Friday 5th of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    17-Jan-2021

من وحي رواية «عدوى الحب والموت» للدكتور حسين العموش

 الدستور-عاطف الصبيحي

 من وحي الوجع، وجع الفقد أنسج هذه السطور، حيث التزامن غير المدروس بين الشروع بقراءة الرواية، التي فرغت من الاستمتاع بها والتوجع منها، مع فقدان أخي الكبير بسبب طامة كورونا، والفارق الزمني الفاصل بين الفراغ من القراءة ونبأ الفاجعة سويعات لا أكثر، وفور الانتهاء من مراسم العزاء استولى علي شعور بالكتابة حول رواية الدكتور حسين العموش «عدوى الحب والموت» موت الأعزاء، الذي يُشكل لنا ميتات قبل أن نلحق بهم، مع أني قارئ للروايات ولست بكاتب عنها، فهذه المرة الأولى التي امتشق قلمي لأخطّ كلمات حول الراوية التي فازت بإعجابي.
إن لم يكن فن الروية هو فن التفاصيل الصغيرة فماذا يكون؟ وإن لم تكن الرواية مسرحا ورقيا لنبض الشارع فماذا عساها تكون؟ وإن لم يكن الروائي مُشخصا لعلل المجتمع، وصائغا للحلول فمن يكون؟ ومن لملمة التفاصيل تترسم أمامك ملامح مرحلة تاريخية، رُسمت تفاصيلها بدقة روائي وعناية شاهد مُعايش، التي تصبح قيدا لا ينفك منه القارئ، تأسره أينما يمم عينه بين سطور الرواية، تتقاذفه المشاعر أو قل خليط من المشاعر، وهو هنا - القارئ- وقع في الأسر حين تملّكه فضول إكمال الرواية.
تأسرك في الصفحة السابعة عبارة» علينا أن نجد طريقاً مختصرًا للموت، بعد أن ظللت كل الطرق للحياة» جملة اختصرت الشعور الجمعي الذي خيّم على نفس الشعب الأردني، وكأني بكل الناس نطقها بصورة أو أُخرى، ولكن الروائي خطّها وكأنها نحت في الضمير، مؤمنين بها، ولا يريدون تصديقها، وأظن هذا دور الروائي أن يكون مرآة تعكس شعور وتفكير الشعب.
فقدان الحيلة كليةً وتوكل الحياة بشؤوننا جاء هذا الوضع لتعكسه لنا عبارة في الصفحة الثامنة مباشرة ليكتمل المشهد مع الصفحة التي سبقتها «إننا لا نذهب حيث نريد، بالقدر الذي تقودنا به الحياة ككلاب عبدون، ودير غبار» ويأبى الروائي إلا المكاشفة المسكوت عنها، يفضحها بزمجرة الحر حيث يختم عبارته السابقة» فرق وحيد بينك وبين الكلب، هو باهظ الثمن والسلالة، وأنت رخيص الحياة» وكأنما ندرك هذه الحقيقة لأول مرة، لها طنين في الأذن وضجيج، وفي القلب أسى عميق، وتشخيص لواقع مُعاش وإن كان مؤلمًا.
للموت رائحة، وللفقد في زمن كورونا طعم جديد، وهذا ما عاينته بنفسي حين فقدت أخي الأكبر، وكما قلت آنفًا هنا تكمن قدرة الروائي على تمثل حالة الناس، وتصوريها بكلمات معدودات، وقد فعل.
اللغة تناوب عليها الفصيح البليغ، والمحكي الجميل، لتوصيل رسالته سواء من خلال الحوارات بين شخوص الرواية، أو من خلال توظيف الكلمات الدراجة، وكانت في مكانها المناسب والجميل، وهذا دور الروائي في زمن التيه، كما يصفه الدكتور حسين نفسه.
