Friday 29th of May 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-May-2020

التوثيق الروائي في رواية «حمام الذهب»

 القدس العربي-هدى الهرمي

عن داري مسكيلياني ومسعى للنشر والتوزيع صدرت رواية «حمّام الذّهب» للكاتب التونسي محمد عيسى المؤدب سنة 2019.
سبق أن تعددت القراءات وسبر أغوار الرواية بكل تفاصيلها وتقنياتها، لكن هنا في هذه المساحة يكون التركيز على مفصل مهّم ومحوري في الرواية، وهو مجال البحث المعمّق في القصص الشعبية والخرافة والفائدة الأساسية، التي وُجدت في الرواية لتتيح لنا الرجوع بشكل شبه موثوق إلى الآثار والتاريخ، وأيضا التقاليد أو الأحاديث الشفاهية، التي تُنقل عبر الحكايات الغارقة في الزمن، وبقي لنا أن نسترجع تلك القصص المدهشة المقيمة بيننا والموروثة من جيل إلى جيل.
لكن اللافت للنظر أن الروائي تجاوز ذلك بالتخزين والتقصّي وأيضا باختراق خيال القارئ، وهو ويعيد بناء حكاية سحرية، محاولا نصب خيوط متشابكة ومنكهة بالحكمة والخيال، لافتاً الانتباه إلى العديد من المعطيات الوافدة من أحداث واقعية في صلب الماضي، واستمدّ ذلك من مكتبة مدينة تونس، إضافة إلى حكايات المؤرخين.
إن مخطّطه الروائي ببساطة هو إعادة تركيب واقع تاريخي مثبّت من جهة، وهو واقع الجالية اليهودية، وما تعرّضت له من تهجير ومحن في ظل النازية، وهروبهم من إيطاليا الى تونس المدينة تحديدا، لكن تمّ اضطهادهم فيها أيضا وتعرّضوا للقمع والحرق من قبل القوى الاستعمارية. ليهاجروا مرّة أخرى إلى أوروبا. لكنهم دفنوا كنوزهم في حيّ الحارة، التي تركوها قسرا، خصوصا الذهب الذي برعوا في تجارته مع الأقمشة.
«حمام الذهب» أو» خَطّاف الصبايا» في «برّ الربط»، الضاربة أسطورته في زمن منصرم، هو حمام الحريم، لكنه حاز أكثر شهرة في المدينة العتيقة، ويُعتقد أن حكايته لن تتوارى وستظلّ إلى الأبد. والرواية كانت محاولة في تمييز الحقيقة من الخيال والأسطوري من الواقعي، وما تتخلّلها من تفاصيل الحفر المتكرّر في أرض «حمّام الذهب» لاستخراج الكنوز، ومع تلك المغامرات كان النبش في التاريخ. لكن محمد عيسى المؤدب قام بدراسة الحكاية، ليتجاوز الحكايات الشفوية و(فصم عُراها) فيبلغ شطآن الحقيقة الكامنة في الواقع، لكن بطريقة كشفت ماهيّة الأشياء والأحداث، بإمدادات أدبية وتاريخية، ليزيّنها بالطرح والتطّرق إلى مجموعة من المفاهيم والأبعاد الإنسانية، وحتى المعتقدات الدينية، عبر الشخوص والخيال، وإعادة تركيب الأسطورة في شكلها الأصلي مع الوسائط الغامضة في الحكاية الشعبية ولغزها الراسخ واللامعقول.
