وكالات -
بعد ثلاث سنوات على هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، لا تزال دولة الاحتلال عاجزة عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية تكشف المسؤوليات السياسية والعسكرية عن أكبر إخفاق أمني في تاريخها، بسبب تعطيل رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مهمات تشكيلها.
ومع اقتراب الانتخابات المقررة في الشهر الحالي، تحولت المطالبة بكشف الحقيقة إلى صراع بين حكومة نتنياهو والقضاء والمعارضة وعائلات القتلى والأسرى، وسط خلاف بشأن الجهة التي تختار المحققين وصلاحياتهم ومدى استقلاليتهم.
وتكشف هذه المواجهة أن القضية لم تعد تقتصر على معرفة أسباب انهيار المنظومة الأمنية الإسرائيلية في الساعات الأولى للهجوم، بل باتت مرتبطة بمستقبل نتنياهو السياسي، وقدرة الحكومة المقبلة على محاسبة المسؤولين عن الإخفاق.
وعود مؤجلة ومواقف متغيرة
بدأت القصة في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، عندما تعهد نتنياهو بأن يقدم الجميع إجابات عن الإخفاقات، بمن فيهم هو شخصيا، لكنه ربط التحقيق بانتهاء الحرب من دون تحديد موعد أو آلية ملزمة. ومع مرور الوقت، انتقل من الاعتراض على إجراء التحقيق خلال الحرب إلى التشكيك في هوية المحققين، مطالبا بلجنة وصفها بالموضوعية والمستقلة، ومحذرا من لجنة تكون استنتاجاتها محددة مسبقا.
وفي المقابل، أيد مسؤولون أمنيون سابقون، بينهم رئيس الأركان هرتسي هاليفي ورئيس جهاز الشاباك رونين بار، تشكيل لجنة تحقيق رسمية، فيما شهدت مواقف عدد من وزراء حزب الليكود تحولات لافتة. فقد تراجع بعضهم عن تأييد سابق للجنة الرسمية، أو تبنوا صيغة عامة للتحقيق لا تحسم الجهة التي ستختار أعضاءها.
وتعكس هذه التحولات انتقال الخلاف من البحث في أسباب الإخفاق إلى توحيد موقف الائتلاف الحكومي خلف نتنياهو، خصوصا في مواجهة القضاء وصلاحيات المحكمة العليا.
معركة على هوية المحققين
يكمن جوهر الخلاف في قانون لجان التحقيق الإسرائيلي الصادر عام 1968، الذي يمنح الحكومة صلاحية تشكيل لجنة تحقيق رسمية، فيما يتولى رئيس المحكمة العليا تعيين أعضائها. وتتمتع هذه اللجان بصلاحيات واسعة، تشمل استدعاء الشهود وطلب الوثائق وفحص المسؤوليات الشخصية، إلى جانب تقديم توصيات بشأن الإصلاحات اللازمة.
ويرفض نتنياهو منح رئيس المحكمة العليا إسحاق عميت صلاحية اختيار المحققين، متهما القضاء بالانحياز، ويطرح بدلا من ذلك لجنة يختار الائتلاف نصف أعضائها والمعارضة النصف الآخر. ويستند مؤيدو هذا الطرح إلى ضرورة ضمان التوازن السياسي، بينما يرى منتقدوه أن إشراك الأحزاب في اختيار المحققين قد يحول التحقيق إلى تسوية بين القوى المتنافسة، بدلا من آلية مستقلة للمحاسبة.
ويحذر باحثون في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية من أن استقلالية اللجنة تبدأ من طريقة تشكيلها، وأن أي تدخل سياسي في اختيار أعضائها قد يقوض ثقة الجمهور بنتائجها، خصوصا أن الحكومة التي وقعت الأحداث خلال ولايتها ستكون نفسها موضع التحقيق.
تحقيقات لا تكشف الصورة كاملة
في غياب لجنة رسمية، تعددت التحقيقات الجزئية. فقد أعلنت لجنة مدنية مستقلة برئاسة القاضية المتقاعدة فاردا ألشيخ نتائجها في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، وحمّلت نتنياهو وقيادات أمنية مسؤوليات عن الإخفاق، وانتقدت التصورات التي قللت من قدرات حركة (حماس). لكنها افتقرت إلى صلاحيات إجبار المسؤولين على الإدلاء بشهاداتهم أو تسليم الوثائق السرية.
كذلك نشر الجيش الإسرائيلي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 خلاصة مراجعاته الداخلية، محددا إخفاقات شملت الفشل الاستخباراتي، وتجاهل مؤشرات وتحذيرات سابقة، وضعف الاستعداد العملياتي، وخلل اتخاذ القرارات ليلة الهجوم. غير أن التحقيقات العسكرية لم تتناول بصورة شاملة العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، وهي إحدى أبرز النقاط التي يفترض أن تبحثها لجنة مستقلة.
وتعمق الخلاف مع المواجهة بين نتنياهو ورونين بار بشأن التحذيرات التي سبقت الهجوم. فقد تبادل الطرفان الاتهامات بشأن إدارة المعلومات الأمنية وتفسير المؤشرات المتاحة، في نزاع يعكس حساسية الأسئلة المتعلقة بسياسة الحكومة تجاه غزة وحماس، ومدى استجابة القيادة السياسية للتحذيرات التي تلقتها.
ولا يقتصر التحقيق الشامل، بالتالي، على تحديد ما جرى في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، بل يشمل القرارات السابقة للهجوم، وتقديرات الأجهزة الأمنية، وسياسات التعامل مع حماس، وتوزيع المسؤوليات بين رئاسة الحكومة والجيش والشاباك.
التشريع والقضاء في مواجهة
انتقلت المعركة إلى الكنيست عبر مشروع لتشكيل لجنة تحقيق وصفها مؤيدوها بأنها "وطنية"، تقوم على اختيار الائتلاف والمعارضة أعضاءها. وأثارت الصيغة المقترحة مخاوف من استبعاد قضاة المحكمة العليا وكبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين السابقين، فضلا عن تعديل يسمح للجنة بالعمل بثلاثة أعضاء عند غياب بقية أعضائها، بما قد يضعف مشاركة المعارضة.
وأقر الكنيست المشروع بالقراءة الأولى في تموز (يوليو) 2026، لكنه لم يستكمل التشريع، فبقيت اللجنة المقترحة من دون أن تتحول إلى آلية تحقيق فعلية. وفي موازاة ذلك، دخلت المحكمة العليا على خط الأزمة، مطالبة الحكومة بتوضيح أسباب امتناعها عن تشكيل لجنة رسمية.
أما تحقيقات مراقب الدولة، فقد واجهت بدورها قيودا قضائية شملت وقف أربعة تحقيقات أساسية تتعلق بالإخفاقات الأمنية والسياسية، مع السماح باستكمال تحقيقات أخرى. ويؤكد هذا المسار أن الرقابة الإدارية، على أهميتها، لا تعوض لجنة رسمية تستطيع جمع الأدلة وفحص المسؤوليات السياسية والأمنية ضمن إطار شامل