من الـ30 % إلى الـ50 %.. كيف ننتقل بالإصلاح السياسي من النص إلى الممارسة؟
جريدة الغد - د. خالد البكار -
لم يكن التدرج في تعزيز مشاركة الأحزاب السياسية في مجلس النواب تفصيلًا تشريعيًا عابرًا في مشروع تحديث المنظومة السياسية، بل كان أحد المرتكزات الأساسية التي قامت عليها فلسفة الإصلاح السياسي التي انطلقت بتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني، بهدف بناء حياة حزبية فاعلة، وتطوير العمل البرلماني، والوصول تدريجيًا إلى حكومات برلمانية تقوم على البرامج والسياسات، لا على الاعتبارات الفردية والجهوية وحدها.
وقد شاركت في أعمال اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وترأست لجنة الانتخاب التي عملت على صياغة التصورات التشريعية لهذا التحول، انطلاقًا من قناعة بأن بناء الحياة الحزبية يحتاج إلى مسار تدريجي واضح، يجمع بين تطوير التشريعات وتعزيز الثقة الشعبية بالأحزاب، ويمنح المجتمع والقوى السياسية الوقت الكافي للتكيف مع مرحلة جديدة من الممارسة الديمقراطية.
ومن هنا، جاء التدرج في تخصيص مقاعد للأحزاب السياسية في مجلس النواب؛ إذ بدأت المرحلة الأولى بنسبة 30 %، على أن ترتفع إلى 50 % في المرحلة الثانية، ثم إلى 65 % في المرحلة الثالثة، وصولًا إلى ترسيخ نموذج سياسي تكون فيه الأحزاب البرامجية ركيزة أساسية في تشكيل الحكومات وممارسة العمل البرلماني.
وقد شكلت الانتخابات النيابية لعام 2024 الاختبار الأول لهذا المسار، وبدأت الأحزاب من خلالها تجربة المشاركة في المنافسة على المقاعد المخصصة للقائمة العامة. أما المرحلة المقبلة، فلا ينبغي أن ننظر إليها باعتبارها مجرد زيادة في النسبة من 30 % إلى 50 %، وإنما باعتبارها فرصة لتطوير العلاقة بين الناخب والحزب، وبين التمثيل المحلي والبرنامج الوطني.
من زيادة النسبة إلى
تطوير فلسفة الانتخاب
إن الانتقال إلى تخصيص 50 % من مقاعد مجلس النواب للأحزاب والتحالفات الحزبية يثير نقاشًا مشروعًا حول الآلية التي ينبغي اعتمادها لتحقيق هذه النسبة، وكيفية توزيع المقاعد بما ينسجم مع فلسفة التحديث السياسي وأهدافه.
ويبرز في هذا السياق اتجاهان للنقاش. الأول يتمثل في زيادة المقاعد المخصصة للقوائم الحزبية العامة، مع الإبقاء على الفصل القائم بينها وبين القوائم المحلية. أما الاتجاه الثاني، فيقوم على تطوير العلاقة بين الدائرتين المحلية والعامة، بحيث يصبح التصويت المحلي جزءًا من مسار انتخابي متكامل يعزز حضور الأحزاب على المستوى الوطني، دون أن يلغي حق المواطن في اختيار ممثليه المحليين.
وفي تقديري، فإن جوهر النقاش ينبغي ألا يقتصر على كيفية توزيع المقاعد الإضافية، بل يجب أن يتناول السؤال الأهم: كيف نجعل الزيادة في الحصة الحزبية مدخلًا لتعزيز المشاركة السياسية، وتوسيع القاعدة الشعبية للأحزاب، وترسيخ التنافس على أساس البرامج الوطنية؟
فإذا اكتفينا بزيادة المقاعد دون تطوير العلاقة بين المواطن والحزب، فقد نحقق النسبة المطلوبة من الناحية التشريعية، لكننا لن نكون قد استثمرنا كامل الفرصة التي يتيحها الإصلاح السياسي.
الربط بين الدائرتين المحلية والعامة: نحو مشاركة أكثر تكاملا
إن من الأفكار التي تستحق نقاشًا جادًا في المرحلة المقبلة تطوير آلية الربط بين التصويت للقائمة المحلية والتصويت للقائمة الحزبية العامة، بحيث يسهم صوت المواطن في دائرته المحلية أيضًا في تعزيز التمثيل الحزبي الوطني، وفق صيغة قانونية واضحة ومحددة.
وتقوم الفكرة على أن المواطن لا ينبغي أن يُضطر إلى التعامل مع التمثيل المحلي والوطني باعتبارهما مسارين منفصلين تمامًا؛ فهو في الوقت نفسه مواطن له احتياجات ومصالح في منطقته، ومواطن معني بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية التي تُصاغ على المستوى الوطني.
ومن شأن الربط المدروس بين المسارين أن يفتح المجال أمام الأحزاب لتوسيع حضورها في المحافظات والدوائر المحلية، وبناء قواعد شعبية أوسع، وتقديم برامج تربط بين أولويات المناطق والرؤية الوطنية الشاملة.
