Friday 26th of May 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    15-May-2017

الذاكرة الأندلسية - رزان الزيود

 

الراي - بالرغم من أنه اليومَ مدرِّسُ تاريخٍ في أعرقِ جامعات إسبانيا، وكاتبٌ على وشكِ أن يُنشر كتابُه الثالث، إلا أن هذه الأمور كلَّها تعكسُ حاضره، يتجاهلُ الماضي الذي ينتمي إليه. يدرك كم مِن الفراغِ تتركُه بلده في نفسه، على الرغم من كلّ هذا.
 
منذ أن حملته الأمواجُ إليها، وهو يحاول فَهم تاريخِها، وإيجادَ كتب عربية تتحدث عن تاريخ الأندلس. ولم يكن من السهل إيجادُها، فإيجاد كتب عربية في إسبانيا كإيجاد إبرة في كومة من القش، فقد أشار المؤرخُ والباحثُ الإسبانيّ (إيتشيبيريا) في كتابه «جولات في غرناطة ونواحيها»، إلى أنَّ عددَ الكتبِ الإسلامية الأندلسية التي أُحرقت في ساحة (باب الرمبلة) عام 1502م تجاوز المليون وخمسة وعشرين ألف كتاب، عدّها بعضُهم إبادةً لأجيالٍ طويلة من البحث بعدَ سقوط غرناطة، الأمر الذي دفع ببعض الجمعيات الإسبانيّة إلى المطالبة باستعادتها، لا سيما وهي تمثِّل الذاكرة الأندلسية، وتعدُّ من أهم ما أنتجته الحضارةُ الأندلسية.
 
لكنه تمسَّك بما قال بعضهم: إنه قد تمّ إنقاذُ آلاف الكتب بحملها معهم حيثما حلُّوا ورحلوا، أو بطمرِها في التراب، أو وضعها في صناديق خشبية وإخفائها في إحدى القلاع، وفي أماكن أخرى متفرقة من إسبانيا.
 
كان شيءٌ يشدُّه لمعرفةِ كلِّ ما حصل على أرضِ إسبانيا وتحت سمائها، يتوقُ إلى قراءةِ تاريخِها العريقِ، الذي تعاقبَت عليه أممٌ وحضاراتٌ عدة عبر الأزمان. في كلَّ مرة يقفُ فيها أمامَ غرناطةَ الجميلةِ الأنيقة، يتّخذ له ركناً قصيّاً، يختلسُ النظرَ منه إلى المكان، يقف ساعات طوالاً على الميناء، الميناء الذي وصل إليه هرباً من الموت، يُفكّر في أنه قد يكون الميناء ذاته الذي طُرد منه سكان المدينة الأصليون إلى البحار، التاريخ يعيد نفسه، ركبوا من هناك القوارب التي لم تكن آمنة، يبكون كل ما تركوه وراءهم.
 
كلَّما قرأ عنها ولو بضعة سطور، يتحسّرُ على هذه البلادِ التي كان مِن الممكن أن تكونَ اليوم إسلاميةً بحضارةٍ عربيّة. يجب أن يكون هذا التاريخُ عبرةً ودرساً لكلِّ الأمم التي قَامت بعدَها إلى يومنا هذا أو إلى مستقبلنا، هذا التاريخُ الذي شهد على كلِّ أسباب قيام الأمم وسقوطِها. أممٌ وحضاراتٌ مرَّت من هنا.
 
أخذ يتصفَّح الكتب بحثاً عن أسباب سقوط الأندلس، وأسباب قيامها. وجد أنّ كل الأمور تبدأ وتنتهي باتفاقية فاشلة، أو بمخطط بشع. كل مشكلات سقوط الأمم وقيامها تبدأ وتنتهي بنقطة تحوَّل، بساعة قوة أو ساعة ضعف.
 
تحوّل إلى باحث في التاريخ بعد أن بدأ بالقراءة، يبحث عن الحقيقةِ ويتتبَّعها، يدرسُ مادة التاريخ، يُدرِّسها في العديد من الجامعات، عرف كثيراً من الطلبة الذين يمكنهم إثبات أصولهم الأندلسية، منهم من طُرِدت عائلاتهم إلى مدن مجاورة، كثيرٌ منهم استطاع أجدادُهم أن يتذكّروا أنهم كانوا يدينون بالإسلام منذ مئات السنين، وأنهم أخفَوا هذه الحقيقة خوفاً على عائلاتهم من الموت المحتَّم. وبعد معرفته بكل تلك الأمور، طالب الدولة الإسبانية، بيوم ذكرى للمسلمين الذين هُجِّروا من أرضهم، لم يحصل على مراده إلى هذا اليوم. الأيام تمرّ سريعاً، ما زال المسلمون يُقتّلون على أرضهم وفي بقاع العالم كلّه بلا رحمة. في عام 1992م قدمت إسبانيا اعتذارها لليهود الذين طُردوا من الأندلس بعد سقوطها، متناسية أنّ الأغلبية من السكان الذين طُردوا كانوا من المسلمين والعرب. كتب يقول: ولدت عربيّاً، وسأبقى عربيّاً في نظري، وفي نظر العالم؛ فنحن العرب نتحمّل كُرهَ الناس وأحقادَهم وقلوبَهم السوداء..
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات