Friday 26th of February 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-Feb-2021

حكـاية مكان.. عمــــان.. التـــي أحببتهــا

 الدستور-نايف النوايسة

 
 كلما يرد اسمها على لسان شخص أيّا كان أتخيلها وأرسمها كوناً فريداً لا يشابهه كونٌ آخر..
 
أهي مثل المزار دفئاً أم مثل الكرك عظمة؟ بيد أن من يتحدث عنها يُريني إياها شيئاً آخر، لذلك حين واجهتني العقبة بسحرها وجبالها وبحرها سنة 1960 قلت هي مثل العقبة، غير أن والدي الذي لا ما يشغلني كان الفيصل في الأمر حين سألته عنها فقال: هي أكبر من المزار والكرك والعقبة.. عمان؛ لها جبالها الخاصة وأوديتها الملتفة حول خصرها.. هي مدينة مختلفة، انتظر يا بني قليلاً وستراها بأم عينك، وتسحرك بنكهتها حين تتجول فيها.
 
عمان.. هي بقعة الضوء التي تلاحقها عيناي منذ انفصلنا عن معمور العقبة وكانت تكبر كلما قطعنا مرحلة من الطريق.. وتتسع ابتسامتي حينذاك وتُطوّقني أحلامي العابثة مثل عرائس بحر العقبة المغناجة.. كان معظم الطريق الصحراوي آنذاك ترابياً، فتعامل معها سائق الشاحنة الخال أبو راتب بمهارة فائقة؛ فشاحنته التي تماهت مع هذه الطريق وحفظتها غيباً فرس عظيمة بصوتها الذي يبعثر صمت البيداء.
 
همس والدي بأذني: نحن على مقربة من أم الحيران وبعد قليل ستطل علينا عمان من كُوّة الأفق.. بقعة الضوء تكبر لتكون بحجم الفضاء أضواءً ساطعة بسطت أوشحتها على كتفي المساء.. عمان الآن تملأ عيني كحلاً وابتساماً.. قال أبو راتب: تريدان النزول في مصدار عيشة، هيّا وسنلتقي بعد غد إن شاء الله في سوق السكر.. قرص الخال العزيز خدي وهو يبتسم، ونزلنا من الشاحنة.
 
في جبل المريخ كان مبيتنا هذه الليلة عند أحد أقاربنا.. عمان هي حاضري وأحلامي.. كان والدي يراقبني ويلاحظ دهشتي فسكب في مسامعي الشيء الكثير من أبجديات معرفته العمّانية فعلِق في ذهني من مواقع هذه المدينة ما ظل مستقراً حتى الآن.. غلب علي النعاس فنمت، وبعد ساعات فاجأني الصباح بابتسامته الجميلة ففتحت عيني وقمت إذ وجدت والدي ينتظرني، وبعد إفطار مميز قذفنا البيت إلى الشارع..
 
كان المسير عبر منحدر المصدار إلى سوق الحلال في رأس العين مكان مبنى أمانة عمان الكبرى الحالي.. المكان واسع جداً.. قليل من الماء كان يسيل بين الحجارة الصغيرة التي تلمع في السيل، وقيل لي أن سمكاً صغيراً يُرى بين حين وآخر فحدّقت بالماء فلم أجد إلاّ بعض الكائنات السابحة غير السمك..
 
استولت على نظري جبالها العالية بعمارتها التي تراقبنا مثل نساء تزيّن بالكحل والعصائب الحمراء، وبعد ساعات توجهنا إلى وسط عمان من جوار مطحنة (السعودي) إلى شارع طلال حتى الجامع الحسيني وكان والدي يشرح لي عن كل مكان نمر منه؛ جسر الحمام الذي بُني فوق السيل ليصل ما بين الحمام وأول مرتفع وادي سرور، وسوق السكر وسوق اليمانية وشارع البلابسة وسوق الحميدية.. وقفنا عند أحد المصورين الذي اتخذ له مكاناً عند الباب الشرقي للجامع وقال والدي: سنذهب إلى حلاّق قريب من جسر الحمام على حافة السيل لأحلق شعرك وبعد ذلك نعود إلى المصوّر.. مررنا قرب (الكوبري) الذي يصل ما بين سوق السكر وجبل الجوفة وفتشنا على الحلاق ولم نجده، وانشغل والدي باستعراض البضائع المتناثرة التي سيختار منها شيئاً لدكاننا، ونسينا المصور حين جلسنا عند هذا التاجر وذاك،، اشترى والدي بضائع كثيرة وتركها عند التجار ريثما ينقلها غداً إلى شاحنة أبي راتب.. وتوجهنا إلى الزرقاء لزيارة إحدى عماتي هناك، وانتهى نهارنا حين عدنا مساء من الزرقاء إلى بيت قريبنا في جبل المريخ وقضينا الليل في سمر عماني ساحر..
 