لكن نجاح هذه الفكرة يتطلب تصميمًا تشريعيًا وانتخابيًا دقيقًا. فلا بد من تحديد كيفية احتساب الأصوات، وضمان عدم ازدواجية احتسابها على نحو يخل بعدالة التمثيل، وتوضيح أثرها في توزيع المقاعد، وصون سرية الاقتراع وحرية الناخب، وضمان المساواة بين القوائم والمترشحين.
كما ينبغي أن تكون الآلية بسيطة ومفهومة للمواطن، حتى لا تتحول عملية الاقتراع إلى معادلة معقدة يصعب تفسير نتائجها أو بناء الثقة بها.
والأهم من ذلك كله أن يكون الربط وسيلة لتعزيز الاختيار الديمقراطي، لا وسيلة لفرض اختيار حزبي على المواطن لم يتخذه بإرادته. فالناخب يجب أن يعرف مسبقًا كيف سيُحتسب صوته، وما النتائج المترتبة على اختياره، وأن يبقى القرار النهائي بيده ضمن قواعد معلنة وعادلة.
الأحزاب ليست مقاعد
إضافية فحسب
إن الهدف الحقيقي من رفع حصة الأحزاب لا يتحقق بمجرد وصول عدد أكبر من الحزبيين إلى مجلس النواب، بل بقدرة الأحزاب على تقديم برامج واقعية، واستقطاب الكفاءات، وتطوير قيادات سياسية قادرة على تحمل المسؤولية، وتشكيل كتل نيابية متماسكة تراقب أداء الحكومة وتشارك في صياغة السياسات العامة.
وهذا يتطلب من الأحزاب نفسها أن تنتقل من مرحلة التركيز على المشاركة الانتخابية إلى مرحلة بناء الثقة المستدامة مع المواطنين، من خلال برامج قابلة للتطبيق، ومواقف واضحة من القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وحضور فاعل في المحافظات، وممارسة سياسية تقوم على الحوار والمساءلة والشفافية.
كما يتطلب من مؤسسات الدولة أن تهيئ البيئة المناسبة للمنافسة الحزبية، وأن تضمن تكافؤ الفرص بين الأحزاب، وأن تعزز الثقافة السياسية لدى المواطنين، خصوصًا الشباب، بما يجعل الانخراط الحزبي خيارًا قائمًا على القناعة والبرنامج، لا مجرد استجابة لموسم انتخابي.
فالانتقال من 30 % إلى 50 % ينبغي أن يترافق مع انتقال نوعي في أداء الأحزاب، وفي طبيعة المنافسة الانتخابية، وفي مستوى ثقة المواطن بقدرة العمل الحزبي على إحداث تغيير ملموس في حياته.
الإصلاح مسار تراكمي
لا محطة انتخابية
إن الحفاظ على فلسفة التدرج التي قامت عليها مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية يقتضي أن نتعامل مع المرحلة المقبلة بوصفها امتدادًا لمسار إصلاحي متكامل، لا مجرد استحقاق انتخابي جديد.
وقد أقر قانون الانتخاب هذا التدرج، كما تناولت أحكامه الانتقال إلى نسبة 50 % في انتخاب المجلس النيابي الحادي والعشرين، وربط توزيع المقاعد المخصصة للأحزاب بالقائمتين المحلية والعامة من خلال نظام يصدر لهذه الغاية. وهذا يعني أن النقاش ينبغي أن ينصب على الآليات التشريعية والتنظيمية اللازمة لتحقيق الغاية المقصودة، مع مراجعة النصوص النافذة عند الحاجة، وبما يحافظ على وضوح القواعد الانتخابية واستقرارها.
إن المطلوب اليوم هو حوار وطني مسؤول يشارك فيه المختصون والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، لتقييم البدائل المتاحة على أساس معايير واضحة: عدالة التمثيل، وحرية الاختيار، وسهولة الاقتراع، ووضوح احتساب الأصوات، وتعزيز التنافس البرامجي، وتوسيع المشاركة السياسية.
لقد كان الهدف من التحديث السياسي أن ننتقل تدريجيًا إلى حياة حزبية أكثر فاعلية، ومجالس نيابية أكثر قدرة على العمل الجماعي، وحكومات تستند إلى برامج سياسية تحظى بثقة المواطنين وممثليهم.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط كيف نرفع حصة الأحزاب إلى 50 %، بل كيف نجعل هذه النسبة خطوة حقيقية نحو تطوير الممارسة الديمقراطية، وتعزيز ثقة الأردنيين بمؤسساتهم، وترسيخ نموذج سياسي أردني يقوم على التعددية والتنافس البرامجي والمساءلة.
فنجاح الإصلاح السياسي لا يُقاس بما نخصصه للأحزاب من مقاعد فحسب، بل بما تبنيه هذه المقاعد من حياة حزبية فاعلة، وما تتيحه للمواطن من مشاركة حقيقية في رسم مستقبل وطنه.