لمن تسميهم الأجيال البريئة الطاهرة التي لم تتلوث بعد. وفي الحالات الثلاث، تأتي التشكيلات خلطة من خبرة وتجربة ومعاناة وفرح واشتياق، فتبدو فيها جداريات الممر التاريخي منتصبةعند اطراف منتزه عمان القومي، بعد ان تكون مرّت على النادي الأرثودكسي والمدينة الرياضية - عمان، وانتقلت من بلدية رام الله وهي تحمل منحوتات الحديد لتوزعها بين بيروت وعمان و متاحف عالمية في البيت الأبيض، و روكفيللر وفي الفاتيكان وألمانيا و ماليزيا.
 
سامية الزرو مواليد نابلس نهاية ثلاثينيات القرن الماضي. لكن عمرها التشكيلي الحقيقي 475 سنة. مشكلتها انها تشعر بأن الذين حاولت، في عملها الاكاديمي ان تُنشئ منهم جيلا من الفنانين، خذلوها.. إما هاجروا او تزوجوا مبكرا.
 
أين وصلت سامية الزرو في مشوارها الفني خلال الرحلة متعددة المحطات والمفارق؟
 
قبل أي شيء أحب أن أثبت نظرية أن الفكر العلمي والفكر الأدبي يتفقان. خلفيتي كانت تحضيري لدراسة وامتهان الطب. ولكن حصل انني لم اتحصل على بعثة الطب. جاءتني بعثة مشروطة بدراسة الفنون الجميلة، فوافقت. عاملت الفنون الجميلة كعلم، وليس كالمألوف لدينا بان من يدرس الفنون الجميلة لا يكون ناجحاً في أي شيء. فأهم شيء هو كيف يبدأ الشخص المسيرة.
 
هي عملية فكرية جداً تحتاج إلى عقل مفكر مبدع وفيها عمق شاعري وعمق أدبي وتتناول كل النواحي. من يقول بأن الذي يقوم بعمل لوحة فانه فقط يتناول سطح اللوحة، أقول له: لا فاللوحة لها أهمية ولها خلفية من الناحية الأخرى، وهذه الخلفية هي التي تغذي الفكر.. أي عمل لا يوجد به فكر لا يدوم.
 
إذا عدنا للماضي نجد ان اغلب العلماء كانوا من الفنانين في العالم مثل مايكل أنجلو. لم يكن أحد منهم سطحيا، ولعمق علمهم أسسوا مدارس.
 
لدي أصدقاء كثيرون منهم علميون ومنهم من التجأ للفن فقط لأنه لا يوجد مجال آخر يقبلهم. منهم مبدعون وآخرون جهلة يتناولون الساحة ويصبحون فنانين، لأن عملية الفن ليست لوحة كما ذكرت. الفن تخطيط، والتخطيط يحتاج إلى تفكير، والتفكير يؤدي إلى (سكتش) فهو الذي يفضي إلى علم.
 
الإنسان العادي يمكن ان يرسم إنسانا أو نباتا، لكن الفنان يستوعبها ويخرجها في إطار ثان وهو الإطار الفني.
 
أكيد نحن لا نتخطى الطبيعة، كوننا نقلد وجودنا في عالم كله جمال. لا أقول بأنني أزيد على الطبيعة، ولكن أزيد عمقا معينا من داخلي وانفعالاتي ومشاعري والمؤثرات حولي. أزيدها على العمل حتى يخوض المشاهد جولة معي داخل العمل ويخرج نوعاً ما بفكر آخر.
 
العمل الفني خبرة وتجربة ومعاناة وفرح واشتياق، كلها تترجم في عمل واحد. إذا كان العمل محكي أكثر من بُعد أو لوحة فإن الفنان يجب أن يشمل أي شيء، النحت له خامات، والتلوين له خامات، لكن الفكر رحب لا حدود له.
 
ما هي محاولاتك لخلق جيل يتابع المسيرة؟
 
أهم ما في رحلة الفن ان يستمر الانسان ويكمل ما بدأ به، ومسيرة الفن لها بداية لكن ليس لها نهاية، فما دام الشخص لديه المقدرة بأن يقوم بها فاليكمل المسيرة.
 