إنها رواية تسلّط الضوء على حقبة معينة من التاريخ منذ القرن السابع عشر، كما تتقاطع مع المعطيات الأثريّة إلى درجة أنها تتيح لك رصد الثوابت أيضا، من خلال الأماكن. كأنه يجوب بنا أحياء المدينة العتيقة بدءا بحارة الحفصية، والحلفاوين، وباب سويقة، وحيّ الحارة، إلى حدّ الإبهار والرغبة في استكشاف المواقع التي وحدّت مختلف عناصر الرواية وفصولها الثلاثة عشر، فرافقنا «سعد وهيلين» أبطال الرواية في المواقع المختلفة المشدودة إلى التاريخ. وفي كل الأحوال برع في ذلك وكأنه يعيد ابتكارها، أو يلجأ إلى ترميمها بحكبة آسرة ولغة مترابطة البنيان ومتتابعة، إضافة الى سلاسة السرد.
في هذا السياق يقول المفكّر اللبناني علي حرب «إن الفكرة هي علاقة بالوجود نجترح بها المعنى، ونصنع الإمكان بخلق وقائع يتغير معها الواقع على مستوى من مستوياته». وهذا طبعا ما يقوّض الأفكار المحضة والقوالب المحكمة التي يعانيها المجتمع من خلال الفكر النمطي . وفي المقابل استمد الكاتب فكرته الخصبة في طرح مختلف الظواهر من التاريخ، الذي شكّل مصدرا أساسيا لإثراء روايته، ووسيلة ناجعة ساهمت في توسيع أفكارنا لمصلحة الحقائق الجوهرية، من دون الوقوع في الحتميات والأنفاق وتلك الخنادق الأيديولوجية.
إن التعسّف والعنف الفكري، أيّا كان مصدره يؤدي إلى حجب وإقصاء الآخر، ما يجعله متلبّسا برؤية ضيقة. لكن لمحمد عيسى المؤدب أدواته في تشكيل اقتباسات من الذاكرة الشعبية وتطويعها بطرائق جديدة، لتغدو فسحة للمخيّلة، باستعارة تاريخية، مع حبكة تعرض مقاربة نوعية للخرافة، بزجّ حياة جالية اقترن مصيرها بكنز دفين ومخطوط أثريّ وظلت آثارهم مختلطة بعبق الأسطورة.
«سعد وهو يكتب يوميّاته كان يعود إلى ذاته» التي لا تخلو من صوت الكاتب، بكلّ ما سجّله من حقائق تاريخية، من دون مواربة ولا تحيّز، بقدر ما هي رسائل ذات معان مؤثرة ومتعددة الطرح. أهمّها التطّرق إلى الصدام والصراع الأيديولوجي والعقائدي، في مجتمعات ترفض الاختلاف وعاجزة عن الانصهار والتكتّل مع الآخر، متضرعة بهويّات وثقافات مختلفة في ظل النعرات القومية والتعصب الديني مع أن القواسم المشتركة متعددة.
«حمّام الذّهب» هذه الأسطورة أو الحكاية، هي في الواقع إحدى الوسائط في رصد حقيقة تنقلنا عبر الزمن، وتحمل بقايا أفكار ظلّت راسخة في الذاكرة الشعبية بتلك الصورة المتخيّلة التي اكتسحها محمد عيسى المؤدب، ليعيد بناء الشكل الأصلي للحكاية حسب وقائع تاريخية. في هذا الصدد يقول «ميخائيل ويتزل» العالم اللغوي في جامعة هارفرد الأمريكية :»عِلم الأساطير المقارن قد يساعدنا في كشف ماهيّة الاهتمامات الأساسية لأجدادنا القدامى، وكيفية استمرار بعض أفكارهم في التأثير في فكرنا الحالي». في حين أن الكاتب أعاد تركيب الأسطورة بكل تقنيات الرواية المعاصرة، ليزيد من عمرها، ويكشف عن الظواهر التي عاصرت تلك الحقبة، لكنها لا تخلو من الطفرات والغموض الذي يعشّش في الذاكرة الشعبية «البكماء» على الأرجح، لذلك تطلب الأمر إنشاء علاقة مذهلة وحرفة أدبية تعيد صياغتها، من دون الاكتفاء بمورثّاتها الشفوية، لكن حسب توجهات تاريخية استثمرها بفاعليّة في هذا العمل الإبداعي.
 
٭ كاتبة تونسية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات