Thursday 22nd of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Mar-2021

سردية المدينة.. عمان حكاية الناس والتلال

 الرأي

عمّان مرة أخرى، وعمّان إلى الأبد... قصة عشق يتناغم فيها، باستثنائية جميلة، الزمان والمكان وسكّان المكان.
 
المدينة التي تتمتع بروح متيقّظة، تحرس أبناءها وتحميهم من غدر الشرور.
 
هذه الصبية الفاتنة التي تحتفل بثمانية آلاف عام من العمر، نمت وتطوّرت لتكون على الدوام، في كل زاوية وزقاق، مصدر جذب والهام للفن والإبداع.
 
وكان مجلس الوزراء قد قرر في جلسته التي عقدها امس الاول برئاسة رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة الموافقة على اعتماد الثاني من شهر آذار من كل عام يوماً لمدينة عمّان، وذلك في إطار الاحتفاء بمرور مئة عام على تأسيس الدّولة الأردنيّة.
 
ويأتي هذا القرار تخليداً لحدث مهمّ في تاريخ الدولة الأردنيّة، يتمثّل بوصول الملك المؤسّس عبد الله الأوّل إلى مدينة عمّان في الثاني من آذار عام 1921، حيث غدت مدينة عمان عاصمة لإمارة شرق الأردن، وفيما بعد عاصمة للمملكة الأردنيّة الهاشميّة. وتزامنا مع هذا القرار، ستنفذ أمانة عمان مجموعة من النشاطات الإعلامية والميدانية إحياء ليوم مدينة عمان ورمزيته التاريخية.
 
ويعتبر يوم المدينة حدثا رسميا تعارفت عليه العديد من مدن العالم، ويتمّ خلاله استحضار تاريخ المدينة واستشراف مستقبلها، وتعظيم دور ساكنيها وزائريها الذين تقوم على خدمتهم وتتفاعل معهم وتسعى لإيجاد البيئة النموذجية لتحقيق رؤيتها المستقبليّة.
 
عمّان ذات الجاذبية الخارقة، يتنقل فيها الزمان بكل يسر واطمئنان بين العريق والحديث، في سيمفونية من الجمال تعزف الطبيعة العمّانية كما تحب الطبيعة أن تكون.
 
لعمّان حكايتها مع مواطنيها، تتعدد فصولها بتعدد ألوانهم، وتمتاز ببصماتهم العريقة التي تشد انتباه الفنانين وتربكهم أحيانا، وتغريهم، في الآن نفسه، بالوصول إلى السمو الإبداعي الذي طالما تاقوا إليه.
 
كل ما في عمّان جميل بطبيعته: أوديتها العريقة وتلالها السبعة التي تحتل الأفق، قلاعها الشامخة وعمرانها الحديث، أحياؤها الشعبية وضواحيها الراقية، أسواقها القديمة وأزقّتها التي تفوح منها رائحة الشواء، والاحتفاء شبه اليومي بالفول والحمص، والطيف العمّاني الإنساني الذي لا يدع للتمييز مجالا.
 
وفي الختام، إنها عمّان التي نريد، ونعتز بها، عاصمة سليل الهاشميين، عبد الله الثاني، القائد الملهم الشّاب، التواق أبدا للتطور والتقدم، يلقننا معاني الوطنية التي تقاس أولا، وقبل كل شيء، بالعمل والجهد الدؤوب.
 
والآن، نقدم لكم عمّان بكامل هيئتها، وبروحها السرمدية المتوهجة بعبق الحب والتعايش المشترك؛ المدينة التي «نسكنها وتسكننا»، تجسّد فينا معنى العزّة الوطنية، وتكرس الاقتران المثالي بين المكان والزمان.
 
الثورة العربية الكبرى.. رسالة ومشروع نهضة
 
بين عمّان والثورة العربية الكبرى حكاية وموعد عمره قرن من الزمان، وثلاثة أجيال.
 
وبينهما تاريخ مشترك يمتد لمئة عام جرت فيه الكثير من التحوّلات والأحداث التي مرت على المدينة التي نشأت على ثلاث أثافٍ تصنع الحياة: الماء، وسكة الحديد، ومبادئ الثورة العربية الكبرى.
 
الماء الذي يروي الأرض والإنسان بالحياة، كان بداية الحكاية للمدينة التي تحرسها الجبال، عندما أقامت حولها القبائل والمهاجرون من الشركس والشيشان قرب عيون الماء، وحول السيل الذي كانت تنتشر على جانبيه البساتين .«عمّان تبدأ بالعين» والمزارع، نواة المدينة الحلم، التي كتب عنها الشاعر حيدر محمود مغناته كانت القرية/المدينة التي لا يتجاوز سكّانها مطلع القرن العشرين ال«300» أسرة، تغفو وتصحو على صفير القطار تقلّه سكة الحديد الحجازية التي دشنتها الإمبراطورية العثمانية مطلع القرن العشرين لنقل الحجاج والبضائع والجنود، شر?ان حياة آخر لمكان تدبّ فيه الحركة والنشاط.
 
وفي ذلك الحين بدأت تدور الحياة مع عجلة القطار، وتتشكّل ملامح المدينة التي انتقلت من ناحية تتبع متصرفية السلط إلى بلدية/مدينة، ليتم اختيار إسماعيل أرسلان بابوق كأول رئيس بلدية لها عام 1009 كان الماء وحديد السكة في تضاده بين اللين والبأس، قد حوّل القرية الوادعة التي تسمى عمّان إلى محطة مهمة على طريق الحجاز ودمشق، وبدأت كمصدر جذب للعمل والنشاط التجاري والإقامة من أبناء القرى المحيطة. وبالمعنى الذي تجاور فيه ماء الحياة، وامتدت أضلاع الحركة لعجلة القطار، تأسّس المجتمع العمّاني مع انتقال أحرار العرب للإقامة في?ا، وشكّلوا نسيجاً عمّانياً مفتوحاً ومتنوعاً، من أبناء دمشق وبغداد ومصر وفلسطين ولبنان والحجاز، ومنهم المسلم والمسيحي، والعربي والشركسي والكردي، الذين كانوا يحملون قيم التنوير ومبادئ الإصلاح والحرية، ليرسم هذا الاجتماع صورة زاهية لملامح عمّان في انفتاحها على الآخر وقبولها للتعدد الذي يُغني الحياة ويظلّلها بالأمن والأمان.
 
هذه الأركان الثلاث التي قامت عليها عمّان اختزلت صورة الوطن الحلم، في تمثّله لقيم الثورة العربية التي منحت المدينة معنى الحرية والتنوع والشموخ الذي يشبه جبالها وتضاريسها وطموح أهليها الذين غنتهم فيروز:
 
وفَدَت تُطالبني بشِعرٍ لَدْنةٌ
 
سمراءُ لوّحَها المَلامُ وذوّبا
 
من أيّ أهلٍ أنتِ قالت من الأُلى
 
رفَضوا ولم تُغمَد بكفّهِم الشَبا
 
فعَرَفتُها وعَرَفتُ نشأةَ أمّةٍ
 
ضُرِبت على شَرفٍ فطابَت مَضرِبا
 
كانت عمّان صورة الحلم، وألفة المكان لمعنى التسامح والمحبة، موئلاً للجميع، تنبت في مناخها بذور الخير لدوحة متنوعة الألوان، وهو ما تجلّى في لهجتها، ونمط عمارتها وأسماء حاراتها وأسواقها ومنظومتها الاجتماعية التي تمثّل نسيجاً بين الدمشقي والنابلسي والبغدادي، والشركسي والبخاري والأرمني، وأسماء رؤساء بلديتها منذ تأسيسها، وكان من أبرز القيم التي حملتها الذاكرة الجمعية للأجيال، احترام التنوع والتعددية الذي رافق الدولة الأردنية منذ نشأتها وتكوين أول حكومة لها والتي ضمت شخصيات من مختلف المناطق العربية.
 
في عام 2005 ، مخلصة لإرث الثورة العربية الكبرى «رسالة عمّان» وظلّت عمّان التي انطلقت منها الرسالة التي تحمل اسمها المستمد من شرعية دينية هاشمية تعتمد الإسلام الوسطي، ما يملي مسؤولية أخلاقية للتصدي للإرهاب والتطرف والتكفير، ومما قرّ في الوجدان، التآخي الإسلامي-المسيحي، فالمسيحية العربية تعد مكوناً أساسياً في المجتمع.
 
في هذا المناخ أشرقت شمس على العرب، لتكون عمّان شرفتها وحلمها الذي تتجاور فيه الكنيسة والمسجد، وجعلها مدينة جاذبة يتجاور فيها «المهاجرون والأنصار»، بما أسّست الثورة العربية من قيم منذ إطلاق الشريف الحسين بن علي الرصاصة الأولى صباح العاشر من حزيران 1916، لتحقيق الوحدة والحرية والحياة الفضلى، مع إعلان إمارة شرق الأردن عام 1921 من قيم تمثّل (المؤسّس ) وبما بشر به الأمير عبدالله بن الحسين مشروعاً نهضوياً وتنموياً، يوطّن قيم الحرية والعدالة والاستقلال، لتكون الوحدة الوطنية هي الهوية الجامعة، وعنصر قوة الأردن وم?عته في وجه التحديات.
 
فكانت عمّان الكلمة، عمّان المدينة، وردة ومغناة:
 
عمّانُ في القلب أنتِ الجمرُ والجاهُ
 
ببالي عودي مُرّي مِثلما الآهُ
 
سكنتُ عينيكِ يا عمّانَ فالتفتت
 
إليّ من عطش الصحراءِ أمواهُ
 
وكأس ماءٍ أوان الحر ما كذَبَت
 
ألذُّ من قُبَلٍ تاهت بمن تاهوا
 
التاريخ القديم
 
الجدول والتلال والقلب العتيق
 
«قصة عمّان تبدأ دوماً بتلالها الأسطورية السبع. التلال المتداخلة والمتشابكة التي ألقت بظلالها على جدول ماء نبع من صخورها الصلبة لتجتذب الشعوب والغزاة إليها» مع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، ما كان لأحد أن يتوقع أن تشهد الآثار المهجورة لوادي عمّان والتلال من حولها ميلاد عاصمة عربية، لتنمو وتزدهر إلى مدينة مليونية خلال قرن ونيّف من الزمن. لكن ها هي عمّان:
 
عاصمة عربية شابّة في محيط مرصّع بالعواصم القديمة. مدينة حديثة يسكنها ظل قلب عتيق، تروي قصة نجاح عربية في القرنين العشرين والحادي والعشرين. قصة ذات بدايةٍ غير متوقعة لبوتقة للثقافات وللتأثيرات، تحمل مستقبلاً واعداً وتفتح باباً مشرعاً على المشرق العربي والعالم بأسره. لكن أولاً وقبل كل شيء، هي بيت ووجهة لأكثر من أربعة ملايين إنسان بين مقيم وضيف شد الرحال إليها.
 
قصة عمّان تبدأ دوماً بتلالها الأسطورية السبع. التلال المتداخلة والمتشابكة التي ألقت بظلالها على جدول ماءٍ نبع من صخورها الصلبة لتجتذب الشعوب والغزاة إليها. تلال كانت حاضنة لعين غزال - أقدم القرى الزراعية في العالم وللعديد من الحضارات وكانت وطناً للكثيرين. تلال حملت على أكتافها ربة عمون عاصمة العمّونيين في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ومر بها الآشوريون والفرس واحتضنت الإغريق والأنباط فالرومان الذين جعلوها أكبر مدن الديكابولس. من البيزنطيين إلى الأمويين العرب المسلمين، كل الحضارات والغزاة الذين اتخذوا منها?مستقراً، اختاروا قلب المدينة ليحطّوا به رحالهم وليستظلّوا بتلالها. حملت العديد من الأسماء: من ربّة عمّون إلى فيلادلفيا، مدينة الحب الأخوي ومدينة التلال السبع. واليوم هي عمّان عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية.
 
عبر آلاف السنين خلفت الحضارات العديد من الشواهد، فمن تماثيل عين غزال إلى رجم الملفوف - أحد أبراج المراقبة التي شيّدها العمونيون على تلال عمّان - ومن قصر العبد (من الفترة الهلنستية) في عراق الأمير إلى جبل القلعة الذي يطل على وسط عمّان ويقف شامخاً بجدرانه مقابلاً للمدرج الروماني الضخم. تبقى الكنائس البيزنطية والمعبد الروماني والقصر الأموي وغيرها من الآثار التي تزيّن فضاء المدينة شواهد على عظمة من مروا بربّة عمّون، ومؤكّدة على أن عمّان هي واحدة من أقدم العواصم في العالم.
 
قصص متراكمة، تكشف فصولها عن استقرار بشري وبدايات جديدة تروي وتوثّق لصعود واندثار الحضارات،
 
تروي حكايات من مروا بها ومن اتخذوا منها منزلا. حكايات عن زلازل وحركات نزوح وهجرة وسلام.
 
من نهاية العصر الأموي إلى 1878
 
هجران وانبعاث
 
"في أواخر القرن التاسع عشر في زمن أُفول الإمبراطورية العثمانية التي حكمت المنطقة لعدة قرون، جاءت ولادة عمّان في عام 1878 حين استقر بضع مئات من الشركس بتشجيع من الدولة العثمانية».
 