أنا ركزت في هذه المسيرة وحاولت أن أخلق تلاميذ وللأسف لم أنجح كثيراً، مع أنني علمت في أماكن مختلفة. من نقوم بتدريسهم يغادرون.. منهم من يتزوج وآخرون يغادرون الوطن وغيرهم لا أعلم أين يذهبون.
 
في قسم الفنون بالجامعة الأردنية وقبلها في جامعة البتراء.. غادروا فإما أن يستوعبهم الخليج أو أن يتزوجوا. لا نجد التزاما.
 
الفن التزام نوعاً ما لأنه بصري وحسي وشمولي أكثر من أي شيء آخر. الكتاب مثلاً يُقرأ لكن لا يوجد خلف الغلاف إلا رأي القارئ والكاتب، أما اللوحة فلها أبعاد تخترق ومتعددة نجدها أينما كان. إذا تحركت ورقة الشجر فإن فيها فناً، وإذا السنبلة تحركت وانحنت فإن بها فن. هذه الأمور المتعددة الأبعاد والتي هي من جمال الطبيعة ليس لها حدود. وكذلك الصوت أيضاً. صوت الشتاء وصوت الهواء وصوت الربيع ورائحته. وهكذا ترين ان الفنان يعيش بأجمل وأعمق عمل فني في العالم.
 
برأيك من الأكثر ابداعا الفنان أم الفنانة؟
 
في الفن لا يوجد أنثى وذكر. الفن هو فن، و الفنان فنان لا هو مؤنث ولا مذكر. والفن مجال تعبير لا يعطي مساحة للتفرقة الجندرية.
 
لقد عملت في الحدادة وفي التلحيم والسكب وفي الرسم والتصميم وتعليم التصاميم للتطريز. أقمت مؤسسات ومركز الأيدي الذي استوحيته من اليد التي تعمل. جمعت كل الحرفيين الذين بتقديري جهدهم فني حرفي ولا يحتاجون إلى فن ليصبحوا حرفيين. لكن الفن هو فن وبعدها الفنان يحترفه.
 
الناس أصبحوا يتسلقون على الحرف والحرفيين. كل واحد يقول بأنه أصبح مصمما مع أن الحرفي البدائي هو مصمم. بالنسبة لي لم أحصل على شهادة مصممة الا بعد ست سنوات. ليس بعد التوجيهي أصبحت مصممة، فالتصميم علم وحرفة بحد ذاتها مثل الطب والهندسة وغيرهما من الحرف.
 
في بدايات حياتك الفنية هل حاولتِ التقليد أو الاقتباس؟
 
لست محتاجة للتقليد ولا للاقتباس. الفنان الحر لا يفعل ذلك لكن ممكن ان يقتبس تقنية، والتقنية تصنعها شركات. أحصل على تقنية استعمال دهان الزيت مثلا من شركة دهان الزيت، وتقنية الأقلام من شركة الأقلام. التقنيات لا تُعلّم، هي تجارب.
 
أيضاً التصميم ليس أن تنقل شيئا عن شيء. عملية التصميم ليست تقليدا للخالق لكنه خلق مما يتم استيعابه من حولنا في إطار ثان وهو ما يسمى تصميما (ديزاين)، ولذلك نرى الآن (ديزاينر) في كل مكان، هؤلاء يستعملون أدوات التصميم ويخولوا حرفيين لعملها.
 
أحياناً أتساءل لماذا الفنانون القديرون في هذه المنطقة ليسوا كثرا. من جيلنا كانت هناك مجموعة جيدة، و في الجيل الذي بعدنا انخفض العدد، والجيل الذي علمناه لا نجدهم. فكيف اذن يولد «ديزاينر» جديد؟! نحن نولد معماريين ومن كلية الطب وكلية التربية وهؤلاء نقوم بإعطائهم دروسا. هناك فن للتعليم، وفن للعلوم و للمعمار، لكن أرى الآن أن كلمة مصمم أو ديزاينر أصبحت مستهلكة ومبتذلة. بحثت كثيرا عن حرفيين، من الجنوب إلى الشمال حتى أجد الحرفي الحقيقي. الأردن ليس بلدا حرفيا بالأصل، لكن هناك بعض الحرف الأردنية مثل المرباش حيث الحفر بيد البدوي، والغربال حرفة.
 
