Wednesday 3rd of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    05-Feb-2021

قضايا أدبية ضيعة الحقوق بين السارق والمسروق

 الدستور-إبراهيم خليل

لفت نظري الزميل د. سالم الأقطش قبيل أسابيع لشبهة إغارة، أو اختلاس، من كتابي الموسوم بعنوان «مدخل لدراسة الشعر العربي الحديث» الصادر عن دار المسيرة في طبعته الأولى سنة 2003 وأنّ القائم بالإغارة للأسف هو الأديب الراحل د. سامي يوسف أبو زيد في كتابٍ صدر عن الدار المذكورة في طبعته الأولى سنة 2014. وقد تجاهلتُ هذه الإشارة أول الأمر، إذ كنتُ قد نسيت الكتاب المذكور منذ مدة، على الرغم من أن الناشر أعاد نشره مشكورًا غير مرة. لكنَّ الصديق الأقطش- وهو أكاديميٌ يواصل التدريس في إحدى جامعات الإمارات منذ زمن- ألحَّ على الموضوع، وأرْسل لي صورًا عن فهارس الكتاب مشيرًا بقلمه لوجوه التشابه التي يصدق عليها قول المتقدمين حذوك النعل بالنعل، ووقوع  الحافر على الحافر.
وعند ما تيسَّر لي العثورُ على نسخة من كتاب د. سامي أبو زيد – رحمه الله- لاحظتُ ما يأتي:
1. اختار المؤلف أن يكون عنوان كتابه «الأدب العربي الحديث (الشعر)» وهذا بلا ريب ضربٌ من التضليل غير المباشر، فكأنه يقول، إذا لوحظ ما فيه من الإغارة، ومن الأخذ ، والاقتباس: إن كتابي في الأدب الحديث، والشعر فيه عارضٌ، وليس بالموضوع الأساسيّ. والحال أن فصول الكتاب من الغلاف للغلاف تفنِّدُ هذا، فهو لا يتطرق لأي فنّ من فنون الأدب العربي النثرية؛ من قصة، أو مقالة، أو مسرحية، أو رواية. فهو إذن كتابٌ عن الشعر العربي الحديث، إلا أنّ العنوان غير دقيق، ولا يدلُّ على المضمون.
2. ولما كان كتابنا لا يخلو من مقدمة، وتمهيد، تناولنا فيهما موضوع النهضة الأدبية، وعواملها، ومظاهرها، استوفينا فيه الحديث عن الطباعة، والصحافة، والمجلات، والترجمة، وانتشار التعليم، بما في ذلك إنشاء المدارس، وإيفاد البعثات التعليمية، وظهور الحركات السياسية والفكرية، وذكرنا مظاهرها؛ كاتساع حركة التأليف والترجمة والنشر، والانفتاح على الأدب الغربي، وظهور فنون نثرية جديدة بسبب الانفتاح؛ كالقصة، والرواية، والمسرحية، وتعزيز مكانة اللغة العربية، وأخيرًا إحياء الشعر العربي بصفة خاصة، تمهيدًا للانتقال إلى شعر مدرسة الإحْياء، وهو عنوان النهضة، فقد جاء د. سامي – غفر الله له، وعفا عنه-  بتمهيدٍ مماثل مرتَّبًا مبوَّبًا على وفق ترتيبنا، بعد أن أقحم، لأجل التمويه، نشأة المجامع اللغوية، والاستشراق. أما المجامع اللغوية العربية، فلم تكن عاملا من عوامل النهضة، وإنما جاءت بعد النهوض، وأسهمت، من حيث أرادت أم لم ترد، بكبح جماحه، وأما الاسْتشراق، فهو قديم جدًا، بدأ ظهوره بعد الحروب الصليبية. واستبدل المؤلف مصطلح (الرحلة والهجرة) بإيفاد البعثات التعليمية. وفي سرده لمظاهر النهوض يقتصر على ما ذكرناه. وعلى الرغم من أنَّ ما جاء في كتابه من المظاهر ناقصٌ نقصًا كبيرًا، فقد بدا تناوله للبارودي مرتبكًا، ولا تُعرف الأسباب التي جعلته ينتقل فورًا للحديث عنه، وعن شعره، في موقع، ثم يكرر تناوله لشعره في موقعين أخريين.
 3. ومن يقرأ ما كتبه عن البارودي الذي اجتزأه من الفصل الثاني من كتابنا، يتضح له أن أبا زيد لم يستطع التخلي عمّا ذكرناه من بوادر سبَقت البارودي، وبعد أن استوفى ذلك منقولا من كتابنا، انتقل مرة أخرى لعنوان جديد عن البارودي، فثمة عنوان ص 33 وآخر ص 34 وفي الثاني يبدأ بسيرته، وقد صاغها صياغة جديدة في مسعىً منه لتغيير الأصل الذي لم يُحلْ إليه، فكأنَّه لم يطَّلع على كتابنا قط. ولكنَّ سوء النية يتكشَّفُ، رغم أنفه، من فقرة ختامية عن البارودي، وهي منقولة من آخر فقرة عنه وعن شعره في كتابنا، ونعني قوله ص 39 : « ويذكر العقاد أحد أركان جماعة الديوان- في معرض هجومه على مدرسة الإحياء- إن شعر البارودي مختلف عن شعر شوقي وحافظ، لأنه شاعر مطبوع - في زعمه- وأشعارُهُ صورة من نفسه، وذلك هو الشعر الرصين القوي، وما عداه شعرٌ زائفٌ متكلفٌ «. وهذا منقول حرفيًا بما في ذلك الاعتراض (في زعمه) من ص 64 في كتابنا. وهو دليلٌ ملموس، وبرهانٌ محسوس، على أن المؤلف د. سامي أبو زيد قد اطَّلع على كتابنا، علاوة على ذكره في ثبت المصادر والمراجع. وإذا نظر القارئُ في ما كتبه عن أحمد شوقي ص 40 وقارنه بما ورد في كتابنا ص 64 وما بعدها يتضح له أن الدكتور أبا زيد غير بارع في التمويه للأسف. فالنقل الحرفي واضحٌ بما في ذلك بعض الشواهد الشعرية، وما جاء في كتابنا عن تجديده في المسرح الشعري، ونظم الشعر للأطفال على ألسنة الطير، والحيوان، مع تغيير الشاهد، فبدلا من قصيدته عن الضفدع، جاء بأخرى عن الثعلب.
4. وربَّ قائلٍ يقول: أليْسَتْ هذه المعلومات عن البارودي، أو شوقي، أو حافظ، متوافرة في المصادر والمراجع، ومتاحة لكل من هبَّ ودبّ، فلمَ تتَّهمُ الرجل بالإغارة، والحال أنه يستطيع أن يغرف من هاتيك الينابيع، ويؤلف، ويصنِّف كيفما جاءَ واتفق. نقول، ردًا على هذا، لا ننكر أن هذه المعلومات متاحة لنا، ولغيرنا في المصادر، والدواوين، إلا أن ترتيب المادة، وتبيوبها في المصنف الذي نسبه أبو زيد لنفسه، ونشره في العام 2014 مع علمه بوجود كتاب آخر على النسق نفسه، منشور عن الدار نفسها سنة 2003 لا يعني إلا أنه قام بتفريغ كتابنا السابق في كتابٍ لاحق من غير أن يضيف إلا القليلَ المشوِّهَ مما لا يستحق عليه صفة المؤلف. فخُطَّةُ الكتاب قد تكون عند بعضهم شيئا شكليًا، ولكن هذا الشيء الشكليّ- في الحقيقة - هو الذي يفرق بين كتابٍ وآخر. فقد أفردْنا في كتابنا فصلا لشعراء النهضة في العراق وهم الزهاوي والرصافي والجواهري، فاتخذ النسق نفسه في كتابه. وأفردنا للرومانسية في الشعر العربي بابا تحدثنا فيه عن المهجر أولا، وعن جبران وأبي ماضي وميخائيل نعيمة، فوجدناه يتناول هؤلاء الشعراء تحت العنوان نفسه في بابه الثاني من ص 131- 155 وخصَّصْنا فصلا لجماعة الديوان، فوجدناه يخصص لهم فصلا من ص 179- 195 ولجماعة أبولو خصصنا فصلا، فخصَّص لهم فصلا من ص 195- 204 وهو يتكلم عن هاتين المجموعتين من الشعراء بالترتيب نفسه الذي جاء ففي كتابنا، مقتبسًا ما شاءَ له الله أن يقتبس دون عزْوٍ، ودون إحالات. وتكلَّمنا في كتابنا عن رومانسية الشعر النِسْوي، فوجدناه يخصص الفصل السادس من كتابه للشعر النسوي من ص 229- 247 وفي هذا الفصل أضاف شاعرتين لم تذكرا في كتابنا، وهما سعاد الصباح، وملك عبد العزيز (من ص 242- 247) ولو أن هذه الإضافة ليست في مكانها، فالفرق كبير بينهما وبين فدوى طوقان.
وإذا كنّا في كتابنا قد تناولنا الشعر الوطني الملتزم تحتَ عنوان « نزعة التحرر الوطني والاجتماعي في الشعر العربي الحديث « فقد استبدل أبو زيد القومي بالاجتماعي. فجاء الباب الثالث عنده بعنوان نزعة التحرر الوطني والقومي في الشعر الحديث. (ص279) وحتى هذه الكلمة (القومي) ليست زيادة منه، فقد وردت في كتابنا بعد العنوان، أي في التفاصيل، ولكنه – في حقيقة الأمر- تجنب الخوض في ما ذكرناهُ، وعرضنا له من ص 215- 234 مكتفيًا بعدَدٍ قليل من الفقرات، سارع بعدها لتناول شعر المقاومة الفلسطينيَّة. وجاء حديثه عن هذا الشعر شبه استنساخ لما ورد في كتابنا عن الشعراء الأربعة: توفيق زياد، و راشد حسين، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وبالترتيب نفسه (ص237- 259) مع مراعاة أنَّ محمود درويش توفي 2008 بينما صدر كتابنا قبل وفاته بـ 5 سنوات. فما ورد في كتابنا من ص 285- 302 أورده مع بعض التغيير في الشواهد الشعرية، والإضافات التي تراعي وفاة درويش، وزيادة لا قيمة لها في أسماء الأعلام، كذكره الاسم الرباعي للشاعر، ومكان ولادته.
5. ومما يثير الشفقة في هذا الكتاب ما يردُ في الفصل الثالث من الباب المذكور عن  الشعر الحداثي. فهو يذكر تحديدًا « شعر التفعيلة « فالتفعيلةُ تساوي الحداثةَ عنده. وكأنه بهذا العنوان يُقصي شعراء المقاومة الفلسطينية الذين تحدث عنهم من الحداثة والحديث، ومن شعر التفعيلة، وخالهَمُ نظموا أشعارهم على طريقة الجواهري، أو البارودي. وأعتقد جازمًا أن المؤلف الراحل يقتحم بكتابه هذا عالم الشعر الحديث من غير ذخيرة، ولا خبرة، تؤهله للتأليف فيه، والتصنيف. وإلا ما معنى أن يقعد به اقتداره عن التفريق بين الشعر الحداثي، والشعر الذي لا هو بالمعاصر، ولا بالحداثي، إلا من حيث أنه لا يتبع البحر العروضي في الوزن؟ فاللبس الذي وقع فيه المؤلف الراحل هو أننا تحدثنا في كتابنا عن نشأة الشعر الحداثي (من ص 263- 272) ولكننا لم نقف عند التفعيلة، بل عند الحداثة بصفتها تصورًا شاملا لبنية القصيدة، وما يتخللها من رُؤىً، على المستويين؛ الشكل، والفحوى. لذا تناولنا المحتوى في شعر الحداثة أولا، كالثورة، والموقف الحضاري، والموقف الميتافيزيقي، والحب، والمرأة، والحياة ،والموت، والزمن، والانبعاث. أما أبو زيد فعلى الرغم من أنه يتحدث عن البنية في الشعر الحداثي– وهو عنوان منقول من كتابنا-  فقد استبعد المحتوى (ص 317) إلا أنه في هذا الحديث لم يحالفه التوفيق، وها هي ذي الأدلة التي تثبت النقل الحرْفي.
فقد تناول في ص 340 موسيقا القصيدة، وفي ص 342 التكرار، وفي ص 344 اللغة، وفي ص 346 الانزياح الأسلوبي، وفي ص 347 الرمز والأسطورة، وفي ص 350 وحدة القصيدة ، وفي ص 350 التناص، وفي ص351 التضمين. وكنا قد تناولنا في كتابنا هذه الملامح بالترتيب نفسه، لكن الدكتور سامي، حبًا في التغيير، وطمعا في التمويه، حذف التركيب النحوي، وأضاف التضمين، مع أن التضمين لا ضرورة لإضافته، فالتناصّ يشمل فيما يشمله الاقتباس والتضمين. وهذا كله في كتابنا يرد في الصفحات من 317- 349 واللافت للنظر أنَّ المؤلف، مع حرصه على عدم الإحالة لكتابنا، اضطرَّ لذلك اضطرارًا، إذ أعوزه شاهدٌ على التناصّ، فاقتبسه من كتابنا، وهو من قصيدة أمل دنقل « البكاء بين يدي زرقاء اليمامة «. وهذا يذكِّرنا بصنيع المرحوم شوقي ضيف الذي سَلَخَ نحو 50 صفحة متتابعة من كتاب « مصادر الشعر الجاهلي « لناصر الدين الأسد، ولم يُحِلْ إليه، ولكنه عندما اقتبس بيت شعر واحدًا من كتاب الأسد، أحال إليه، فتأمل، يا رعاك الله!
وهذا الفَصْلُ، مع ما فيه من النقول، من غير عَزْو لكتابنا، ولا توثيق، من أضعف فصول الكتاب، والسبب في رأينا واضح، وهو أنَّ المؤلف لا علاقة له بالشعر الحديث، أساسًا، ولهذا ضاقَ ذرْعُه عن الإتيان بشواهد يستطيع بها أن يواصل عملية التمْويه، والتلفيق. ولنا أنْ نختَتِم هذه المراجعة غير الاستقصائية بكلمة أخيرة، وهي قيام المؤلف بزيادة ملحق في نهاية الكتاب ضمَّنه مختاراتٍ، متخذًا من ملحقنا لكتاب المدخل لدراسة الشعر العربي الحديث إسوة حسنة يقتدي بها، لكنه مع ذلك جاءَ في مختاراته أكثر عَجْزًا منه في دراسته، فالقصائد التي اختارها لا تتسق مع أبواب الكتاب، وما فيه من مراحل، ومدارس، واتجاهات، فالواجب أن يختار شيئًا من الشعر يمثل الاتجاهات، والمراحل، واحدًا تلوَ الآخر، وعلى وفق التراتيب التي بُني عليها الكتاب، ولكن مختاراته جاءَت مما تيسَّر، والصحيح أنها خطوةٌ دافعها التقليد والمحاكاة، إلا أنه - للأسف - لم يتقِن التقليدَ، ولمْ يُجدْ المحاكاةَ.