سبقت قصة عمّان المعاصرة التي نعرفها اليوم قرون خيّم فيها الصمت. قرون من الهجران والوحشة. ولقد سطّر لنا المستكشفون والرحّالة الأوروبيين من أمثال السويسري-الانجليزي يوهان لودويغ بيركهاردت وجيمس سيلك بكنغهام وهنري بيكر تريستام، لمحات من رحلاتهم قبل سبعينيات القرن التاسع عشر يتحدثون فيها عن عمّان، رحلات «عن خرائب مهجورة، وجدول ماء وقبائل رُحّل يرعون الماشية، وزراعات متفرقة. نقرأ في كتاب بيركهاردت وصفاً لعمّان في القرن التاسع عشر وتحديداً في عام 1812 ، ونقتطف منه هذه الفقرات:
 
«لقد دخلنا وادياً فسيحاً، خرجنا بعد نصف ساعة من الزمن إلى أطلال عمّان، التي تبعد على مدى تسعة عشر ميلاً إنجليزياً من السلط. تقبع البلدة على طول ضفاف نهر اسمه ميّة عمّان، الذي ينبع من بركة، على بعد بضع مئات من الخطوات من الجانب الجنوبي الغربي من البلدة؛ يجري نهر عمّان في وادٍ يحدّه من الجانبين تلال برية من حجر الصوان، تمتد على الجانب الجنوبي قريبة من حافة الجدول. إن الصروح التي ما تزال قائمة لتكون شاهداً على عظمة عمّان هي كالتالي: كنيسة رحبة بُنيت من الحجر الضخم ولها برج شكله يشبه الأبراج التي رأيتها في الع?يد من المدن الخرِبة في حوران. وهنالك جسر مقوّس عالٍ فوق النهر. ويبدو بأنه الجسر الوحيد في البلدة، على الرغم من أن النهر لا يمكن عبوره خلال الشتاء. أما ضفاف النهر فهي مثل قاعِه، مرصوفة، ولكن معظم هذا الرصف انجرف في أماكن عدة بسبب عنف السيول الشتوية. ويكون مجرى الماء مليء بالسمك الصغير. وعلى الضفة الجنوبية من النهر مسرح جميل قد يكون أكبر مسرح رأيته في سوريا. وعلى جناحي المسرح تجد قناطر. وفي المقدمة هنالك صف من الأعمدة بقي منها ثمانية من الطراز الكورينثي. وفي مواجهة المسرح تقريباً، أي في الاتجاه الشمالي للنهر? تجد بقايا المعبد، يتبقى منه جداره الخلفي وهو ذو مدماك معمّد وثنايا مزخرفة. وأمام هذا البناء هنالك عدد من الأعمدة قطر الواحد منها ثلاثة أقدام. ويبدو أن تاريخه سابق لجميع مباني عمّان، وشكل عمارته أرقى بكثير. وفي أسفل الوادي، تقف أعمدة أصغر حجماً وربما تكون بقايا لمعبد قديم. أما السهل المنبسط بين النهر والتلال الشمالية فتغطيها بقايا وآثار مباني خاصة تمتد من الكنيسة إلى أسفل الأعمدة، ولكن لم يظل أي شيء من بقاياها، باستثناء الأساسات وبعض أعمدة الأبواب. وفوق أعلى التلال الشمالية تقع قلعة عمّان، وهي بناء ضخم مست?يل الشكل مليء بالمباني. وجدران القلعة سميكة تدل على قدمها البعيد: قطع ضخمة من الصخور مرصوفة فوق بعضها من دون أسمنت وما تزال ممسكة ببعضها بعضاً كما لو إنها بٌنيت مؤخراً. وفي داخل هذه القلعة ترى أحواضا أو صهاريج عميقة عديدة ومبنى مربع الشكل شيّد بنفس الطريقة التي بني بها جدار القلعة. وهي لا تحتوي على أية زخارف، والمنفذ الوحيد لها هو باب منخفض فوقه نحت مشوّه الآن. وبالقرب من هذا المبنى هنالك آثار لمعبد كبير، وقد وقعت معظم أعمدته المكسّرة على الأرض. وهي أكبر ما رأيت في عمّان، ويبلغ قطر بعضها حوالي ثلاثة أقدام ?نصف القدم، وجميعها على الطراز الكورنيثي. إن آثار عمّان باستثناء بعض الجدران مبنية من الحجر الطباشيري المعتدل الصلابة والذي لا يقاوم عوامل الزمن كما هو الحال في حجر جرش. وهذه المباني معرّضة ومكشوفة للجو وبالتالي فهي معرضة للتعري، لذلك فأمامنا أمل ضئيل في إيجاد أية نقوش هنا يمكنها أن تشرح أو تفسر لنا تاريخ هذا المكان «في كتابه - بيركهاردت. «رحلات إلى سوريا والأرض المقدسة عام 1812» كانت عمّان في نهاية القرن التاسع عشر تتبع مدينة السلط التي كانت بدورها المركز الإداري لمنطقة البلقاء، وبينما كانت السلط في ذلك ا?وقت مدينة عامرة ومليئة بالنشاط، فإن عمّان كانت مجرد أرض للرعي ومصدرا للماء لعدد من القبائل العربية المحليّة المرتحلة التي من أبرزها قبليتا بني صخر والعدوان.
 
في أواخر القرن التاسع عشر في زمن أُفول الإمبراطورية العثمانية التي حكمت المنطقة لعدة قرون، جاءت ولادة
 
عمّان في عام 1878 حين استقر بضع مئات من الشركس بتشجيع من الدولة العثمانية، جاءوا بخيلهم وعرباتهم القديمة، فيرجع « عمّون » من أقاصي الشمال الشرقي يحملون كرامتهم وعزّتهم، ليعيدوا نبض الحياة إلى الضجيج والحركة إلى سيل عمّان وتلالها الشامخة.
 
في تلك اللحظة ولدت عمّان التي نعرفها اليوم. إذ أصبحت مكاناً لبداية جديدة لمهاجريها الأوائل. استقر بعضهم بين الآثار وفي الكهوف إلى أن بدأوا ببناء بيوتهم من المواد المتوفرة من حولهم، وتمكنوا بعد زمن قليل من التعايش مع القبائل العربية المحلية. وقد اعتاش أوائل الشركس في عمّان من الزراعة وتربية الحيوانات في قريتهم الصغيرة الجديدة.
 
العشرينيات - الجزء الأول
 
الماء والحديد
 
«ربط القطار قرية عمّان بدمشق وما وراءها في عام 1908 ، ليقلّ التجار والعمال والمهاجرين مساهما في بدء مرحلة تاريخية جديدة لعمّان» بدأت بذور القرية الجديدة تنمو بين تلال عمّان...عند مجرى الماء المسمّى بسيل عمّان، حيث تتدفق مياهه من رأس العين عبر وادٍ تمتد على ضفتيه بقايا من حجارة تترامى هنا وهناك وأجزاء من مسارح وشوارع رومانية قديمة.
 
كان السيل مصدر الحياة الرئيس للسّكان الجدد كما كان لمن قبلهم عبر آلاف السنين، ولكن قُدّر للماء أن يلتقي بالحديد في شكل سكة حديد الحجاز، وهو مشروع طموح شيّدته الإمبراطورية العثمانية خلال سنوات أفولها لربط بلاد الشام بالحجاز. وهكذا ربط القطار قرية عمّان بدمشق وما وراءها في عام 1908 ، ليقلّ التجار والعمال والمهاجرين مساهما في بدء مرحلة تاريخية جديدة لعمّان. إن إنشاء محطة عمّان كان اللبنة الأولى لقدوم العصر الصناعي إلى عمّان مما أثّر مبكراً على سمتها المعمارية وروحها لفترة زمنية طويلة. ومثّلت محطة القطار رابط?ً جديداً يصل العالم الخارجي بعمّان ليحوّلها من مجرد قرية نائية إلى محطة تقع على شبكة نقل حديثة، يمكنها أن تقل المسافر ليس إلى الأنحاء الأخرى من الإمبراطورية العثمانية فحسب، بل إلى أعماق القارة الأوروبية كذلك.
 
وبعد بضع سنوات فقط، تأسّس المجلس البلدي الأول في عمّان عام 1909 برئاسة الشركسي إسماعيل بابوق،
 
وفي مؤشر رمزي يبدأ تحوّل عمّان من قرية إلى بلدة. يذكر المؤرخون أنّ عمّان غلب عليها طابع القرية الشركسية لغاية الحرب العالمية الأولى. وكان رؤساء بلديتها الأوائل من الشركس حيث تبع إسماعيل بابوق، أحمد الخطيب وأسعد حمدوغ، وهما يظهران في الصور القديمة بالأبيض والأسود يرتديان غطاء الرأس الشركسي التقليدي كما انعكست البدايات الشركسية لعمّان أيضاً على أسماء بعض شوارع. من الصوف الأسود والمعروف بالـ «قلبق» المدينة مثل الشابسوغ والقبرطاي، وهي أسماء تعود بالأصل لقبائل شركسية. وحتى في الثلاثينيات والأربعينيات ظلّت بعض ا?أماكن تحمل أسماء ذات أصول شركسية. وقد ذكر الروائي العربي الراحل عبد الرحمن منيف في ساحة لكرة القدم تدعى «كوبان» وكانت تقع بالقرب من الكلية الإسلامية في منطقة الدوار الأول ، وقد سميت تيّمناً باسم أكبر نهر في بلاد القوقاز «سيرة مدينة، عمّان في الأربعينيات».
 
العشرينيات - الجزء الثاني
 
فجر جديد والثورة العربية الكبرى
 
«عمّان.. مدينة نُسِجت بلون راية الثورة العربية الكبرى» في مطلع القرن التاسع عشر لم تكن عمّان أكثر من قرية صغيرة وادعة، تتناثر فيها البيوت الطينية التي يسكنها المهاجرون الشركس والشيشان الذين أنزلتهم الدولة العثمانية عام 1878 بعد هِجرتهم من بلدهم الأصلي القفقاس.
 
وفي الوقت الذي كان العثمانيون يفكرون بإنشاء ولاية يكون مركزها عمّان، أو ما اصطلح على تسميتها «معمورة الحميدية» وتتبع لها المناطق المجاورة، فقد شَجّعوا الشركس على الاستقرار فيها، وقت تصاعدت الاضطرابات والعصيان على الدولة العثمانية.
 
ومع أن فكرة ولاية عمّان لم تنفّذ، إلا أن مشروع تدشين خط سكة الحديد العثمانية عام 1908 ، جعل من عمّان محطة مهمة بين الشام والحجاز، وأعاد بعض الحيوية للمكان الذي كان يؤمه البدو والفلاحون من السلط ومادبا لبيع سلعهم من الحبوب والمنتجات الحيوانية.
 
ودفع نشاط سكة الحديد الحكومة التركية إلى الاهتمام ب: الأسبلة وبرك الماء، وترميم المباني والمساجد، ومنها المسجد العمري، الذي أصبح فيما بعد «المسجد الحسيني»، كما التفتت إلى بناء المؤسّسات التي تتصل بالنفوس والأملاك والأحوال المدنية، والعناية بمراكز الحمايات، ومخازن الأسلحة والمؤن، ومحطات الحجاج على امتداد خط السكة، وتدشين مستشقى «خسشمانة» ضمن ممتلكات ميرزا باشا.
 
في ذلك الوقت بالكاد وصل عدد السكّان في عمّان التي بقيت قروناً طويلة طي النسيان إلى الألفي نسمة، لكن حركة عمران البيوت والدكاكين والمناجر والمحادد التي بناها الشركس والشيشان شكّل عامل جذب لقدوم المزيد من السكّان إليها من المناطق المجاورة وبث الحياة والنشاط في أركانها.
 
وحتى عشرينيات القرن الماضي لم تكن هناك شوارع منظمة، باستثناء شارع السعادة الذي يقع (حالياً) في مواجهة الجامع الحسيني تقريباً، ولم يزد عرضه عن خمسة أمتار، وكان موقع مبنى بلدية عمّان يطل على شارع الملك فيصل (حالياً)، ولم تكن في عمّان سيارات، فكان الناس يستعملون الدواب للانتقال بين عمّان والقدس بواسطة الدواب أو العربات التي تجرها البغال والخيول حتى تأسيس الإمارة عام 1921 كانت عمّان تعيش مع حلمها، وتفتح ذراعيها للقادمين تظلّلهم بدفئها، وتنسج بساطها الذي يتّسع للجميع بمحبة وتزركشه بألوان قوس قزح. تحفّها البسات?ن على جانبي السيل، وتنتشر فيها الينابيع بمائها العذب، وتتناثر حولها آثار لحضارات مضت تؤرخ لماضي مدينة عريقة. وامتد حلمها على مساحة البلاد العربية حين لجأ لها الأحرار العرب من لبنان والعراق وسوريا وفلسطين والحجاز ليلتقوا مع المهاجرين من القوقاز وأرمينيا ليتسع الحلم بحجم الإنسانية. وأمست كما قال الشاعر مصطفى وهبي التل «عرار»: «علمي بعمّان من بعض القرى فإذا عمّان عاصمة الأردن تحميه».
 
وأدرك قادة الثورة العربية الأهمية الاستراتيجية لعمّان، وأن السيطرة عليها تضعف خاصرة الإمبراطورية العثمانية، وبدأت العمليات ضد خط السكة في 13 أيلول 1918 ، حيث نجحت القوات العربية في نسف محطتي نصيب وجابر لقطع الاتصال بين درعا وعمّان التي كانت تتمركز فيها القوات التركية.
 
وكانت منطقة الجيزة على أطراف عمّان تضم مقراً للحامية التركية وبركة لتجمع المياه، وتمثّل نقطة مهمة لمراقبة البوابة الجنوبية للمدينة التي تصلها بمعان والكرك والطفيلة والعقبة. وخلال المعارك التي خاضها رجال الثورة العربية في الجنوب، وبخاصة معان وإلحاقها خسائر كبيرة بالجيش العثماني، فقد انسحبت أعداد كبيرة باتجاه عمّان، وراحت القوات العربية بقيادة الأمير زيد تتعقب القوات المنسحبة إلى عمّان، التي تم اعتراضها من قبل القوات العربية والإنجليزية الذين قاموا بحصارهم حتى أعلنوا الاستسلام في 29 أيلول من عام 1918 في الج?زة على المشارف الجنوبية لعمّان.
 
وبعد أحداث معركة ميسلون في 24 تموز 1920، وانتهاء الدولة العربية السورية، بقيت بلاد شرق الأردن بدون أي شكل من أشكال الحكم، فانبرت زعامات محليّة بتأسيس أشكال من أنظمة الإدارة عرفت باسم «الحكومات المحليّة» فظهرت حكومات عجلون والسلط والكرك. واتصالات بين أهل شرق الأردن والشريف الحسين بن علي وأيضاً بعد ميثاق أم قيس الشهير الذي يدعو إلى إقامة حكومة عربية في شرق الأردن ودعوة أحد أنجال الشريف الحسين بن علي للقدوم إلى البلاد.
 
فتقدم الأمير عبدالله بن الحسين إلى معان ودخلها يوم 20 تشرين الثاني 1920 ، وتحوّلت معان إلى عاصمة نهضة وتحرير، وبعد نجاح كل الاتصالات مع أهل شرق الأردن بدأت رحلة تأسيس الدولة.
 
بعد الثورة العربية التوجه من معان إلى عمّان، عقب المؤتمر «الأول» وحينما قرر الأمير عبدالله بن الحسين السوري، لتأسيس كيان سياسي في شرق الأردن، ووافق بناء على مشاورات مع أحرار العرب، ومنهم: رشيد طليع، وأحمد مريود على تأسيس الكيان السياسي بعد مبايعته في معان، طلب زعماء الأردن من الأمير التوجه إلى عمّان، التي كان قد تمركز فيها الشريف علي الحارثي قبيل وصول الأمير، ليعلن تأسيس إمارة شرق الأردن في آذار من عام 1921 ، وعاصمتها عمّان، وليستمع أهل عمّان وكل المستقبلين لأول خطاب هاشمي فوق أرض
 
الأردن في محطة عمّان جاء فيه:
 
«ترحيبكم بنا واجتماعكم علينا أمر لا يستغرب، فانتم لنا ونحن لكم، وإنني لم أغفل كلمة مما جاء به خطباؤكم، فوطنيتكم أمر لا يخفى، وضالتكم المنشودة هي حقكم الذي تطلبون...وما جاء بي إلى هنا إلا حميتي وما تحمله والدي من العبء الثقيل، ولو كان لي سبعون نفسا وبذلتها في سبيل الأمة لما عددت نفسي إني فعلت شيئا» وكان يدرك الأمير عبدالله بن الحسين بنظرته الثاقبة مكانة عمّان الاستراتيجية لمراقبة البوابة الجنوبية للمدينة التي تصلها بمعان والكرك والطفيلة والعقبة وتتوسط بين الشام والحجاز. وربما كان يدرك ما تنطوي عليه روحها ال?ي تستعير صلابتها من جبالها.
 
وتم الاتفاق على إنشاء حكومة في 11 نيسان من عام 1921 ، وكان أول رئيس لها رشيد طليع، لتندمج الحكومات المحلية في حكومة واحدة هي حكومة الشرق العربي.
 
ومثّل هذا الاختيار للحكومة العنوان الأول في وجهها العربي والإنساني، وشكّلت نقطة إشعاع لمبادئ الثورة العربية الكبرى منذ عام 1921 ، وظلّت حاضنة لكثير من المفكرين والشعراء والكتاب العرب من خلال مجلس الملك المؤسّس، ومن بينهم، شاعر الثورة العربية الكبرى فؤاد الخطيب وخير الدين الزركلي، وكان الأمير عبدالله بن الحسين على اتصال بالشعراء والمفكرين العرب من خلال المراسلات والحوارات في القضايا التي تهم الأمّة، ومنهم: عباس محمود العقاد وطه حسين وعمر أبو ريشة.
 
وشكّل التجمع العربي الذي احتضنته عمّان منبراً قوياً في مواجهة محاولات التقسيم والتجزئة للحيلولة دون تقسيم سوريا في العشرينات من القرن الماضي، كما شكّل مركزاً للدفاع عن عروبة فلسطين وهويتها، ومجلساً لتداول العديد من القضايا العربية المصيرية.
 
ومن الأحداث المهمة التي مثّلت رمزية مهمة للثوار العرب، ومنحت عمّان حضوراً قومياً، الزيارة التي قام بها مطلق الرصاصة الأولى ومفجر الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي إلى عمّان عام 1924، كانت دلالة ومغزى، وامتداداً للثورة العربية الكبرى، حيث بويع بالخلافة في المسجد الحسيني.1926، وبقيت - ومنذ مطلع القرن العشرين ظلّت عمّان نبض العروبة، وأول من وقف لدعم ثورة الدروز بين 1925 ومخلصة لمعنى تأسيسها الأول، وفيّة لأفكار الثورة العربية في دعم القضايا العربية والإسلامية، وقد عكس الحس العروبي الذي ألقى بظلاله على?المجتمع، الحاجة إلى تأسيس مجمع اللغة العربية الأردني كتتويج لحماية اللغة العربية الذي تأسّس في عمّان عام 1928 من قِبل عدد من المثقفين العرب، لتكون عمّان حاضنة لأول مؤسّسة تعمل لحماية الهوية العربية، وتساهم في نهضة الأمّة الفكرية والثقافية.
 
وقد انعكست ظلال الثورة العربية في عدد من الأعمال الأدبية التي تناولت شخصياتها وأحداثها، بروائيين سميحة خريس وزياد قاسم وسليمان القوابعة وهاشم غرايبة.
 
ومن رموز الثورة العربية الكبرى وقادتها الذين سكنوا عمّان الأمير شاكر الذي قاد الجيش الشرقي مع الأمير عبدالله وكان ينوب عنه في غيابه خارج البلاد، سكن جبل عمّان، نهاية شارع شكري شعشاعة حالياً، جوار بيت الملك طلال، وهو البيت الذي تربّى فيه الملك الحسين بن طلال.
 
وكان من رجالات الثورة العربية أيضاً سعيد باشا خير الذي ترأس بلدية عمّان بين 1920-1925 وقدم دعما للثوار وللثورة، والشيخ سالم أبو الغنم والشيخ مثقال الفايز وعدد من الأسماء الذين أقام بعضهم في عمّان، ومنهم: سليمان باشا السودي الروسان، سالم باشا الهنداوي، راشد باشا الخزاعي، حسين باشا الطراونة، نمر باشا الحمود، محمد باشا الحسين، رشيد طليع، رفيفان باشا المجالي، الشيخ سلطان العدوان، ياسين الهاشمي، محمود أبو راس الروسان، خلف محمد التل أبو هاجم، علي خلقي الشراري، تيسير ظبيان، محمد رضا الشبيبي، عودة أبو تايه، الشري? ناصر بن علي، مولود مخلص، علي جودت الأيوبي، جعفر العسكري، نوري السعيد، الشريف شرف بن راجح.
 
أما خير الدين الزركلي دمشقي المولد لبناني النشأة، فقد أرّخ لأحداث الثورة في عمّان وشرقي الأردن، حتى عام 1923، ورافق الأمير عبدالله بن الحسين من الحجاز إلى معان، ومن معان إلى عمّان، ووصف مدينة عمّان في وكان مقرباً من الأمير عبدالله وظل إلى جانبه حتى. «عامان في عمّان» عشرينات القرن الماضي في كتابه وصوله إلى عمّان، وتأسيس حكومة عربية بقيادة هاشمية لتكون قاعدة لتحرير الشام.
 
ومن رجالات الثورة العربية الشاعر فؤاد الخطيب، وهو لبناني من أصل مصري، كان يقطن في اللويبدة في مبنى تطل شرفته على وسط البلد، وهو الذي اتخذته دارة الفنون مقراً لها حالياً، وقد انتقل إلى الحجاز بعد الاتصال بالشريف حسين بن علي، وعُيّن وكيلاً لوزارة الخارجية في حكومة «النهضة» عام 1916 ، فوزيراً للخارجية ولقّب «بشاعر الثورة العربية» و«شاعر العرب».
 
لقد تشكّلت عمّان من نسيج الماضي الذي رصفته فسيفساء الحضارات على مر العصور، وتأسّست على حلم الحرية والوحدة والتعددية الثقافية التي صاغتها مبادئ الثورة العربية الكبرى، التي جعلت منها مدينة فسيفسائيّة ساحرة تحتوي على تنوّع لا نظير له من الشركس والشيشان والأكراد والأرمن والشوام والمقدسيين والحجازيين وغيرهم مما أضفى على المجتمع الأردني تنوعاً عرقياً شكّل جزءاً مهما من نسيجه، وظلّت قادرة على احتضان الجميع، لأن الكل يلتقي عند محبتها.
 
العشرينيات - الجزء الثالث
 
التحوّل من قرية إلى بلدة
 
«بدأت عمّان بالتخلّي عن صفتها القروية من خلال التميّز بخصائص البلدة. فعيادات الأطباء والمستشفيات والصيدليات أصبحت تلبّي الاحتياجات الطبية لهذه البلدة وبدأت الفنادق فيها تمتلئ بالمسافرين، وتجمعت المحلات التجارية لتشكّل أسواقاً متخصصة وظهرت مؤسّسات مدنيّة لتساهم في تنظيم حياة المدينة ففتحت غرفة التجارة أبوابها لأول مرة في عام 1923 وأنشئت عام 1925 أول دار للطباعة (المطبعة الوطنية)، والتي كانت تطبع فيها أول صحيفة رسمية أردنية» في عام 1921 ، رحّب أهالي عمّان الذين بلغ عددهم بضع آلاف فقط، بالأمير الهاشمي عبدالله?ابن الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى ضد الحكم العثماني. وأصبحت مدينة عمّان عاصمة لإمارة شرق الأردن التي تأسّست في ذلك العام. بعد أن أقام الأمير في مخيّمه بالقرب من المحطة لبعض الوقت، بدأ ببناء قصر رغدان الجميل ذو الحجم المتواضع نسبياً (بُني من 1924 إلى 1927 من قبل عدد من المعماريين والبنّائين من نابلس ودمشق وبيروت) ليصبح هذا القصر منارة تشير إلى العهد العربي الجديد في عمّان التي أصبحت تجذب التجّار وأصحاب المهن والمعلمين من الدول المجاورة مثل سوريا وفلسطين والعراق والحجاز.
 
اجتذبت عمّان الباحثين عن بدايات جديدة، وحلم جديد يسعون لأجله، والهاربين من اضطهاد أو تشريد (مثل أحرار العرب الذين التجأوا إلى عمّان بعد معركة ميسلون) ليستقروا في المدينة الناشئة. وهكذا تجمّع العديد من الشركس والأكراد والأرمن والفلسطينيين والعراقيين والسوريين واللبنانيين في قلب عمّان (وسط البلد) والمناطق المحيطة بها. وفي نهايات العشرينيات دخلت الكهرباء إلى عمّان ليبدأ معها عصر جديد غيّر الحياة بأكملها. فقبل تأسيس شركة الكهرباء الأردنية عام 1938 ، بدأ تشغيل أوّل المولدات الكهربائية من قبل المواطنين والشركات ?لخاصة في العشرينيات، وقام الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة، أحد أوائل الأطباء في عمّان، باستعمال إحدى المولدات لعيادته. كما بدأت بعض دور السينما والمطاحن باستخدام الكهرباء في تلك الأيام. وبدأت المدينة تشهد أيضاً شوارع معبّدة تساعد في تنقل المشاة والخيول والحمير والعربات الشركسية التي تجرها الأبقار.
 
بدأت عمّان بالتخلّي عن صفتها القروية من خلال التميّز بخصائص البلدة. فعيادات الأطباء والمستشفيات والصيدليات أصبحت تلبّي الاحتياجات الطبية لهذه البلدة وبدأت الفنادق فيها تمتليء بالمسافرين، وتجمعت المحال التجارية لتشكّل أسواقاً متخصصة وظهرت مؤسّسات مدنيّة لتساهم في تنظيم حياة المدينة ففتحت غرفة التجارة أبوابها لأول مرة في عام 1923 وأنشئت عام 1925 أول دار للطباعة (المطبعة الوطنية)، والتي كانت تطبع فيها أول صحيفة رسمية أردنية.
 
ومن بين الأطباء الروّاد لعمّان حنا قسوس، الذي تخرج من بيروت في عام 1910 ، وعبد الرحيم ملحس الذي أفتتح عيادته في شارع الرضا، ويوسف عز الدين بن إبراهيم الذي تقع عيادته في شارع الشابسوغ، وجميل توتنجي الذي أصبح طبيب القصر الملكي، ومنيف الرزاز، الشخصية العربية السياسية الوطنية. أما أول صيدلية في عمّان فقد افتتحت في عام 1925 ، وفقاً لسجلات وزارة الصحة، واعقبتها صيدليات أخرى، كالتي أنشأها أمين قعوار ونجيب قبيسي.
 
أما التعليم فقد حظي بالاهتمام المبكّر من سكّان عمّان. وبالرغم من البدايات المتواضعة للمدينة، فإننا نلحظ تشكّل بعض السمات العمّانية المميّزة ومنها الاهتمام بتعليم النشء، في زمن سيطرت فيه الأميّة على غالبية الناس. فقبل قيام المدارس الحديثة كان التعليم يتم في عدد من «الكتاتيب» (وهي حلقات تعليمية تقليدية يرتبط بعضها بالمساجد). وانتشر عدد من هذه الكتاتيب في المدينة وكانت تُسمّى على إسم الشيخ الذي يقوم بالتعليم في كل واحدة منها. كما وجدت كتاتيب خاصة بالبنات أيضاً.
 
في عام 1920 ، دخل التعليم الحديث إلى عمّان وبدأ يحل محل الكتاتيب التقليدية. وكانت أولى المدارس
 
الحكومية، التي تضمنت المدرسة العسبلية (والتي سُميت باسم مالك المبنى، محمد العسبلي)، قد شُيدت بالقرب من المدرج الروماني. وقد درس العديد من الروّاد العمّانيين الأوائل بالمدرسة العسبلية في مطلع العشرينيات وما يزال بعض الناس يتذكرون أول مدير مشهور لها وهو سليمان عطّور. كما قامت المجتمعات المسيحية المحلية والبعثات الأجنبية التي تواجدت في أوائل أيام عمّان، ببناء المدارس الخاصة والأجنبية. ومثال على ذلك أول مدرسة قدّمت التعليم المتوسط للفتيات هي المدرسة المسيحية التبشيرية (التي أصبحت اليوم المدرسة الأهلية للبنات) ?التي أنشأت في عام 1926 في جبل عمّان. ومن المدارس الأخرى الجديرة بالذكر الكلية الوطنية البطريركية التي شيّدت في منطقة المصدار في عمّان، والتي يعود تاريخها لعام 1890 باعتبارها المدرسة الخاصة الأولى في عمّان والتي كانت تلبي الاحتياجات التعليمية للمجتمع المسيحي، ومدرسة المطران في جبل عمّان، بالإضافة إلى مدرسة النجاح والكلية العلمية الإسلامية.
 
وفي منتصف العشرينيات، وجد زوار عمّان والمسافرون بواسطة سكك حديد الحجاز أكثر من خيار من الفنادق والتي تتراوح بين الفنادق الصغيرة والمتواضعة مثل فندق الملك غازي (الذي ما يزال قائماً اليوم) أو فندق فيلادلفيا، وهو أول فندق أربع نجوم في المدينة واحتوى على 67 غرفة وبُني بالقرب من المدرج الروماني من قبل . أنطون نزّال، وبقي هذا الفندق قائماً إلى أن تم هدمه في عام 1985 وبعد فترة قصيرة، توفّرت سلسلة من الخدمات العامة، فتمّ مد خطوط الهاتف والخدمة البريدية إضافة إلى إصدار أول الطوابع الأردنية التي كانت تصوّر الملك عبد?لله في عام 1927 . وفي ذات السنة أيضاً تم إنشاء المستشفى الإيطالي والذي ما يزال إلى يومنا هذا يعالج المرضى. كما ظهرت في تلك الفترة بوادر ازدهار الحياة الصناعية حيث أنشيء عام 1930 أول مصنع للتبغ) شركة التبغ والسجائر(، والذي كان إنتاجه يباع بشكل رئيسي في الأسواق المجاورة داخل سوريا وفلسطين.
 
ومن المظاهر المبكّرة للصناعة في عمّان إنشاء المطاحن على طول سيل عمّان والتي كانت تُدار بواسطة مجرى
 
الماء. وعلى الرغم من اختفاء كل تلك المطاحن مع الزمن، إلا أننا ما نزال نشهد العديد من المنشآت الكبيرة التابعة لشركة المطاحن الأردنية ومعمل المعكرونة الواقع على مسار سيل عمّان باتجاه محطة القطار.
 
كما بدأت الأسواق المتخصصة المعروفة في وسط مدينة عمّان بالظهور في أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات، مثل سوق البخارية (الذي سمّي بذلك تيمناً بمؤسّسه الشيخ كمال الدين البخاري الذي قدم من مدينة بخارى الأوزبكية) وسوق البشارات (الذي أنشأه واصف بشارات)، وسوق الحلال للحيوانات والماشية وغيرها من الأسواق. وفي العقود التالية لحق هذه الأسواق أسواق أخرى مثل سوق السكر (لبيع السكر والأرز والمحاصيل والحبوب) وسوق اليمانيّة وسوق منكو (للملابس) وسوق الذهب القريب من ساحة الملك فيصل. تعتبر سنة 1927 سنة مهمة في ذاكرة عمّان ?أنها «سنة الزلزال» إذ تعرّضت عمّان إلى دمار متوسط التأثير والسبب في ذلك يعود إلى تواضع المباني ذات الطابق الواحد في البلدة. على الرغم من ذلك فقد دفع هذا الزلزال ببناة المدينة الأوائل إلى التفكير بضرورة بناء أبنية جديدة بمواد أكثر متانة، ومنها أساليب البناء بالحجر والإسمنت، وهو ما ساهم في منح المدينة صبغة معمارية خاصة لا نزال نراها اليوم في عمّان.
 
