Friday 26th of February 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    14-Feb-2021

«دفاتر الورّاق». . نهرُ سرد متفرّع يلتقي في مصب أخير!

 الدستور-حنان بيروتي

رواية «دفاتر الورّاق» للمبدع الأردني «جلال برجس» روايةٌ تستحق القراءة، مختلفة شكلا ومضمونا، يقرأ المتلقي مع صفحاتها ملامحَه، ذاته وبعض ألمه الشخصي والكثير من الألم العام، ما يرسم لوحة المعاناة المعلقة على جدار الزمن المعاصر المأزوم بوجع داخلي عميق مخبوء وآخر معلن.
موضوع الرواية مختلف متعدد دونما تشتت، كأنها نهرُ سرد بفروع يلتقي بمهارة في مصب أخير.
الشخصية الرئيسة في الرواية «إبراهيم الوراق» شخصية مركبة، تستمد طريقة تفكيرها من ثقافة اكتسبها الورّاق من عمله في كشك لبيع الكتب وسط البلد في القلب النابض لعمان والتي تسبح أحداث الرواية برهافة فيها راسمة ملامح المكان العماني بلوحات متعددة الرؤى والألوان. شخصية أبدع الكاتب في رسمها ورصد ما أثر عميقا في تشكلها النفسي وما أسهم في انكسارها لتعيد بناء نفسها منتقلة من الشخص المثقف البسيط الذي يعمل ببيع الكتب ويكسر الوقت بقراءة الروايات لأكثر من مرة متأثرا بشخصياتها وحافظا لما قيل على لسانها حد التقمص والتماهي النفسي معها إلى شخصية مناقضة متمردة، تعاني من انفصام حاد، تسعى للرد على ما عانته الشخصية الأولى منذ طفولتها من ظلم، وتسعى للتخطيط والانتقام من رموز الفساد بمختلف صوره، وقد عبر الكاتب بطريقة مبتكرة عن تلك الشخصية فهي جنين يسكن أحشاء الورّاق ويعلن عن وجوده عندما يكون وحيدا، وتُسمع الورّاق الصوت الآمر والمهدد بالتنفيذ إن تقاعس؛ فيجد القارئ نفسه أمام شخصية روائية تجمع بين المتناقضات، فهو تلك الشخصية النبيلة والشريرة، الحالمة والمحملة بالكوابيس، البسيطة والمعقدة في آنٍ حتى يحار القارئ هل يتعاطف معها أم يُدينها؟ هل يبارك ما يقترفه صاحبها أم يلعنه؟ حيرة بين القبول والرفض، بين الانسياق وراء منطق الشخصية الأخرى للورّاق أم رفضه.
تشير الرواية إلى تلك الازدواجية والفصام الذي نعيشه على المستويين الشخصي والعام وإن كان بصورة غير مَرضية أو غير مشخصة؛ ليظل الفصام أمرا مخبوءا في دواخلنا كأنّا ظلال لما نتمنى أن نكون عليه، لكن «إبراهيم الورّاق» والذي كان متصالحا مع الواقع مضمدا جروح ذاته بالقراءة التي تؤثث خياله بالرؤى والخيارات، وبعوالم من الحب والانتقام والقوة والجنون لكنه لم يعِ أنّ المخزون الثقافي المتشكل في ذهنه قد بنى في نفسه قوة ردع قاسية استخدمها ليرد على قسوة الواقع وغياب العدالة عنه؛ فهو لم يقرأ الروايات فحسب بل كان يفسح لشخصياتها المكان لأن تستوطن ذاكرته، ويستهويه أن يحاكي تصرفاتها ويتقمص لحظات عاشتها في الروايات المنتمية إلى ثقافات مختلفة، ويقلّدها حتى في الشكل الخارجي وملامح الوجه وتعبيراته واللباس والهيأة. ربما تلك إشارة أولى إلى مرضه النفسي قبل تفاقمه فهو يبحث عن شخصية أخرى هاربا من ذاته المستكينة الرابضة في قوقعة الصمت، شخصية هادئة لكنها تهدر بالرفض وتتناهشها الأسئلة الصعبة، الضعيفة لكن في داخلها قوة تستمد الحنكة من مخزون ثقافي ثري. شخصية تشبه البحر الذي اختاره الورّاقللانتحار هروبا من واقعه ومن ذاته المتشظية.