يلمس القارئ هاجس الحرية عند الروائي، من بواكير الرواية، فهي تشكل قاعدة إيمانية في وجدانه، فيصف ذلك بقوله»... هو يصنع معجزة لنحت كلمة حرية على صخرة الحياة، لتقرأها الأجيال القادمة» بحق هذا عمل فني سيقرؤه القادم من الأجيال، ليقفوا على مرحلة تاريخية فرض فيها فيروس لا مرئي هيمنته على نظام الحياة برمته، ولعلي إن جاز لي القول فإن رواية «عدوى الحب والموت» هي تأريخية بقالب فني للانقلاب الاجتماعي، فأصبح من البديهي أن ما بعد كورونا ليس كقبل كورونا، والرصد الروائي التاريخي هو ما جسدته رواية الدكتور العموش.
وأخذنا العموش بسياحة رائعة بين طوفان الحب، حب الأفراد كثنائي المتجسد بشخصية سامي «الحب التملكي» والحب المغموس بالاتزان وجسّده الدكتور علي، والحب كصبغة صبغت الشعب الأردني وميّزته» رومانسية الأردنيين ضاعت بين لقمة العيش وتوقهم للحرية والعدل» لتعود الحرية لتطل برأسها كهم من هموم الكاتب، وجسد لنا في سياحته سلاسل التردد، وكثيرا من الدمع، وقليلا من الفرح، والترقب هو سيد الموقف، والدعاء المشبوب بعواطف نبيلة هو النفث السائد، والوطنية الحقة التي لم تنجُ من وهج الحب ونيره، فأضلت بعض الطرق، وهنا تجلت الجدلية بين الحب والموت، فقتل الموت بدافع فائض الحب جذور الحب، تفخيخ الدولارات مثالاً ساطعًا.
التفخيخ والكارثة التي نتجت عنه بدافع عشى الحب، فأدخل الموت للنفوس، واسكن الرعب في القلوب، وأشغل الأجهزة الطبية والأمنية، ليتفرد بالمحبوب، سامي كان لغز القصة التي لم يوصد الكاتب بابه، وابقاه مشرّعاً للقارئ، مثيرًا بذلك قضية خلافية حول بطل الرواية وما اقترفته يداه من جرم بحق شعب بأكمله، وقابله عمل بطولي عبقري باتجاه الكيان، وتركنا الكاتب في جدلية التعاطف والغضب، والمرجحة بين الفرح والحزن.
وخز المفاجأة التي تداهمنا حينما نكون قد استغرقنا في القراءة، كان كمن يستيقظ فجأة فزِعاً، ولا يزيدنا ذلك إلا طمعاً في المواصلة لمعرفة حدود تلك المفاجأة، إرسال دولارات مفخخة بأسلوب شيطاني للدكتور علي كانت إحدى مفاجآت الرواية، والزوجة الثانية اليهودية من أصل مغربي، والعمالة المزدوجة، وخيبة ظن الموساد باصطياد هدفه.
زرعتنا الرواية بين مطرقة العتاب، وسندان المغفرة والصفح، عتاب النفس للنفس على ما فرّطنا به في سالف الأيام من قصور في توادّنا وتواصلنا، وبين مغفرة وتسامح تجلّى في رغبة عارمة في التجاوز حين تعود الحياة لطبيعتها، ليكون ليان الحال الجمعي لقد تعلمنا من كارثة كورونا، وبين سطور الرواية « المسكوت عنه» تجلّى لنا الفرق بين العيش والحياة، وعلى رأي الشاعر إليوت أين هي الحياة التي أضعناها بالعيش.
الناظر لراوية «عدوى الحب والموت» لا بد أن يلمس بغير كبير عناء، إلحاح الدكتور حسين على قيم الحب والعطاء والحرية والعدل والتقوى والإيمان، هذه القيم هي التي تفصل بين العيش والحياة، وهذا هو السؤال الفلسفي الكبير الذي طرحه الشاعر إليوت، وضمنه الدكتور حسين روايته من مبتداها حتى خاتمتها.