ومع انهماك أوروبا في إعادة البناء، خاصة عقب الحرب العالمية الأولى، يمكن القول بأن العشرينيات من القرن العشرين هو العهد الذي شهدت فيه عمّان خطوات التحوّل البطيء إلى بلدة حقيقة، وان كانت متواضعة.
 
العشرينيات - الجزء الرابع
 
عمّان: ساحة للاحتفالات والمراسم «كان مسير موكب الأمير الأسبوعي إلى صلاة الجمعة من قصر رغدان من أعلى التلة وصولاً إلى المسجد الحسيني في صحن المدينة حدثاً مراسميا» شهدت العشرينيات ترسيخ تقاليد الدولة الأردنية. لم تكن عمّان العاصمة مكاناً للنٌّصب والصروح أو الجادات (الشوارع العريضة) بسبب ضآلة موارد البلد الناشيء وترافقت هذه الحال مع طبيعة تلال عمّان التي تقزّم الأبنية مهما بلغت من الحجم. وفي غياب المباني والقصور الضخمة لجأت الدولة والحكومة إلى إقامة الاحتفالات العامة.
 
فعلى سبيل المثال، كان مسير موكب الأمير الأسبوعي إلى صلاة الجمعة من قصر رغدان من أعلى التلة وصولاً إلى المسجد الحسيني في صحن المدينة حدثاً مراسمياً رسّخ النظام الجديد في البلدة ببساطة وجمالية زاهدة دون الحاجة إلى أية مراسيم مظهرية.
 
وفي السنوات الأولى لإمارة شرق الأردن ومن بعدها المملكة الأردنية الهاشمية، اعتبر شارع الملك فيصل (الذي غالباً ما يطلق عليه اسم «ساحة فيصل»، نظراً لعرضه الكبير نسبيا) جادة المناسبات للمدينة. وكانت الدولة الجديدة تعرض فيه وجودها في المناسبات باستخدام العروض العسكرية والخيّالة والخُطب والكلمات.
 
ومن بين المناسبات والاستعراضات العديدة التي شهدتها هذه المدينة الشابة، كتب المؤرخون بشكل خاص عن مناسبة للترحيب بالشريف الحسين بن علي إلى عمّان في الثلاثينيات وكيف ازدانت المدينة بمصابيحها وراياتها عندما رحبت به.
 
ومع التواضع العمراني في عمّان الجديدة إلا أنها حظيت بصرحها الأوّل الذي شيّد في الأيام الأولى للإمارة، وهو المسجد الحسيني الكبير الذي بناه الأمير عبدالله بن الحسين في ذات مكان المسجد العمري والأموي الذي تهدّم بفعل الزلازل وعوامل الطبيعة، حتى قبل أن يبدأ ببناء قصر رغدان. تم الانتهاء من بناء المسجد ومئذنتيه عام 1927 وأصبح نقطة الالتقاء الرئيسة والمركزية للمدينة. وأحاطت بالمسجد المباني الحكومية المنشأة حديثاً إضافة إلى مركز الشرطة المركزي والسوق التجاري الذي بدأ يستقطب الكثير من الباعة والمشترين والتجار والمس?فرين على حد سواء.
 
الثلاثينيات والأربعينيات
 
عصر الروّاد
 
«كنت ترى القلبق الشركسي، والطربوش السوري واللبناني والكوفية الفلسطينية والأردنية، كلها ممزوجة ببعضها في توافق وهذا ما أطلق عليه المعماري رامي الضاهر ب «مدينة الطواقي» عندما دخلت مدينة عمّان في عقد الثلاثينيات وصل تعداد سكّانها إلى 10 آلاف وخمسمئة نسمة. واستمر هذا العدد بالازدياد سنة بعد أخرى مع توافد الناس من مختلف الأراضي العربية وما حولها. حيث توافد أصحاب المهن المختلفة كالأطباء والمحامين والسياسيين وموظفي المصارف إلى المدينة بحثاً عن السكينة، بينما كانت بعض الأقليات الدينية تهرب من الاضطهاد والمضايقات و?اء أفرادها إلى عمّان بحثاً عن الاستقرار، كما توافد التجار من مختلف المناطق والبلدان المجاورة وما حولها وفتحوا محالهم التجارية وبدأوا نشاطاتهم معتمدين على ما تعدهم به هذه المدينة الشابة.
 
نسجت الروائية الأردنية سميحة خريس قصصها حول دفتر قديم لصاحب « دفاتر الطوفان » في روايتها الحديثة متجر بقالة صغير هو «دكانة عمّانية» من الثلاثينيات. وكان صاحب الدكانة يسجل في هذا الدفتر أسماء العائلات ومشترياتهم. ووصفت سميحة خريس عمّان في ذلك الوقت على أنها مدينة أشبه ما تكون بالمدينة الفاضلة التي يمكن أن تتحقق فيها الأحلام.
 
توافد الناس إلى عمّان من مختلف الجنسيات للاستفادة من الفرص التي توفّرها المدينة، ولبناء مساكن مستقرة لهم ولكي يساهموا في ولادة مدينة عربية ذات تنوع تقبل الجميع. لقد تميّز الشارع العمّاني في وسط البلد بتنوع فريد من نوعه من الناس وكلهم يرتدون أغطية رأس تعكس أصولهم المختلفة. إذ كنت ترى القلبق الشركسي، والطربوش السوري واللبناني والكوفية الفلسطينية والأردنية، كلها ممزوجة ببعضها في توافق وهذا ما أطلق عليه المعماري رامي الضاهر ب«مدينة الطواقي».
 
وبينما كان السكّان يتكاثرون، بدأت تظهر في المدينة سلسلة من التحوّلات والتي بدأت تعمل على إعادة تشكيل النواة الحضرية على طول ضفاف سيل عمّان وأطراف المدرج الروماني الرائع في وسط البلد. كانت المنازل في تلك المنطقة والمناطق المحيطة بها مبنية من الحجر الخشن وهي مؤلفة من طابق واحد فقط وسقوفها مصنوعة من الخشب والخيزران والطين. وبعد فترة قصيرة دخل الإسمنت إلى المدينة ليُحدث ثورة في البناء الذي بدأ يتطور ويدخل فيه الهياكل لتساعد في بناء مبانٍ متعددة الطوابق مثل مبنى مكتب البريد الذي ما يزال قائماً في شارع الأمير م?مد.
 
وامتداداً من المسجد الحسيني ظهر النسيج الحضري للبلد، حيث يمتد شارع الرضا والسعادة من ساحة المسجد ليلتقيا عند ساحة الملك فيصل، لتشكّل هذه الشوارع مثلثاً عُرف باسم «الجزيرة». وبعد ساحة الملك فيصل، يمتد شارع الملك حسين (والمعروف باسم شارع السلط) المتجه نحو مدينة السلط. ما يزال هذا الشارع قائماً إلى يومنا هذا ليكون شاهداً على تطور مدينة عمّان باحتضانه مبنى المحكمة القديم والبنك المركزي ووزارة المالية، كما أنه يضم على سبيل المثال أول المطاعم الكبيرة في المدينة وهو مطعم القدس الذي افتتح عام 1947 . وتنفتح بداية ?ارع الملك حسين أيضاً على أحد أشهر الأدراج في عمّان، وهو درج الكلحة الذي يصل صعوداً إلى أحياء جبل اللويبدة. ويمتد من ساحة الملك فيصل شارع الأمير محمد (المعروف باسم شارع وادي السير)، والذي يقع فيه مكتب البريد لوسط عمّان ومكتبة الاستقلال الشهيرة.
 
الأربعينيات تسلّق التلال
 
«أصبحت الأدراج العامة، التي بنيت لأول مرة في العشرينيات، جزءاً من نسيج تلال المدينة، حيث ربطت تلك الأدراج المتجهة في مختلف الاتجاهات ساكني مناطق المدينة بالأماكن الجديدة على لوحة المدينة النامية الواعدة، في رحلة يومية بين الوادي والجبل» أخذت عمّان بالتوسّع بشكل تدريجي وبدأت منازلها تتسلق التلال المحيطة بسيل عمّان لتشكّل الضواحي الأولى التي تمتد إلى خارج وسط البلد مثل: جبل عمّان، وجبل اللويبدة، وجبل التاج، وغيرها. وأصبح الدوّار الأول حدّ المدينة الغربي الجديد، والذي كانت تمتد من بعده الأراضي الزراعية الواسع?. أما المؤسّسات العامة كالمدارس الأولى والمباني الحكومية والمستشفيات والأسواق فقد بدأت تظهر على مساحة المدينة الآخذة بالاتساع. ودخلت الحافلات العامة وسيارات الأجرة إلى المدينة لأول مرة لتسير عبر شوارعها ولتعطي معنى جديداً لحركة المدينة وتساعد في إعادة رسم حدود عمّان. ومن الجدير بالذكر أن أول خدمة حافلات منتظمة كانت تربط بين ساحة الملك فيصل ومحطة سكك الحديد. وأصبح شارع المحطة فيما بعد (الذي يُعرف اليوم بشارع الجيش) محوراً لجميع نشاطات النقل ومن ضمنها تجارة السيارات ومحال تصليح السيارات.
 
أصبحت الأدراج العامة، التي بنيت لأول مرة في العشرينيات، جزءاً من نسيج تلال المدينة، حيث ربطت تلك الأدراج المتجهة في مختلف الاتجاهات ساكني مناطق المدينة بالأماكن الجديدة على لوحة المدينة النامية الواعدة، في رحلة يومية بين الوادي والجبل. لا يزال الناس اليوم يحتفون بأدراج عمّان ويعتبرونها ميّزة فريدة لمدينة أدت طبيعتها الجبلية والاستجابات البشرية لها إلى خلق تجربة حضرية ديناميكية وعفوية.
 
من دون أي شك، تميّز عقد الثلاثينيات بجهود رائدة ونمو مستمر، إلا أن التاريخ كانت في جعبته خططاً أكبر لمدينة عمّان في فترة الأربعينيات، ليُخرج المدينة بذلك من السكينة والهدوء إلى عقد من التحوّلات والتطورات. فعلى الرغم من ابتعاد عمّان عن مآسي الحرب العالمية الثانية في أوروبا، إلا أنها لم تسلم من عواقب هذا النزاع. وبالفعل، تميّزت فترة الأربعينيات بنزاعات دولية ومصاعب اقتصادية، وأمراض عديدة مثل التيفوئيد والكوليرا، إضافة إلى فيضان عمّان في عام 1941 والذي ترك العديد من المنازل والعائلات في دمار. ولكن على الرغم?من الصعوبات، فإن الروح الوثّابة للمدينة واجهت تحديات ذلك العقد، وبرزت إلى الوجود أماكن عامة ومؤسّسات جديدة استمرت في وضع الأساسات لعمّان المعاصرة والحديثة. وكانت المقاهي من بين الأماكن التي تجمع ساكني المدينة، مثل مقهى حمدان ومقهى الجامعة العربية ومقهى السنترال، والتي استطاعت أن تستقطب العديد من المثقفين والشعراء والسياسيين إليها بينما فتحت مؤسّسات معروفة في عمّان مثل البنك العربي والكلية العلمية الإسلامية أبوابها مما أضاف سمات حضرية للمدينة.
 
وفي عام 1946 ، احتفلت عمّان باستقلال الأردن عن الانتداب البريطاني، وكانت منصة الاحتفال الرئيسة مشيّدة في ساحة الملك فيصل وتم تزيينها بأقواس النصر والرايات. كما استعرضت الفرق العسكرية والخيّالة في الساحة بينما تجمهر آلاف المواطنين ليرحبوا بالملك عبدالله الأول عندما عاد من بريطانيا لإعلان استقلال المملكة.
 
بدأ المجتمع المدني العمّاني بالظهور شيئاً فشيئاً. لقد شكّل مزيج عمّان المتنوع من العرب وغير العرب مجتمعاً «حداثياً»، أي أنه لم يكن مكبّلا بالتقاليد القديمة ولا بالعائلات المهيمنة. فالتنوع في عمّان أدى إلى امتزاج العديد من التأثيرات معاً ومكّن المجتمع من إيجاد استجابات عملية لأسئلة العصر، وهذا ما أسبغ على عمّان الطابع العملي والحداثي.
 
ومع انتهاء حقبة الأربعينيات، نمت عمّان لتخرج من مرحلة الطفولة والقرية الصغيرة إلى مرحلة أخرى. ومع تراكم الثروة في المدينة وتأسيس الحكومة الأردنية، بدأت بعض المناطق العمّانية تعكس أشكالاً مختلفة من العمران وبدأ التجار الروّاد وأصحاب المهن والسياسيين ببناء منازل لهم فيها. وكمثال على ذلك، فإنك عندما تسير اليوم في شارع الرينبو (والذي سمي بهذا الاسم نسبة إلى دار السينما التي أنشأت هناك) سترى العديد من المنازل والفيلات التي بُنيت بين عقدي العشرينيات والأربعينيات، وهي تحمل أسماء عائلات عمّانية، مثل منزل البلبيسي?ومنازل عائلة القسوس ومنزل منكو ومنزل المفتي وغيرها. وفي شارع الرينبو أيضاً، سترى المنزل الذي كان محل إقامة الملك طلال والملكة زين، والذي تربّى فيه الملك الحسين بن طلال.
 
1948 المدينة الشّابة تنمو على نحو مفاجئ
 
«حيث شهدت هذه السنة إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وما أعقب ذلك من تهجير جماعي للعديد من الفلسطينيين إلى الأردن، معظمهم عبر نهر الأردن، ليصلوا بسلام إلى ضفته الشرقية» ربما لم يترك حدث تاريخي أثراً أكبر على عمّان بقدر الأثر الذي تركته الحرب العربية-الإسرائيلية (النكبة) عام 1948. إن التأثير البالغ لهذا الحدث جاء في شكل عددي، حيث انفجر عدد سكّان عمّان من مجرد 33 ألف نسمة في عام 1947 إلى 250 ألف نسمة في عام 1952 . وانتشرت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جميع أرجاء المدينة، ومنها ماركا (مخيم شنلّر)، ومخيم? الوحدات والحسين، وهو ما أدّى إلى أن ما يقارب من 30 بالمئة من مساحة عمّان كانت مغطاة بالخيم في وقت من الأوقات.
 
لقد ساهم سكّان عمّان في السنوات التالية للنكبة بتطور المدينة على جميع المستويات. فمن ناحية، ازدادت الحاجة إلى المساكن والمدارس والعيادات الطبية والبنية التحتية وتم بناء كل ذلك مما أسهم بالنمو المادي للمدينة.
 
ومن الناحية الأخرى أسهم سكّان عمّان الجدد كذلك في تطوير المدينة اقتصادياً وثقافياً وهو ما سرّع عملية تحوّل عمّان من بلدة إلى مدينة كبيرة.
 
التحوّلات الحديثة خلال عقد الخمسينيات
 
«كانت دفّة المملكة الأردنية الهاشمية يقودها بحذر وكياسة قائد شاب ذو شخصية فريدة وهو الملك الحسين بن طلال. اتسمت الفترة الأولى من حكم الملك الحسين بالنضال من أجل التعامل بتوازن مع التخبّطات والاضطرابات السياسية التي هيمنت على المنطقة لعقدين، والاستمرار في الوقت ذاته بالعمل من أجل إنشاء المؤسّسات الرئيسة لدولة حديثة» خلال عقدي الخمسينيات والستينيات عصفت بالمنطقة العربية الإيديولوجيات السياسية الثورية كالقومية العربية والاشتراكية وغيرها.
 
وعلى الرغم من كل التوترات والضغوط، ظلّت عمّان تتطور خلال الخمسينيات والستينيات. وكانت الإشارات الأولى للحداثة الثقافية قد بدأت بالظهور بشكل جلي. وازداد الاهتمام بتعليم المرأة كما وازداد دورها في المجتمع.
 
وأصبحت دور السينما والمقاهي أماكن اجتماع ولقاء أغنت الحياة الاجتماعية للمدينة، وبدأت هذه الدور والمقاهي تنتشر في مختلف أرجاء عمّان. حتى أن فن العمارة لتلك الحقبة بدأت تظهر عليه معالم الحداثة وطراز «الآرت ديكو» التي امتزجت بأساليب البناء الحجري التقليدية في بلاد الشام، والذي ما يزال ظاهراً إلى اليوم على بعض المباني والمنازل في وسط المدينة وجبل عمّان وجبل اللويبدة، التي تعود لتلك الفترة. كما بدأت الحياة التجارية لعمّان بوضع أساسات وثوابت راسخة لها. فمن المحلات التجارية العائلية الصغيرة، ومكاتب التجارة والمعا?ل الصغيرة التي ظهرت خلال العشرينيات والثلاثينيات، ظهرت العديد من الشركات التجارية الكبيرة خلال الخمسينيات. وظلّت النشاطات التجارية لعمّان وطبقة التجار فيها تدفع التطور الاقتصادي الفتي للمدينة قدماً.
 
وبينما شهدت عمّان تطوراً أكبر ومبانٍ أكثر، أصبح موقع عمّان كمركز تجاري يزداد أهمية، وبدأت الأعمال التجارية باقتحام مستويات جديدة من خلال القطاعين الخاص والعام، مثل إنشاء شركة مصانع الإسمنت الأردنية التي تأسّست عام 1951 والبنك الأهلي الأردني الذي تأسّس عام 1955 ، كما نقل البنك العربي مقره من القدس إلى عمّان واحتل بناية كبيرة على ساحة الملك فيصل، ليعكس بابه النحاسي الضخم دور النشاط التجاري في الحياة.
 
ومما يشهد على استقرار الأردن واستمرارية التنمية الحديثة في العاصمة عمّان، تواصل نشاط الأعمال التجارية للمؤسّسات والشركات المذكورة، حيث استمرت بالعمل والتطور والنضوج إلى يومنا هذا. فقد كان الأردن من الأماكن القليلة التي استطاعت فيها ثقافة بلاد الشام التجارية أن تستمر بعيداً عن تجارب التأميم التي سادت المنطقة العربية في الخمسينيات. كانت أبواب عمّان مفتوحة على الدوام للمبادرات الخاصة والأفكار المبادرة، مما سمح للقطاع الخاص والأعمال التجارية الصغيرة والمتوسطة والكبيرة بأن تلعب دوراً مهماً في تطوّر المدينة ونمو?ا. ومع نمو وتطور الاقتصاد برز دور العمال والمؤسّسات والاتحادات المهنية، وبدأت النقابات المهنية بالظهور، حيث لعبت دوراً مهماً في تطوير الحياة السياسية للأردن إلى جانب دفاعها عن حقوق العمال وتنظيم المهن.
 
الستينيات
 
مدينة أكبر، طموحات أكبر وتحديات أكبر
 
«أضاف إنشاء الجامعة الأردنية عام 1962 بُعداً جديداً لمدينة عمّان. فلأول مرة أصبح بإمكان الطلبة الأردنيين مواصلة دراساتهم العليا من دون الحاجة إلى السفر إلى خارج الأردن» شهد عقد الستينيات تطوراً سريعاً للأردن تحت قيادة الملك الحسين بن طلال. فقد شهدت المدينة إنشاء المعالم الحديثة الكبيرة، إيذانا بتحوّل عمّان إلى مدينة ممتدة. أضاف إنشاء الجامعة الأردنية عام 1962 بُعداً جديداً لمدينة عمّان. فلأول مرة أصبح بإمكان الطلبة الأردنيين مواصلة دراساتهم العليا من دون الحاجة إلى السفر إلى خارج الأردن. وقد مهّد هذا التطو? السبيل لإنشاء العديد من المؤسّسات التعليمية في عمّان في العقود التي تلت.
 
إن تأسيس الجامعة الأردنية في منطقة خضراء وجميلة قرب قرية الجبيهة على أطراف حدود المدينة، أظهر بأن لعمّان طموحات بالنمو إلى ما يتجاوز الأحياء والمناطق التي تحددت في فترة الخمسينيات، كما عكست الجامعة الأردنية أيضاً الطموحات الحديثة للأردن في طرازها المعماري الحديث العالمي.
 
أما مدينة الحسين للشباب، فقد كانت مشروعاً جسّد رؤية الملك في منح عمّان أول ستاد رياضي كبير وعدد من المرافق الرياضية والثقافية الرئيسة الأخرى. وقد اختير موقع هذا المشروع عام 1960 ، وبدأ البناء فيه بعد سنوات قليلة من ذلك. وافتتح هذا المشروع عام 1968 ليكون من المعالم المهمة والبارزة في السبعينيات والثمانينيات وما بعدهما. ومن المعالم المهمة الأخرى للمدينة في تلك الفترة هي مسجد أبو درويش في عام 1961 ، إضافة إلى أول مكتبة عامة في عام 1960 . وقد برزت خصائص وميزات المدينة الحديثة خلال هذا العقد وتجسدت في العدد الم?زايد من المقاهي، وانتشار الفنون والثقافة وبداية البث التلفزيوني لمؤسّسة التلفزيون الأردني عام 1968 . كما أنشئت صحيفة الدستور الأردنية عام 1967 ، وكانت الصحيفة اليومية الوحيدة حتى مطلع السبعينيات.
 
وفي الستينيات حصلت انعطافة مهمة أخرى في التاريخ الأردني عندما أدت الحرب بين العرب والكيان الصهيوني عام 1967 إلى نزوح ما بين 330 ألف إلى 500 ألف لاجيء فلسطيني إلى الأردن ليجعلوا عمّان ومدناً أردنية أخرى مكان استقرارهم الجديد. وألقى ذلك عبئًا على المدينة لاستيعاب هذا العدد الهائل من النازحين الجدد، وبذلك ذهب أي أمل في تخطيط المدينة وفق معدل النمو الطبيعي لها أدراج الرياح.
 
السبعينيات
 
عمّان وطفرة النفط: مدينة في نمو مطّرد
 
إن الازدهار النفطي في السبعينيات واعتماد جزء مهم من المجتمع العمّاني في دخلهم على العمل في دول الخليج الغنية بالنفط، أدى إلى نمو ضخم في جميع الاتجاهات وخاصة إلى الغرب من عمّان، وبدأت البنية التحتية للمدينة تجاري هذا التوسع الهائل. وبينما جلب هذا ثروة كبيرة إلى عمّان، إلا أن المدينة أصبحت بالنسبة إلى البعض مجرد وجهة لقضاء الإجازة الصيفية، وبدأت عمّان تتحوّل إلى «مدينة سيارات» أكثر منها مدينة للمشاة، وبدأت الطبيعة العملية والمثالية لمدينة عمّان في أوائل القرن العشرين تواجه العديد من التهديدات. لقد أدى التوسع?المطّرد في بناء المساكن كبيرة الحجم إلى تفوّق المكان الخاص على المكان العام، وأصبحت أسوار المنازل العالية من المناظر الشائعة، وبدأت الكثير من التصاميم المعمارية للڤلل تعكس مزيجاً غير متناسق من الأذواق والأشكال. أما وسط مدينة عمّان فقد بدأ يفقد أهميته بانتقال المحال التجارية إلى الأجزاء الجديدة في المدينة، وبدأ ساكنو وسط المدينة بالتخلي عن منازل العائلة القديمة والانتقال إلى مناطق جديدة بعيدة عن مركز المدينة.
 
وحين بدأت عمّان تضم إليها العديد من الأراضي الزراعية والقرى والبلدات الصغيرة الواقعة على أطرافها، مثل صويلح والجبيهة وخلدا وتلاع العلي، أصبح من الواضح أن عمّان تتجه نحو التحوّل للمدينة المليونية.
 
ولكن على الرغم من هذه التغيرات، ظلّت عمّان تتقدم إلى الأمام. فمع استقرار المهاجرين الذين قدموا إليها في العقود السابقة، بدأت الحكومة الأردنية ببذل الجهود الحثيثة في توفير الخدمات الصحية وغيرها من الخدمات والمرافق الأساسية ومنها الماء والكهرباء وتعبيد الشوارع والأدراج العامة. وقد نشأت مناطق مثل جبل الأشرفية وجبل الجوفة والهاشمي وغيرها، وتحوّلت إلى أحياء متكاملة من صلب المدينة. هذه الأحياء المكتظة بالسكّان، بشوارعها الضيّقة ومنازلها الإسمنتية الصغيرة وظروفها المعيشية المتواضعة، تميّزت بقوة الروابط العائلية و?مط الحياة التقليدي. كما تطورت هذه المناطق لتصبح مراكز للنشاط الاقتصادي بأسواقها النابضة بالحياة ومناطقها المكتظة بمحال النجارة والحدادة إضافة إلى محال تصليح السيارات ومجموعات أخرى متنوعة من النشاطات الحيوية.
 
وفي السبعينيات استمر بناء المؤسّسات في عمّان، ومن ذلك إنشاء الجمعية العلمية الملكية والمتحف الوطني الأردني. وعلى أطراف المدينة افتتحت مدينة الحسين الطبية عام 1973 ، بناءً على الجهود الرائدة لأطباء عمّان ومختلف المؤسّسات الطبية الأردنية الأولى، وكانت رمزاً لحداثة ذلك العصر. لقد عززت المدينة الطبية سمعة ومكانة عمّان كمحطة طبية مهمة وهذا ما مهّد الطريق للمزيد من التطورات في القطاع الطبي خلال الثمانينيات والتسعينيات.
 
كما بدأ الإعلام أيضاً يلعب دوراً كبيراً في المجتمع. فعلى الرغم من أن عمّان كان فيها عدد من الصحف في بداية تاريخها، إلا أن نهاية الستينيات وبداية السبعينيات شهدت إنشاء عدد من المؤسّسات الإعلامية، فتأسّست صحيفة $ شبه الرسمية عام 1971 وتلاها أول صحيفة أردنية ناطقة باللغة الإنجليزية وهي صحيفة جوردان . تايمز التي تأسّست عام 1975 مع تقدم السبعينيات، نشأت ضواحي أخرى داخل عمّان ومنها الشميساني واستمرت منطقة جبل عمّان في التوسع. تغيّرت مدينة عمّان، مدينة الطواقي والأدراج، لتصبح مدينة الدواوير، فقد شهدت المدينة إنشاء دواوير مرورية رئيسة اخترقت المناطق الغربية للعاصمة. فباتت الدواوير تحدد الخط الزمني للعاصمة من الدوّار الأول، الذي كان يعتبر الحد الغربي للمدينة في مطلع الثلاثينيات، إلى الدوّار الثامن الذي يقع على أطراف وادي?السير.
 
واليوم، يمكننا أن نتابع توسع العاصمة، إلى جهة الغرب على الأقل، حيث أصبحت دوّارات عمّان بحق ممراً للنمو يحكي كل منها تاريخ عقد من التطورات التي مرت بها المدينة على مدى المائة سنة الماضية، من الشوارع العريقة المتفرّعة من شارع الرينبو التي تمتد لما بعد الدوّار الأول لتطل على وسط المدينة القديمة، إلى الضواحي التجارية والصناعية المكتظة لوادي السير. فعبر رحلة واحدة من الدوّار الأول إلى الدوّار الثامن تمر خلال الأنفاق الرئيسة للمدينة التي بُنيت خلال التسعينيات والألفية الجديدة. لقد تشكّلت المناطق التجارية والسكني? بسرعة حول الدوّارات المرورية الرئيسة، مع توسع حدود المدينة عبر العقود. واتخذت المعالم المشهورة للمدينة مكانها على كل دوّار ومنها فندق الإنتركونتيننتال ذو الخمس نجوم والسفارة البريطانية القديمة ووزارة الإعلام على الدوّار الثالث، وقصر زهران، ومختلف السفارات الأجنبية بين الدوّارين الثالث والرابع ورئاسة الوزراء على الدوّار الرابع.
 
وبينما أعتبر البعض هذا العقد لحظة هامة ومصيرية في التاريخ الاقتصادي للأردن، إلا أن البعض الآخر لاحظ بأن هذه الحقبة بدأت تظهر فيها ملامح التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بشكل أوضح من ذي قبل.
 
الثمانينيات
 
عمّان الكبرى
 
«شهد عقد الثمانينيات نمواً لا مثيل له، خاصة ضمن مراكز عمّان الحضرية النامية التي شهدت استمرار إنشاء المعالم الحديثة ومنها المركز الثقافي الملكي، الذي بُني ليستضيف مؤتمر القمة العربية، والساحة الهاشمية، ومسجد الشهيد المؤسّس الملك عبدالله الأول ابن الحسين، ومطار الملكة علياء الدولي الذي حلّ محل مطار ماركا التابع لمدينة عمّان القديم مع دخول عمّان في عقد الثمانينيات، ترسّخ الإدراك بضرورة التعامل مع عمّان على أنها مدينة كبيرة. وكانت للملك الحسين رؤيته لإنشاء ما يُعرف «بعمّان الكبرى». وخلال تلك الفترة تم التركيز?على إنارة الشوارع ونظافتها وتشجيرها وتوحيد ألوان واجهات المباني الإسمنتية باللون الأبيض، واكتسبت عمّان سمعتها المشهورة كمدينة نظيفة.
 
وفي عام 1983 ، وضعت عمّان نفسها بهدوء على طريق التحوّل إلى عاصِمة حديثة من خلال جهودها في وضع الأساسات الأولى لما عُرف باسم أمانة عمان الكبرى.
 
ومع بداية اتخاذ الحكم المحلي للمدينة شكله الخاص، استطاعت عمّان تعميق دورها باعتبارها المركز السياسي للمملكة مع إجراء الانتخابات البرلمانية الوطنية عام 1989 وانعقاد أول جلسة للبرلمان المنتخب بحريّة تحت قبة مجلس الأمة المشهورة في العبدلي.
 
مع اقتراب نهاية عقد الثمانينيات، طغت على المشهد رياح النزاعات الإقليمية مرّة أُخرى والتي جاءت هذه المرة من حرب الخليج في عام 1990 ، والتي أدت بأكثر من 300 ألف فلسطيني وأردني بالخروج من الكويت والعودة إلى الأردن، إضافة إلى آلاف العراقيين الذين هربوا من الفوضى المفاجئة التي نتجت عن ذلك الصراع. كانت عمّان العاصمة بالنسبة إلى البعض جنّة آمنة مؤقتة، ولكنها بالنسبة إلى البعض الآخر كانت مكاناً جديداً أسموه الوطن. وفي كلتا الحالتين، فإن حرب الخليج الأولى كان لها الأثر البالغ على عمّان، حيث ساهم المغتربون واللاجئون?من المهنيين والمثقفين وأساتذة الجامعات والفنانين العراقين وغيرهم في خلق انبعاث ثقافي جديد لمدينة عمّان - مما أكد مرة أخرى على شخصية مدينة عمّان باعتبارها مدينة متعددة الألوان وحاضنة للثقافات المتنوعة.
 
إن الزيادة في عدد السكّان والحاجة إلى المساكن بدأ يغيّر من شكل المدينة العام. فقد بدأت تظهر المزيد من العمارات السكنية الكبيرة على النقيض من منزل العائلة المفردة أو العائلة الممتدة التي سادت في العقود الماضية. وبرزت مناطق جديدة من العدم مكتظة بالسكّان وتكاد تخلو من المساحات الخضراء والمناطق العامة. ومن الأمثلة البارزة لتأثير تداعيات حرب الخليج على عمّان نمو شارع وصفي التل والمعروف باسم شارع الجاردنز في تلاع العلي فقبل التسعينيات، كان هذا الشارع الطويل الذي يربط منطقة المدينة الرياضية بمناطق بعيدة مثل خ?دا وأم السماق ومناطق أبعد مثل شارع المدينة الطبية، قد بدأ يتخذ طابعه كشارع تجاري في الثمانينيات.
 
ولكن خلال سنوات قليلة عقب عام 1990 ، أكتظ هذا الشارع بالمباني المشيّدة حديثاً، حيث أفتتح العديد من العائدين من الخليج مصالح تجارية لهم هناك، وأصبح هذا الشارع معروفاً بمطاعمه التي تقدم الوجبات السريعة ومحال الأجهزة الإلكترونية والكومبيوتر. وبهذا ظهرت إلى الوجود منطقة تجارية كبرى بين ليلة وضحاها.
 
أما حركة التطور المبكر التي شهدها القطاع الطبي، فقد مهّدت الطريق لدور عمّان لتكون وجهة طبية واعدة للمنطقة العربية برمتها. فعمّان، المدينة التي لعبت أهم الأدوار الإنسانية في تاريخ المنطقة، فتحت ذراعيها للسياحة الطبية لكل من يحتاج إلى الرعاية. فبينما ظلّت مدينة الحسين الطبية إلى هذا اليوم مؤسّسة طبية بمستوى عالمي، كذلك شهدت عمّان خلال العقود المتتالية إنشاء العديد من المبادرات العامة والخاصة في القطاع الصحي، ومن ضمنها المستشفيات الضخمة والعيادات الطبية والصيدليات والمختبرات الطبية وحتى المرافق البحثية.
 
التسعينيات - الجزء الأول
 
إعادة اكتشاف عمّان
 
«فقد بدأت تظهر العلامات الأولى على التوق إلى ماضي المدينة، وهي ظاهرة جديدة على عمّان، وأتخذ ذلك، على سبيل المثال، شكل توثيق وإنقاذ المنازل في المناطق القديمة» إن تراكم التاريخ الحضري المعاصر في عمّان والتطورات المتواصلة التي طرأت على مشهدها الثقافي، قد أديا في نهايات الثمانينيات والتسعينيات إلى ظهور شخصيات ثقافية ارتبطت أسماؤها بشكل وثيق بمدينة عمّان. وعلى الرغم من أن الروائيين والمعماريين والفنانين وغيرهم من قاطني عمّان احتاجوا لبعض الوقت ليلحظوا سحر المدينة، إلا أن التسعينيات شهدت ظهور مجموعة متنوّعة م? المثقفين الذين بدأوا يدركون هوية المدينة ويقدرونها بعمق. فقد بدأت تظهر العلامات الأولى على التوق إلى ماضي المدينة، وهي ظاهرة جديدة على عمّان، وأتخذ ذلك، على سبيل المثال، شكل توثيق وإنقاذ المنازل في المناطق القديمة والتي تم تهديم بعضها في الماضي من دون أي إدراك لقيمتها التاريخية.
 
وبالتوازي مع الاهتمام المعماري بعمّان، كُتبت العديد من المقالات الصّحفية حول «عمّان الأمس». وقد أعطى السرد التاريخي الذي ظهر عام 1994 للكاتب العربي والمفكر الراحل عبد الرحمن منيف لطفولته في عمّان الأربعينيات، بُعداً ودافعاً جديدين لعملية إعادة اكتشاف عمّان. وبدأ المؤلفون الأردنيون يُظهرون اهتمامهم المتزايد بمدينة عمّان ومجتمعها وتاريخها. وأول رواية كانت فيها عمّان الموضوع الرئيس هي «أبناء القلعة» للكاتب الراحل زياد القاسم عام 1989. وهنالك روائيون آخرون كتبوا عن مدينة عمّان ومنهم هاشم غرايبة وإلياس فركوح و?ميحة خريس. ومن بين الشخصيات الأدبية البارزة التي أرتبط اسمها بقوة بمدينة عمّان الروائي الراحل مؤنس الرزاز 1951- 2002 ، الذي استلهم معظم أعماله الروائية من المدينة وشخصية سكّانها، كما ارتبط اسمه بمنطقة جبل اللويبدة، بأشجارها النامية ومنازلها وفيلاتها العتيقة وحدائقها وشوارعها والتي تروي جانباً مهماً من تاريخ مدينة عمّان من العشرينيات وإلى يومنا هذا، ابتداءً من ولادتها إلى نموّها، وفترات الإهمال ومن ثمّ إعادة الاكتشاف.
 
التسعينيات - الجزء الثاني
 
التراكم الثقافي وروح المدينة
 
«تدريجياً، بدأت تلال مدينة عمّان تخلق فضاءات عامة جديدة للتعبير الثقافي تشجّع قاطني المدينة على رواية قصص جديدة، وبدأ جيل جديد من العمّانيين برحلة الاكتشاف الذاتي ومزج الهوية القديمة بهويات ناشئة» بدأ البحث عن عمّان «القديمة» وإعادة اكتشافها كهوية مدينة مسبوغة بطابع تاريخي وحنين إلى الماضي بالظهور في شكل انبعاث ثقافي تكشّف خلال التسعينيات على تلال هذه المدينة. وأصبح جبل عمّان موطنا لنقاط التجمع الثقافية والترفيهية البديلة الجديدة، وهو ما بدأ في مطلع التسعينيات بمبادرات إعادة ترميم واستخدام بعض المنازل القد?مة، مثل ترميم منزل القسوس قرب شارع الرينبو وتحويله إلى صالة عرض لمؤسّسة نهر الأردن، والبدء في إقامة المقاهي في جبل عمّان (الأحياء القديمة) التي جلبت الجمهور الشاب وخصوصاً لاستعمال شبكات الانترنت، كما ازدهرت العديد من المراكز الفنية في منطقة جبل اللويبدة مثل دارة الفنون - وهي مؤسّسة تمكّنت عبر السنوات من دمج الفن والعمارة والطبيعة الحضرية المتميّزة لمدينة عمّان.
 
أما المتحف الوطني الذي تأسّس في مطلع السبعينيات والذي يقع أيضاً في منطقة جبل اللويبدة، فيضم أكبر مجموعة في العالم من الأعمال الفنية المنتجة في دول العالم النامي. كما وجدت المراكز الثقافية الأجنبية مكانها في عملية الانبعاث الثقافي هذه، ومنها المجلس الثقافي البريطاني في شارع الرينبو، والمركز الثقافي الفرنسي بالقرب من دوّار باريس في منطقة جبل اللويبدة (والذي كان يُعرف بدوّار الحاووز)، ومعهدي غوته وسيرفانتس في جبل عمّان وغيرها من المؤسّسات التي عملت على تعزيز التبادل الثقافي وعقد مهرجانات الأفلام الأجنبية والك?نفالات.
 
وتدريجياً، بدأت تلال مدينة عمّان تخلق فضاءات عامة جديدة للتعبير الثقافي تشجّع قاطني المدينة على رواية قصص جديدة، وبدأ جيل جديد من العمّانيين برحلة الاكتشاف الذاتي ومزج الهوية القديمة بهويات ناشئة. الوقت ذاته ومع إيقاع الروح الثقافية لمدينة عمّان، تم إنشاء مبنى جديد وهو وفي وقد أُريد لهذا المبنى .« قاعة المدينة» أن يكون القلب النابض للمدينة في القرن التالي، عندما فتح أبوابه للجمهور عام 1997 في مكان يعتبر نواة المدينة، وهي منطقة رأس العين، حيث كانت تتدفق فيه فيما مضى مياه سيل عمّان.
 
وتزامناً مع هذا الحراك، اعتبرت فترة التسعينيات فترة متميّزة ومهمة في تاريخ عمّان كمركز تعليمي في الشرق الأوسط. لقد أوجد التوسع المتواصل والمستقر للجامعة الأردنية منذ أواخر الستينيات، أرضاً خصبة لإنشاء العديد من المرافق التعليمية العامة والخاصة والكليات والجامعات التي اجتذبت آلاف الطلاب من المنطقة العربية ومختلف أرجاء المعمورة.
 
الألفية الجديدة - الجزء الأول
 
عمّان وعصر العولمة
 
لقد شهدت نهاية القرن انعطافة مهمة في تاريخ الأردن وذلك مع رحيل المغفور له الملك الحسين عام 1999 ، وتولّي الملك عبدالله الثاني مقاليد الحكم. وعلى مدى العقد التالي شهدت المملكة رياح التغيير معلنة بدء رحلة جديدة تميّزت بسلسلة من الإصلاحات التي أرساها الملك الشاب. ومن دون أي شك بدأت معالم هذا التغيير بالظهور بشكل واضح في عمّان، كمدينة تسعى لأن تكون محطة اقتصادية وتجارية مهمة في المنطقة برمتها.
 
ومع انضمام الأردن لركب التجارة العالمية، أصبحت هذه المدينة مكاناً جاذباً للاستثمار. لقد جلبت الألفية الجديدة موجة هائلة من الاستثمارات التي اتخذت شكل المشاريع الضخمة التي لها علاقة مباشرة في الوضع الاقتصادي المميّز في المنطقة بشكل عام، وأدت الاستثمارات غير المسبوقة في المشاريع العقارية إلى حصول رواج استثنائي في السوق.
 
كما شهدت عمّان أيضاً انعطافة مهمة ليس فقط في تاريخها، بل وأيضاً في التاريخ الحديث للمنطقة العربية برمتها؛ فلقد أدى الوضع السياسي والأمني في العراق إلى انتقال أكثر من 500 ألف لاجئ عراقي إلى عمّان خلال سنوات عدة سعياً وراء الأمن، وقد وفّرت لهم عمّان السكن والسلام والأمان أثناء الحرب وأثناء الاضطرابات . التي عمّت هذا البلد منذ عام 2003 وفي عام 2005 ، التقى مئتا عالم إسلامي من مختلف مناطق العالم والمذاهب في عمّان لإصدار «رسالة عمّان» وهي وثيقة تشرح للعالم المعاصر ماهية الإسلام: رسالة الإخلاص لله عز وجل، وحب ال?يران، والنيّة الحسنة، والاعتدال والسلام. وتكمن أهمية هذه الرسالة في حقيقة أنها تمثّل إجماعا حديثا للأمة الإسلامية، مما يعزز ويقوي الفهم التعددي للإسلام.
 
الألفية الجديدة - الجزء الثاني
 
الطموح: تطور العاصمة والبحث عن الروح
 
«أدى تطوّر مدينة عمّان المعاصر إلى خلق مجالات جديدة للتوسع، وساهمت المشاريع الضخمة غير المسبوقة في إعادة تشكيل الهوية المعاصرة للعاصمة" على مستوى البنية التحتية، شهدت السنوات الأولى من الألفية الجديدة تطوراً غير مسبوق للتقاطعات المرورية، حيث تم إنشاء الأنفاق المتعددة الطوابق والجسور في محاولة لمجاراة تدفق السيارات داخل المدينة. وأعيد تنشيط عمليات تطوير الحدائق العامة بشكل كبير في عمّان، وتكلّل هذا في إنشاء حدائق الحسين بالقرب من مدينة الحسين الطبية. منحت هذه الحديقة سكّان عمّان متنفساً طبيعياً كبيراً، إضاف? إلى متحفين مهمّين: متحف السيارات الملكية، ومتحف الأطفال والذي هو بحق مؤسّسة رائدة تكرّس روح الاستكشاف والعلم لدى أطفال عمّان والأردن. وفي عام 2002 ، تم الاحتفال بعمّان كعاصمة للثقافة العربية، وكان ذلك مناسبة لإجراء المزيد من البحوث حول عمّان وسكّانها من أجل تعزيز هويتها الفريدة وتراثها الحضري.
 
أدى تطور مدينة عمّان المعاصر إلى خلق مجالات جديدة للتوسع، وساهمت المشاريع الضخمة غير المسبوقة في إعادة تشكيل الهوية المعاصرة للعاصمة. وربما من أبرز تلك المشاريع، مشروع العبدلي الذي يُعرف باسم «وسط المدينة الجديد»، والذي أصبح بلا شك في مقدمة التغييرات الضخمة في عمّان. بينما مثّلت المعالم المهمة الأخرى مثل جسر عبدون وبرجي بوابة عمّان نقلة نحو الحداثة الجديدة وتجسيداً للعمارة المعاصرة والجريئة. وفي الوقت ذاته، ساعدت المشاريع العامة مثل حدائق الحسين، والمراكز التجارية الحديثة ومنها عبدون مول ومكة مول وسيتي مول?في خلق مجالات ترفيه وتسوق جديدة.
 