نمت الشخصيةُ الثانية مثل نبتة شيطانية في نفس الورّاق، بات يسمع صوتها يخاطبه ويحاول أن يوجه تصرفاته ويحفزه على الانتقام من كلّ المتسببين بظلمه، وتنعته بالضعيف الهارب من المواجهة؛ فهو يخسر كشك الكتب الذي يعتاش منه والذي يضم عوالمه السحرية التي يهرب إليها من واقعه القاحل، ويعيش مع شخصياتها مثل مرجع أخلاقي وقيمي ينسى من خلالها كل المثل والقيم التي كان يؤمن بها، وحين تراكمت الكتب في بيته مثل شخصيات مهزومة تمثل له حجم هزائمه، وخسر بعدها بيته ظلما حتى بات مشردا، فكأنَّ الوطن لفظه وأصبح غريبا فيه، إشارة لما يعانيه المثقف العربي من تهميش ولما تكابده الثقافة من تراجع، عندها أعلنت الشخصية الثانية عن وجودها وباتت تسعى لتوجيهه للانتقام ولو كان ذلك بالسرقة والقتل.
تتطرق الرواية عبر أسلوب السرد متعدد الأصوات من خلال دفاتر الشخصيات إلى مواضيع عديدة وتغطي بحبكة روائية غاية في الإحكام فترة زمنية طويلة وتأخذ القارئ في رحلة متعددة الوجهات صعبة المتابعة أحيانا لكنها ممتعة تجعلنا نتساءل: هل «دفاتر الورّاق» روايات متعددة في واحدة وكل دفتر فيها يصلح لأن يكون رواية منفصلة؟ لكن الكاتب يستدرج القارئ ليكشف معه ويكتشف الترابط بين هذه الدفاتر، وتداخل مصائر الشخصيات وفق سرد مدهش منسوج بلغة جميلةٍ كأنها تهشُّ المللَ إنْ تسلل إلى نفس القارئ، وتعيد نسج خيوط التشويق مع تقليب أوراق الرواية ودفاترها بدهشة تشبه دهشة إبراهيم الورّاق وهو يكسر رتابة الوقت الخالي بقراءة الروايات في كُشكه وسط البلد.
ثمة شبه بين شخصية إبراهيم الورّاق وشخصية «مرهون عيسى الصاحب» في رواية «وجوه لتمثال زائف» للمؤلف حسين السكاف كون الشخصيتين من الفئة المثقفة والتي دفعتها الظروف القاسية إلى ردة فعل قوية فاختارت توظيف ثقافتها في الإجرام، وإن بدا الاختلاف واضحا في التناول والطرح.
ثمة الكثير ليقال في رواية تقول الكثير. رغم طولها إلا أنها اتسمت بالتشويق وبالتحفيز على الألم لما يحدث داخلنا وحولنا، حين تناولت بعض مظاهر الفساد، وحين تطرقت إلى فئة مجهولي النسب المقصية عن التذكر والذكر كأنها عارٌ مسكوت بتواطؤ مجتمعي عن ألم ومعاناة أصحابها وصدامهم مع المفاهيم القاسية للمجتمع حين يلفظهم الميتمُ إلى الحياة بأجنحة مكسورة لا يراد لها أن ترفرف بعيدا عن منطقة العار، وجاء الطرح جريئا كاشفا وعاطفيا دونما مبالغة.
«دفاتر الورّاق «روايةٌ تغوص عميقا في دهاليز النفس البشرية، تقرؤها وتقرؤك في آن واحد، تدعوك إلى الأمل وتدفعك في الوقت نفسِه لليأس والتفكير بما آلت إليه الأوضاع اجتماعيا واقتصاديا وإنسانيا.
جلال برجس كاتبٌ جاد يمتلك أدواته الفنية، ساعٍ للتجديد في مضمون وشكل ما يكتب كأنّه يصعد في مشروعه الروائي درجاتٍ مدروسةً، ينحت كلماته بتأنٍ لتشرقَ في أفق المتلقي شمسًا من الدهشة المتجددة والألم الجميل