Thursday 29th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    29-Sep-2020

قراءة في ديوان «شغب» لموسى حوامدة

 الدستور-أحمد الكواملة

إن ما يلفت الانتباه عن قراءة المجموعة الشعرية «شعب» للشاعر «موسى حوامدة» احتفاؤه الواضح بالكلمة، أو باللغة بمعناها الواسع، انه يطرح مقولته الشعرية عبر تآلف لفظي غاية في الإثارة والقرب معاً، فهو قناص ماهر للألفاظ التي تلائم الفكرة أو الحالة التي يريد، وهو في سعيه هذا يحاول أن يبقى على قدر الشفافية الموصلة في خضم تفاعلات قصائده المشاغبة، عبر حالة من الرومانسية المقاتلة أن جاز التعبير، إن أغلب قصائد الديوان تبوح بروح الثورة، إنها تعبير عن وجدان المقهورين، وانعكاس لمقولة الشاعر الفكرية والسياسية انه يرى باختصار شديد، إن الولادة لا تبدأ إلا بالدم وهو الخطوة الأولى إلى الوطن الحلم..
«يا ناثراً دمه/ ستجمعك الصبايا/ تحتمي فيك الخيام/ يا ساكباً جمر الكلام/ ستسكن الأحلام فيك/ وترتمي فيك النجوم/ وتشتهي منك التفتح والغرام/ يا جارياً دمه عذاباً من بلاد/ فيك السلاسل والأغاني والجياد/ يا شاطئ الأشياء .. طعم الموت/ يا سر البلاد/ فيك البلاد ومنك أغنية البلاد/ وغزة الآن الدليل....»
المرأة.. الوطن:
إن المتتبع لقصائد المجموعة، يستشعر أنها تصدر عن قلب عاشق، تتداخل فيه الأحاسيس الجميلة حيث يسمو عشقه، فتصبح المرأة صورة للوطن، ويصبح الوطن صورة للمرأة المشتهاة، في حالة رامزة تفيض عشقاً يفترش مساحة الوطن كله...
«أيتها الملكة المتوجة بالرحيل والقصائد/ أيتها الخارطة التي تصعب على الواقع/ وتسهل في الرسم. كم أشتهيك .. وكم احبك/ وأفضل يبابك على العالمين...».
وتتكرر هذه الحالة في أكثر من قصيدة مثل «أنت، لمها الوطن، وغيرها.
المدينة.. موقف:
وكأكثر الشعراء فانه يقف من المدينة بكل ما تمثله من مدينة زائفة وقمع وطبقية وجهامة ومادية، بكل ما تحمله في أحشائها من رغبة في القهر والإذلال والتسلط والامتصاص، بكل ميلها المحموم إلى الأيام وقتل الروح الإنسانية، إنها صورة مأساوية مريعة، هكذا هي المدينة..
«أبداً تظللني المدينة بالعناكب/ تشتهي وجعي/ تلاحقني كخيطٍ من دمي/ كخيل الفتح/ والطرقات في لحمي/ لها رسمٌ/ مآذن من خرافاتٍ/ وأصواتٌ بلا جدوى/ مناديل بلا أفراح../ محارم من وجوه فارغة ...!!»
البنية النفسية:
إن الإحساس بالإحباط والاستلاب الفكري والغربة، وما يقابلها من رغبة في الانقضاض وتغير الواقع الضاغط، يشكل أساس البنية النفسية التي تنبثق عنها أكثر من قصائد ديوان « شغب « والتي يشكل الشاعر من خلالها طرحه الفكري والسياسي، ولعل هذا الإحساس السالب يشكل في بعده الأعمق ميزة تتيح له قدراً اكبر من الصلابة والتحدي رغم دخان الإحباط والضياع...
«هل خانك المطاط/ أم صلبوك فوق الحرف جمجمة/ وأعطوك البديل/ قتلوك أغنية/ مقاطعها رسائل للتي انتشرت على المرجان خارطة/ وأودعت العيون خيالها/ سجنوك في مدن السجائر والمسارح/ واقتضاك العيش أن تبقى الأخير/ طعنوك مئذنة تناثر شكلها/ وتهدلت فوق القصائد../ والموائد.. والطحين..!
وتأتي قصائد «احتراق، مستحيل» تعزيزاً لهذه البنية النفسية التي تشكل بعض مناخات ديوانه.
البنية اللفظية:
إن الإطار العام للبنية اللفظية والشكلية لا تكاد تخرج عن الإطار العام الذي تدور في فلكه أغلب القصائد العربية الحديثة، على أن الملاحظ، أن صيغ المضارعة تكاد على سائر الصيغ، وهذا قد يشكل حالة من الميل الخفي إلى الانعتاق من ماضي فاجع إلى مستقبل أكثر إشراقاً، كما انه يلاحظ ميله إلى استطراد الصفات المرتبطة بحالة معينة، وان كانت تبدو مختلة، إلا أنها متقاربة من حيث المرجعية الحركية أو النفسية..
«أرخت باسمك قامة... ورداً وخنجر ...». «وكتبت انك باب فجر.. واحة.. شجر.. جموح فارس.. روح .. حصان .. شارع .. سفن وسارية ومنبر ..!». «ساحة للفعل طقس.. ثائر.. وقت ودفتر..».
الصورة الشعرية:
ولعلنا إذا توقفنا عند الصور الشعرية التي تشبع في ديوان «شغب» للشاعر موسى حوامدة سنلمس أن أكثر هذه الصور تنحدر من مرجعية حركية يشكل الماء عنصراً مشتركاً فيها..
«يا فاتحاً دمه نهاراً من السحاب ..». «دمه.. حركة وسيلان/ سحاب.. حركة وهطول». «رعد تجسد في دمي/ رعد.. صوت وحركة، صورة تشير إلى الماء/ دمي .. حركة وسيلان». «بلوطة سكنت ذراعي .. والمطر/ سحب تمر على يدي..».
قصيدة النثر:
لعلي أشير في هذه الفقرة إلى لجوء الشاعر إلى قصيدة النثر في بعض ديوانه، إلا أني ألاحظ انه لم يوفق كما ينبغي في الوصول بها إلى الصورة المقاربة لقصيدة النثر، من حيث الكثافة والإدهاش والصياغة الخاصة التي ترتفع بها من النثر العادي إلى قصيدة النثر، وتشكل قصيدة «أنت « مثال على ذلك..
القصيدة القصيرة:
تظهر بعض قصائد الديوان ميل الشاعر إلى القصيدة القصيرة مثل قصيدة «الغزالة « ومع ما تفيض به هذه القصيدة من صور وحالات، إلا أنها تفتقد إلى ما ينبغي أن يتوافر في القصيدة القصيرة من كثافة وتفجير لطاقات اللغة، مع شدة في الإدهاش وعمق في الطرح.
رؤية كونية:
لقد استطاع الشاعر أن يقدم من خلال قصائده، رؤيته الكونية والإنسانية بكل وضوح وبصورة غاية في العمق والتأثير، حيث يرى أن الحركة هي ناموس الوجود، المهم أن تبقى إرادة الخير والرغبة في التغير إلى مستقبل أفضل، ولعل قصيدة «دولاب» تعطي دلالة ما ذهبنا إليه، ومع أن «شغب» هو الديوان الأول للشاعر موسى حوامدة إلا أن قصائده تشير بوضوح إلى قدر كبير من الإحساس والتمكن .