على الرغم من أن استثمارات القطاع الخاص العقارية كانت الوقود الذي حرّك عجلة التقدم والتطوّر المتواصلين للعاصمة، فقد كان لعمّان استجابتها ورؤيتها الخاصة لتطوّرها المستقبلي. ودخلت المدينة في عملية تخطيط «خطة عمان» التي انطلقت عام 2008. لتطوير عمّان في الخمس والعشرين سنة القادمة، وذلك من خلال تخطيط المناطق المختلفة التي تحيط بالمدينة من أجل النمو المستقبلي، وتكثيف التطوير الحضري ضمن المناطق القائمة، وتحديد المناطق القديمة لعمّان كمناطق محميّة تراثياً، وإحياء منطقة وسط البلد وترقيم الشوارع واقتراح أساليب جديدة ?تقليل الزحف العمراني وغيرها. وتمثل خطة عمّان مستوىً جديداً من الوعي الحضري، فهي تبلور رؤية استراتيجية للمدينة كمكان تتناغم وتنسجم فيه حياة الناس مع الطبيعة والتطور الحضري والتقدم الثقافي والاقتصادي.
 
وفي عام 2009 ، تم تكميل خطة عمّان مع خطة النقل العام التي صُمّمت لتضع الأساس لنظام نقل عام جديد وطموح على مدى العقد القادم. وتتضمن هذه الخطة خطوطاً خاصة للحافلات ومنظومة سكك المترو، والتي تهدف إلى تخفيف الازدحام المروري، وهي تمثل تطوراً مهمّا في سياسيات التعامل مع الأزمات المرورية بعد أن تم الاعتماد في العقد السابق على الجسور والأنفاق لحل الاختناقات المرورية على التقاطعات الرئيسية.
 
وبينما استطاعت مشاريع التطوير الكبيرة تغيير شكل المدينة المعاصر، إلا أن لهذه المشروعات تأثيرات أُخرى لا يمكن إنكارها على الطرز المعمارية للمدينة. فمن سمتها التقليدية المعروفة بحجر الكلس الأبيض الناصع، انتقلت المدينة لفصول جديدة من قصتها، تحكيها الجدران والأبواب والنوافذ. فبدءاً من العمارة العثمانية خلال عقدي العشرينيات والثلاثينيات، وعمارة بلاد الشام الممزوجة بالحداثة في الأربعينيات، ودخول التوجهات العالمية في الحداثة التي ميّزت حقبة الخمسينيات والستينيات، اتخذت عمّان أشكالا معمارية جديدة على مدى هذه السنو?ت.
 
لقد استمر هذا المشهد العمراني في إعادة استكشاف ذاته مع كل معلم في المدينة ومع كل مبنى أو بيت في كل عقد. ومن عمارة الفيلات التي جسّدت فترة الحداثة خلال السبعينيات والتي ظهرت جلية في منطقة الشميساني، إضافة إلى تجربة ما بعد الحداثة في الثمانينيات والتسعينيات والتي ساعدت في إعادة اكتشاف العمارة المحلية والإسلامية العربية، إلى التأثير غير المسبوق للعمارة التجارية العالمية والنشاط المعماري الذي برز خلال الألفية الجديدة، تمكنت عمّان من أن تكون مركزاً للإبداع المعماري المطوّر محلياً للمنطقة العربية واستطاعت أن تص?ّر الأفكار المعمارية إلى المحيط العربي. فإذا كانت عمّان تفتقر لبعض المعالم التاريخية المميّزة الموجودة في عواصم مجاورة، فإنها استطاعت أن تتفوق عليها بخلق نماذج مدنية عصرية لامعة.
 
لم يقتصر التطوّر الثقافي للعاصمة على الإبداع المعماري، فقد شهدت الألفية الجديدة قفزة مهمة في المشهد الثقافي للمدينة مع بروز موجة جديدة من الموسيقى البديلة والفنون الجديدة. لقد شهد التعبير الثقافي الجديد في عمّان تداخل عناصر متنوعة ومجموعة من التأثيرات العالمية والإقليمية والمحلية التي تضافرت في خلق تجربة غير مسبوقة في المشهد الثقافي للمملكة. وكان العقد الأول من الألفية الجديدة لحظة بارزة في النشاط الثقافي الجديد لمدينة عمّان، والذي مكّنها من أن تنافس العواصم الثقافية المشهورة في المنطقة. كما وجدت صناعة الن?ر والإعلام موطناً لها في عمّان، وازدهرت خلال العقد الإصدارات اليومية والأسبوعية والشهرية باللغتين العربية والإنجليزية. كما أدى فتح المجال للبث الخاص إلى نشوء عدد من محطات الراديو والتلفاز والفضائيات التي تتعاطى مع مختلف شرائح السكّان.
 
كما شهد تطور تكنولوجيا المعلومات في المملكة تحرير وخصخصة سوق الاتصالات وفتح أبواب الاستثمار أمام الشركات المتعددة الجنسيات، إضافة إلى دخول مجموعة من مقدمي خدمة الإنترنت. ووسط كل ذلك النشاط في الاتصالات والتكنولوجيا، أصبحت عمّان حاضنة لشركات البرمجيات والمشاريع الواعدة والرائدة في مجال الإنترنت حيث ولد جيل من المواهب الجديدة في تكنولوجيا المعلومات، أبدع في تقديم العديد من الخدمات العربية البارزة المعتمدة على خدمة شبكة الإنترنت على مستوى المنطقة.
 
الألفية الجديدة - الجزء الثالث
 
استقرار في محيط هائج، والبحث
 
عن الاستدامة
 
في عامي 2007 و 2008 عندما كان خبراء التخطيط في أمانة عمّان الكبرى يعملون على تقدير النمو السكّاني في مدينة عمّان كجزء من عملهم على المخطط الشمولي للمدينة، كانوا يتداولون رقماً افتراضياً يقدّر أن عدد سكّان عمّان سيبلغ 6 ملايين نسمة في عام 2020 . في حينها قوبل هذا الرقم بالاستهجان من البعض. لكن حجة المخططين كانت أن الأردن يعيش في منطقة قلقة ولا يمكن استبعاد سيناريوهات حدوث موجات لجوء مستقبلية إلى عمّان، ولذلك يجب أن تُأخذ مثل تلك الاحتمالات بالحسبان عند التخطيط للمستقبل.
 
وما هي إلا سنوات قليلة، وإذ بعمّان في موعد جديد مع قدرها: مدينة يلوذ بها من تهدمت أوطانهم. هذه المرة كان اللجوء من سوريا التي غرقت في حرب أهلية طاحِنة شرّدت الملايين من السوريين، لجأت نسبة كبيرة منهم إلى الأردن.
 
كان العمّانيون مع نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة يقولون أن 2,5 مليون إنسان يعيشون في مدينتهم. لكن التعداد السكّاني لعام 2016 أظهر أن عمّان بات يقطنها 4 ملايين نسمة. إنه رقم يظهر أن تقديرات المخططين لم تكن ضرباً من الخيال.
 
لم تكن الزيادة السكّانية التحدي الوحيد الذي واجهته عمّان مع انتهاء العقد الأول من الألفية الثالثة. فعمّان التي تحوّلت من قرية وادعة يسري فيها سيل صغير، إلى مدينة تقترب من العالمية، أصبحت مصالحها وأحوالها متشابكة مع ما يحدث في إقليمها والعالم بشكل كبير. جلبت الطفرة النفطية التي شهدها الخليج العربي في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين لعمّان مشاريع الاستثمار العقاري الكبيرة. في تلك الفترة سرت في المدينة روح التوسع والبناء من جهة، ولكن من جهة أخرى برزت أصوات من المجتمع الأردني العمّاني تُحذر من تأثير مشاري? الأبراج ومراكز التسوق وغيرها على هوية المدينة ناهيك عن ضغطها على البُنى التحتية وزيادة كثافة السيارات.
 
لكن الكثير من أحلام البناء السريع تبدّدت عندما دخل العالم أزمته الاقتصادية عام 2008 والتي أثرت بشكل واضح على قُدرة المستثمرين على إنجاز مشاريعهم أو حتى البدء فيها. ولأول مرة في تاريخها شهِدت عمّان وجود ورش بِناء ضخمة متوقفة أو بطيئة التقدّم. وفي أكثر من موقع لم يتبقى من حُلم المستثمرين أكثر من حُفر عميقة.
 
ومع أن الأزمة الاقتصادية العالمية أدت إلى تراجُع الاستثمار العقاري، إلا أن التوسع العمراني في عمّان استمر.
 
لقد امتدّ عُمران عمّان في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين شمالاً حيث بدأت البيوت والعمارات تتكاثر في مُحيط شارع الأردن مثل أحياء شفا بدران، وغرباً في أحياء مثل الكرسي ودابوق، وجنوباً في أحياء مرج الحمام والمقابلين واستمر التلاحُم المديني شرقاً مع مدينة الزرقاء. وأدى فتح طُرق جديدة، مثل الطريق الممتد من عبدون إلى حي الياسمين جنوباً وفتح مداخل جديدة من طريق المطار إلى قلب عمّان، إلى تغييرات مهمة في حركة المدينة سيكون لها تأثيرها على الامتداد العُمراني ونمو المدينة المستقبلي.
 
وفي أواسط العقد الثاني، بدأت منطقة العبدلي بالبروز بشكلها الجديد، بعدّة أبراج شاهقة و«بوليفارد» تجاري يُحاكي تجربة التسوق في المدن الأوروبية. ومع أن مشروع العبدلي لم يُستكمل بعد في أواسط العقد إلا أن منطقة العبدلي الجديدة قد غيرت أفق المدينة، كما أن شكل التخطيط العُمراني الصديق للمشاة داخل العبدلي وإقامة المهرجانات التجارية التجريبية (مثل سوق عيد الميلاد المجيد) يمكنهما أن يقدما بعض الدروس التي ستستفيد منها عمّان حضرياً.
 
عمرانياً، شهِدت عمّان أيضاً بعض التغيير في قلبها، قد يكون أبرزها إعادة تصميم ساحة المدرج الروماني والساحة الهاشمية، حيث أُزيلت الحديقة التي كانت أمام المدرج وتم استبدالها بساحة مرصوفة كبيرة، أما الساحة الهاشمية فقد تم إعادة تصميمها بمظلات وعناصر معمارية حديثة. وشهد شارع الملك فيصل ومحيطه تحسينات مهمة في الأرصفة في محاولة لاسترجاع الألق لوسط عمّان القديم.
 
أما على الطرف الشمالي الغربي من عمّان، فقد برز مسجد الملك الحسين بن طلال الذي بُني عام 2005 كمَعلم مِعماري مميّز على تلة تطل على حدائق الحسين والمكاتب الملكية الجديدة وأحياء دابوق وخلدا. هذا المسجد يُعتبر بمثابة مسجد الدولة الأردنية الثالث، بعد المسجد الحسيني في وسط عمّان ومسجد الملك عبدالله في العبدلي. وإذ كان المسجد الحسيني قد بُني بالطراز العثماني السائد في بداية القرن العشرين، ثم لحقه بعد ستة عقود مسجد الملك عبدالله بأسلوب معماري يغلب عليه التحديث، فقد جاء طراز مسجد الحسين بأسلوب يميل إلى العمارة الإسل?مية التقليدية، وتبدو مآذنه الأربعة ذات المسقط المربّع متأثرة بعمارة المغرب.
 
ولعلّ من أبرز أوجه التغيّر في عمّان العقد الثاني من الألفية الثالثة والرمز العمراني الأكثر دلالة على نمو العاصمة الأردنية وازدياد ارتباطها عالمياً هو مطار الملكة علياء الجديد. ففي عام 2013 دُشّن هذا المطار الجديد وأصبح لعمّان بوابة جوية غاية في الحداثة والتطور، تترك انطباعاً قوياً في كل من يقصد الأردن أو يغادر منه جواً. مطار الملكة علياء القديم خدم عمّان والأردن لمدة ثلاثين عاماً، لكنه ومع تسارع حركة السفر أضحى عاجزاً عن استيعاب أعداد المسافرين. ومع أن مباني المطار القديمة تم هدمها لتوسعة مباني المطار الجد?د، إلا أن الجديد بقِبابه الخرسانية الضخمة، وانفتاح مساحاته وروحه الحداثية وامكانيات توسّعه، فقد شكّل إضافة جريئة على معالِم عمّان العُمرانية ورمزاً يمثّل التطلّعات المستقبلية للعاصمة وركناً من أركان البنية التحتية الاقتصادية للمملكة.
 
التحدّيات الاقتصادية والاستثمارية في العقد الثاني لم تكن وحدها في السّاحة. فالمنطقة العربية دخلت في أكبر تحدّ شهِدته في العقود الماضية على وقع احتجاجات شعبيّة ضخمة لم تستثن أي بلد عربي بدءاً من تونس، وامتداداً إلى مصر وكل بلاد العرب. في عامي 2011 و 2012 كانت عمّان على أكثر من موعد مع التظاهرات السياسية والاجتماعية الكبيرة في ساحاتها وميادينها. ومع أن هذه الأحداث قد رفعت حِس التوتر عند العمّانيين الذين تعودوا على الحياة في مدينة آمنة مستقرة، إلا أن الحِكمة الأردنية لدى القيادة السياسية والشارع مكّنت الأردن ?عاصمته من المرور بأمان من تلك الفترة القلقة وظلّت المملكة ومدينتها الأكبر مثالاً واضحاً للاستقرار والأمْن والعيش المُشترك في محيط يموج بالعُنف والصراعات.
 
عمّان التي ستدخل العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين بما يُقارب الخمسة ملايين من السكّان، أصبحت أمام تحدّ جديد، ألا وهو تحدي النقل والحركة، وهو تحدّ تواجهه كل المدن المليونية ذات النمو السريع. يتذكر أهل عمّان، ممّن عاشوا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، مدينة يسهل فيها الانتقال بالسيارة بين أحياءها. لكن النمو المطّرد في أعداد السيارات مع دخول عمّان القرن الواحد والعشرين أدى إلى زيادة الاختناقات المرورية، وأصبحت أزمات السير سِمة يومية من حياة العمّانيين.
 
وقد انتبهت أمانة عمّان الكبرى إلى هذا التحدي وشرعت في وضع خطة للنقل العام الحديث عام 2009 ، كجزء من التخطيط المديني، لعلّ أبرز معالمها وضع نظام لباصات التردد السريع التي تسير على مسارب خاصة، والتي ارتأى خُبراء النقل في أمانة عمّان أنه الحل الأمثل لتمكين سكّانها من التنقل بسرعة عبر مناطق عمّان الشاسعة.
 
ومع أن المشروع تعطّل العمل فيه نتيجة لبعض الخلافات، إلا أن العمل على إنجازه قد استمر مجدداً في عام .2015 في نفس الوقت فإن عمّان واجهت تحديات كبيرة لإدامة وتطوير جوانب أخرى من بنيتها التحتية وبيئتها تحت ضغط الزيادة السُكّانية واتساع رُقعة المدينة في كُل الاتجاهات. فمشاريع تحسين شبكات الطُّرق وأنظمة تصريف المياه والأرصفة ومكافحة التلوث الهوائي أصبحت تلِح بشدة على أجندة إدارة المدينة في أمانة عمّان الكبرى، والتي بدأت في إجراء مسح وتوثيق شامل للبنية التحتية في عمّان لتحديد احتياجات المدينة في السنوات القادمة. ?
 