عدم تفهم أبعاد و معنى الحرفة والتصميم خلق تشويشا لها. وداد قعوار اعتبرها شمعة التراث، وهي لا تدعي التصميم مع أنها قامت بدعم المسيرات وقد تعلمت منها وتعلمت مني. المصمم يمسك قلما ويقوم بعمل سكيتش، وبعمل الديزاينر. هذا الأمر بحاجة إلى توضيح حتى لا يدعي أي شخص أنه مصمم.
 
كفنانة هل تعيشن ما يوصف بالفوضى المنظمة؟
 
لا بالتأكيد حياتي الفنية وبعيدا عن الفن منظمة جدا، وهذا ما عشت وتربيت عليه منذ طفولتي. نحن عائلة مبرمجة، لأننا من عائلة علمية، فمثلاً والدي في برنامج الصباح كان يفترض أن نتناول طعام الإفطار مع بعضنا بعضاً، والإفطار يكون على حسب (المنيو) الذي يريد.
 
ماذا يعلق في ذهنك من نابلس الطفولة في اربعينيات او خمسينيات القرن الماضي؟
 
لأن والدي ونحن صغار كان مفتش صيدليات في عموم فلسطين والأردن، لذلك كان لنا المجال بأن نزور كل المنطقة، طولكرم وجنين وبيت لحم والقدس وعمان.
 
في عمان كانت صيدلية شقير بجانب الصالون الأخضر، وهو صديق لوالدي. كانوا يقولون عنا أولاد الصيدلي. في ذلك الزمان ولغاية الآن يشعرون بأن الصيدلاني دكتور فكانوا يطلبون منه وصف الدواء.
 
طفولتي في نابلس عشتها ما بين المدرسة الإنجيلية الى رام الله حتى عام 1948، دخلنا مدرسة (الفرندس) عام 1949، وبعد أن حصل حادث مع شقيقي الكبير حيث دهسته سيارة عراقية عام 1948 غادرنا مع والدي وفتح صيدلية في رام الله، فأدخلنا بداية في مدرسة بيرزيت وبعدها في رام الله.
 
وما الفرق بين نابلس ورام الله في ذاكرة وذكريات سامية الزرو؟
 
نابلس في ذاكرتي أقرب إلى القدس، وهذه النقطة لا أحد يثيرها. شوارع القدس القديمة التي يتغنون بها هي شبيهة تماما بشوارع نابلس القديمة، لا يوجد فرق أبداً.
 
ذاكرتي عن نابلس عميقة جداً لأن كل أصحاب والدي من نابلس، عبدالهادي وطوقان والشكعة ودار الخوري وبشناق ايضا، وهم روس ويوغسلاف جاءوا الى نابلس من زمن بعيد وتزوجوا من نابلسيات. أتذكر كل شيء في نابلس.. بلد جميلة وعريقة والجوامع بها جميلة، وفيها أحواش كبيرة جداً ولكل عائلة حوش.
 
«محطات ومواقف وانجازات على أوراق مبعثرة» عنوان كتابك.. لمن تكتبين ومتى يخرج إلى النور؟
 
ما زلت أعمل عليه منذ فترة ليست قصيرة، لكن ببطء.. لست على عجلة الأوراق أمامي أكتب كلما شعرت برغبة في الكتابة فالعقل يحتاج لراحة نفسية.
 
أروي فيه مسيرة حياتي في الفن وغير الفن ويغلب عليه الواقع المؤلم الذي عشناه ونعيشه بحال أسوأ، فما كان مخفي في الأدراج وتحت الطاولة أصبح فوقها مكشوفا للعيان دون خجل ولا حياء ولا انسانية. وأعتقد انه كتاب قيم.
 
أما لمن أكتب فأنا أكتب للأجيال البريئة الطاهرة التي لم تتلوث بعد، ولن تتلوث باذن الله، ولا أكتب للنقاد ولا لمن يقرأ ولكنه لا يقرأ لأنه لا يعرف ولا يفهم ما يقرأ.