قضايا الطاقة والتلوث البيئي والتعامُل مع النفايات في مدينة قفزت إلى المليونية في غضون قرن من الزمان هي أيضاً من التحديات البارزة في عمّان. ولا شك أن العمّانيين وإدارة مدينتهم متمثلة في أمانة عمّان قد أصبحوا يدركون أن مفهوم الإدارة البيئية المستدامة أضحى حاجة حقيقية لا ترفاً فكرياً. أفكار البِناء البيئي الأخضر والطاقة المتجددة، والتوجه نحو استخدام السيارات الكهربائية دخلت قاموس العمّانيين وتُرجمت في مشاريع أمانة عمّان مثل مشروع إنتاج الطاقة الشمسية لتغذية مباني الأمانة وإنارة الشوارع، وإنشاء محطة لتوليد الط?قة من النفايات وغيرها من مشاريع الطاقة والبيئة.
 
نوعيّة الحياة في عمّان ومتنفّسات الترفيه فيها تحدّ آخر ماثِل في المدينة، فغياب المساحات الخضراء الكافية لأهل عمّان هو من المشاكل التي واجهها العمّانيون منذ عقود. حدائق الحسين والتي افتتحت في غرب عمّان في العقد الأول من الألفية، لحقها مشروع حديقة الملك عبدالله الثاني لتكون متنفسا للأحياء الشرقية لعمّان. وسواء أكُنّا نتحدث عن البنية التحتية أو النقل العام أو المتنفّسات الخضراء، فإنه من الواضح أن كل هذه المحاور ترتبط بمفهوم التخطيط المديني والحضري الشامل. عمّان، المدينة التي نمت بسرعة لتستوعب الملايين من ال?شر وسياراتهم ونشاطاتهم التجارية، شهِد مفهوم التخطيط الشامل فيها مداً وجزراً. لكن الوعي فيها يزداد بأن المدن القابلة للعيش والتي تزدهر الحياة فيها لا بُد من أن تُخطط استناداً لحاجات الناس، وأن تستشرف المستقبل، لا أن تستجيب فقط للتحديات الآنية.
 
لقد نمت الفجوة تخطيطياً وتنموياً بين أحياء شرق عمّان وغربها عبر العقود. رَدمُ هذه الهوّة كان جزءاً من توجُّهات مخطط عمّان الشمولي عام 2008 ، وفي العقد الثاني من الألفية أُعيد التأكيد على هذه القضية من خلال التوجيهات الملكية بضرورة الانتباه إلى تطوير شرق عمّان وتحسين نوعية الحياة فيها.
 
هوية عمّان استمرت بالتطور بالعقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. فمن ناحية أصبح الجيل الجديد من العمّانيين والذين كبروا في عهد العولمة والإعلام والتقنيات الشبكية يعيشون واقعاً مدينياً بعيداً كُل البُعد عن أجواء «القرية» أو «البلدة» أو حتى «المدينة الصغيرة» التي عاشها العمّانيون في القرن العشرين. شباب عمّان اليوم يرون أمامهم مدينة ضخمة، تقطعُها شوارع رئيسية كبيرة لا يتوقف السير فيها ليلاً ونهاراً. من الصعب أن يُحيط المرء بكل أحياء عمّان، ويتفاجأ أهل عمّان عند زيارة أصدقائهم أو أقاربهم في أحياء بعيدة عن مكا? سكنِهم بمدى التغيّر والتطور الذي يحدث في عمران المدينة وأسواقها وشوارعها، وأصبح استخدام الخرائط الإلكترونية والاستعانة بأسماء الشوارع وأرقام البنايات جُزءاً لا يتجزأ من الحياة العمّانية الحديثة. لكن الحنين إلى عمّان القديمة هو أيضاً من سِمات عمّان القرن الواحد والعشرين. فشارع الرينبو وغيره من شوارع جبل عمّان تستمر في جذب العمّانيين والسوّاح، كما بدأت شوارع جبل اللويبدة هي الأُخرى تنبض بروح جديدة تنعكس في العديد من المقاهي والمطاعم والمحلات الجديدة التي تنتشر في شارع الشريعة والباعونية وغيرها.
 
هذه الهوية الديناميكية للمدينة انعكست رسمياً في تبنّي أمانة عمّان الكبرى لشِعار جديد للمدينة عام 2008 كجُزء من الهوية الاتصالية لإدارة المدينة. هذا الشِّعار وما رافقه من عناصر تصميمية مثل خط عمّان الطباعي المستخدم في كتابة أسماء الشوارع ومنشورات الأمانة ويافطاتها، عكس هوية حيّة يافعة لعمّان، تحتفل بتِلالها وبيوتها المُطِلة على بعضها بعضاً والروح العمّانية العملية المبادِرة لأهالي عمّان عبر العقود.
 
وفي عام 2009 احتفلت عمّان بمرور مئة عام على تأسيس بلديتها التي تطوّرت إلى مؤسّسة أمانة عمّان الكبرى، وذلك بمسيرة المئوية الضخمة التي جابت شوارع وسط البلد، في احتفالية قلّ نظيرُها في عمّان، عكست التنوع العمّاني واحتفت بكل الحُقب التاريخية القديمة منها والحديثة التي مرّت على هذه المدينة.
 
عمّان، المكان والناس، تُرجمت أيضاً ثقافياً وفنياً بشكل مختلف مع مرور سنوات الألفية الجديدة. فمن غياب المكان العمّاني في الأدب، إلى بروزه في الروايات والسِّيَر، انتقل هذا المكان وأشخاصه إلى الأعمال السينمائية، أفلام مثل «لما ضحكت الموناليزا» و«كابتن أو برائد» كان مسرح الأحداث الرئيسي فيها شوارع وتِلال وبيوت عمّان. أما موسيقياً فقد ألهم المكان العمّاني وتفاعُلاته الاجتماعية الحضرية جيلاً من الموسيقيين العمّانيين، خاصة في اتجاه الموسيقى البديلة الصاعدة. رسمياً انعكس هذا الحِراك الثقافي باختيار عمّان من قِبل ا?يونسكو عام 2015 كواحدة من اثنتي عشرة مدينة ثقافية تعلُّمية في العالم، تقديراً لمشروع أمانة عمّان لتعزيز التنمية الثقافية بشَقَّيها المعرفي والسّلوكي في مجتمع المدينة.
 
أما اجتماعياً وسياسياً، فقد شهِدت عمّان نمواً في الوعي المديني والحوار حول مستقبلها الحضري. وتجسّد هذا الوعي الجديد بأشكال متعددة: من مبادرات إعادة اكتشاف المدينة سيراً على الأقدام أو دخول ثقافة رياضة الدراجات الهوائية إلى بعض أحيائها، مروراً بالعديد من الُمبادرات الشعبية التطوعية والخيرية والثقافية في شتّى المجالات، إلى نشوء حِراكات مدينية للمواطنين الراغبين في توسيع مشاركتهم في شؤون مدينتهم العامة.
 
النظرة الشاملة لأحوال عمّان في القرن الواحد والعشرين تضعنا أمام صورة تجتمع فيها مواضيع قديمة، لكنها دائمة التجدد، مثل قضايا اللجوء والنمو السكّاني السريع، مع مواضيع جديدة مثل الاستدامة البيئية والطاقة والمواصلات. ولعلَّ الكلمة المفتاحية اللازمة في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين هي «المرونة». وذلك اعترافاً بقُدرتِها على استيعاب الصدمات السُّكانية نعم، أثبتت عمّان وناسها أنها بروح المبادرة والتدبير قادرة على التكيّف مع المتغيرات. إلا أن تنامي التحديات على كافة الصُّعد يحتّم على العمّانيين الارتقاء بع?لهم المديني الجماعي، وتبنّي الخيارات التي تضمن استدامة وازدهار ونماء هذه المدينة الفريدة بقصّتها وتضاريسها.
 
الألفية الجديدة - الجزء الرابع
 
قرن ونيّف: عمّان التي بنيناها خلال رحلة المائة واثنان وعشورن عام ، نمت عمّان من مجرد قرية صغيرة الحجم وتحوّلت عبر الزمن إلى عاصمة حديثة تضم أكثر من ٤ ملايين نسمة. لقد فتحت هذه المدينة أبوابها للجميع. حملوا معهم قصصهم ومآسيهم وآمالهم وأحلامهم وإمكانياتهم ليصبّوها في بوتقة من الأفكار والثقافات واللهجات التي امتزجت مع بعضها لتخلق شيئاً جديداً. لقد جاء زمن عمّان: عاصمة شابّة في محيط عريق وأبواب مشرّعة للمستقبل. تراث من التنوع والتسامح. تلال حيّة تلهم الفكر والخيال. بيت نبدأ منه ونعود إليه.
 
المصدر: كتاب عمان حكاية الناس والتلال
 
انتاج ونشر أمانة عمان الكبرى
 
عمان.. مسيرة انجاز ترسخ المدينة العصرية
 
عمان - نسرين الكرد
 
يصادف اليوم الثاني من آذار يوم مدينة عمان، والذي اعتمدته الحكومة احتفالا بمئوية الدولة الأولى.
 
وقرر أمين عمان الكبرى الدكتور يوسف الشواربة، تعطيل الدوام الرسمي لموظفي أمانة عمان اليوم بمناسبة مئوية الدولة.
 
وتأتي هذه الاحتفالية ضمن احتفالات المملكة بمئويتها الأولى، ويوم المدينة بالثاني من آذار في كل عام، تخليدا لليوم الذي وصل به جلالة الملك عبدالله الأول طيب الله ثراه إلى عمان عام 1921 إيذانا بتأسيس الدولة الأردنية.
 
واحتفالا بيوم المدينة، ستنظم الأمانة فعاليات ونشاطات وتزيين الشوارع ومباني الأمانة بالأعلام وإضاءة منزل الملك طلال طيب الله ثراه ومبنى الأمانة الرئيس ومبانيها كافة وإضاءة جسر عبدون وجبل القلعة والمدرج الروماني وعدد من المواقع الأخرى.
 
كما ستوزع مناطق الأمانة من خلال أعضاء مجلسها ومديري المناطق وعمال الوطن الأعلام الأردنية ومطوية يوم المدينة على المواطنين في الشوارع مراعية جميع الاشتراطات الصحية.
 
وستشترك إذاعة «هوا عمان» مع الإذاعة الأردنية وعدد من الإذاعات ببث مشترك للحديث عن يوم المدينة ومئوية الدولة.
 
وهذه المناسبة تستدعي الوقوف على مسيرة العاصمة عمان منذ القرن الماضي وحتى يومنا هذا حيث حققت الكثير من الانجازات وشهدت تطورا ونهضة ملحوظة كانت الارادة السياسية متمثلة بدعم الهاشميين أكبر حافز ومحرك لهذا الازدهار والرقي الذي وصلت اليه.
 
وتسعى امانة عمان لتكون عمان مدينة مرنة، منظمة, عصرية، جاذبة, تعتز بتراثها وأصالتها من خلال تقديم خدمات بلدية متميزة تركز على البعد البيئي والصحي والتنظيمي والبنى التحتية مع المحافظة على هوية عمان والموروث الحضاري وتنمية المجتمع والإهتمام بالبعد الإنساني وذلك بالتخطيط والاستثمار الأمثل للموارد وبناء الشراكات مع المعنيين.
 
عمان العاصمة تطورت بشكل كبير من حيث البنية التحتية والعمرانية خاصة في مجال شبكات الطرق والمواصلات ودائما كانت سباقة في مواكبة ازدياد اعداد سكان العاصمة وما يرافقه من ضغوط على شبكات المواصلات والنقل.
 
وفي الاعوام الماضية ومع ازدياد سكان العاصمة وبروز مشكلة كبيرة وازمة المواصلات بادرت امانة عمان الى استئناف العمل في الباص السريع والذي يعتبر حلا مروريا ناجحا اذا ما احسن تنفيذه، وتشير التقديرات بان انتهاء مشروع الباص السريع سيكون بالتزامن مع احتفالات المملكة بمئوية الدولة وهو ما يعني انه سيكون مشروعا هاما في احتفالات المئوية.
 
وتؤكد امانة عمان ان انجاز الباص السريع سيكون في منتصف عام 2021 ووفق البرنامج المحدد له.
 
وتعول الامانة بشكل كبير على الباص السريع لحل الأزمات المرورية وتعمل حاليا مع ادارة السير على تنسيق تام عند اماكن تنفيذ التقاطعات والتحسينات المرورية لاختيار افضل التحويلات التي تخفف من حدة الازمات بأفضل صورة ممكنة.
 
وتسعى امانة عمان الى تطوير نظام نقل ومرور متكامل وعصري يلبي احتياجات سكان عمان وزائريها في الحركة والتنقل ويراعي الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية للمدينة وطبيعتها الجغرافية حيث يشكل الباص السريع عنصرا أساسياً من هذا النظام اضافة الى باص عمان الذي أطلقته الامانة مؤخرا ولاقى ردود فعل إيجابية بين المواطنين.
 
وعززت الامانة خدماتها في مجال تراخيص الابنية الكترونيا من خلال موقعها الالكتروني Amman.jo وتشمل مقترح بناء على ارض خالية، موافقة مبدئية، مخطط تعديلي، مقترح بناء فوق قائم، بناء قائم لاول مرة، وتراخيص زيادات، واصدار إذن اشغال باعتماد الوثيقة التي تصدر الكترونياً من خلال رمز (QR)، واصدار موافقات مبدئية لخلايا شمسية، كما اتاحة عمليات إصدار وتجديد رخص المهن الكترونيا، وتواصل العمل على نظام التفتيش الإلكتروني على المنشآت الاقتصادية.
 
وواصلت امانة عمان بالرغم من جائحة كورونا التي ما زالت تسود مختلف دول العالم العمل على اعمال البنية التحتية من توسيعات وفتوحات واعمال تعبيد وانشاء وصيانة شبكات تصريف مياه الامطار والتي تخصص لها سنويا 10 ملايين دينار حيث انجزت ضمن مشاريعها الاستراتيجية ٥٠ بالمئة من شبكة التصريف وسط البلد التي توقف العمل بها جراء اكتشاف موقع اثري ضمن مسار العبارة ؛ فضلا عن مشاريع وادي القمر ووادي الطي وقرب الدوار السابع ٠
 
كما تواصل أمانة عمان، ضمن إستراتيجيتها الزراعية تنفيذ خطتها لتخضير المدينة وتزيينها لإضافة البعد الجمالي وزيادة المساحات الخضراء، من خلال زراعة الميادين والشوارع والجزر الوسطية وقطع الأراضي الفارغة والمسطحات قرب الاشارات الضوئية ومداخل المدينة.‏
 
وتضمنت استراتيجية الأمانة الزراعية تأهيل وتطوير 70 حديقة و25 تقاطع و99 شارع داخل مدينة عمان، إضافة لتوفير المناطق الآمنة للأطفال في متنزهات عمان وغمدان ووادي القطار وإنشاء متنزهات جديدة في أطراف مدينة عمان، وإعادة تأهيل موقع مدينة الجبيهة الترويحية ليصبح متنزها على غرار حدائق الحسين وحدائق الملك عبدلله الثاني في منطقة المقابلين.