في الصباح الباكر غذذنا السير إلى وسط عمان لنجمع البضاعة ونُحمّلها في الشاحنة ثم العودة إلى المزار عبر مأدبا وطريق الموجب.. كانت حلماً جميلاً تلك الزيارة، وما زلت أذكرها بفرح طاغٍ حتى الآن.
 
تواصلت زياراتي إلى عمان مع والدي إلى أن حططت عصا الترحال فيها لعقدين من الزمن بعد حصولي على وظيفة فيها.. تنقلتُ في هذين العقدين من جبل إلى جبل ومن حيّ إلى حيّ، ومثلما عشتُ فيها حياة العزوبية عشت حياة الزوجية إلى أن عُدت إلى المزار نهائياً..
 
ذاك ليلة، أحسست براحة لا تُوصف وأنا أبدأ حياتي هنا منفرداً في غرفة مستقلة في جبل المريخ بدلاً من دارنا الترابية الواسعة في المزار.. وما أجمل ذاك الصباح حين لامست أشعة الشمس وجهي من نافذة غرفتي المتواضعة.. كان نهاراً جميلاً وأنا أمشي بهمة عالية لأُباشر عملي في ديوان الموظفين (ديوان الخدمة المدنية حالياً) في مطلع نيسان 1967.. من جبل المريخ الذي أحببته ورأيته شامة جميلة على وجه عمان الجنوبي إلى جبل عمان مروراً بجبل النظيف ووسط البلد.. هذه رحلتي اليومية مع بعض الرفاق الذين يتوزعون على سيارات السرفيس كلٌّ إلى عمله..
 
لعمان شذىً خاص؛ زيزفون الشوارع الممتد من طلعة الحايك حتى الدوار الثالث ورائحة الجوري الجاذبة.. أنا مسكون بهذه المدينة لأنني معظم النهار لا أبرح قاعها إلاّ عند المساء، فتراني مرة في شارع وادي السير وأخرى في شارع السلط وتارة يأخذني شارع الهاشمي إلى جسر العسبلي عند المدرج الروماني الذي كان أشبه بالركام، أو استسلم لشارع طلال المتخم بالمشاهد والمفاجآت..
 
وعند الأوبة أدنو من سبيل الحوريات فيذهب الذهن إلى أزمان بعيدة وحقب تاريخية مديدة.. وكم أعشق هذه الكوبريات (العسبلي والجوفة وجسر الحمام).. أصبحت زيارتها واجباً كواجبات عملي في الديوان، ولم يمنعني ذلك من النزول إلى حواف السيل لرؤية البضائع المعروضة وبخاصة الكتب والمجلات، وقد التقطتُ الكثير منها لتكون أُولى موجودات مكتبتي.. كنت حينها نهِماً في المطالعة وولوعاً باقتناء الكتب، وإذا عضّني الجوع بنابه أجد في مطعم هاشم ما يُسكِت الأمعاء المتعاوية ويُهدِّئ انتفاضها.
 
وتنقّلت في السكن بعد ذلك؛ فمن جبل المريخ إلى أم الحيران ثم حي الطفايلة ثم جبل التاج وجبل الحسين بجوار مقام الفقير وإلى شارع المطران خلف سينما الرينبو، وبعد الزواج سكنت في طلوع المصدار بجوار مستشفى الهلال مقابل البيت الذي نمت فيه أول زيارة لي لعمان.
 
عمان معشوقتي منذ اليوم الأول، فقد رأيتها من النظرة الأولى طفلة بريئة تمشط شعرها على السيل وتجلس عند الجامع الحسيني تنتظر محبيها مثلي وتُمسّد على رؤوس المساكين والمجانين وتبتسم للحمّالين الذين حزّت الحبال رقابهم ورؤوسهم وظهورهم,, وتطلق حمامها فرحاً بصباحاتها الندية الخجولة.. عشقت أدراجها؛ كدرج الخلايلة ودرج سينما الكواكب ودرج جبل القلعة ودرج جبل الحسين ودرج شوباش ودرج الكلحة ودرج المحكمة الشرعية، ولأنني لم أكن أملك سيارة فقد كنت أختصر المسافات التي قد تطول إذا سلكت الشوارع بأن أصعد هذه الأدراج أو أنزلها، وفي زمن الشباب كنت أعد الدرجات ليساعدني العدّ على تحمّل التعب والمشقة، وكنت أنزل إلى غرفتي في المطران أربعين درجة، أي أنني أصعد وأنزل ثمانين درجة وإذا تعددت الروحات والجيئات يتجاوز العدد المئات..
 
هي مدينة الأدراج والجبال والأودية والواجهات التراثية والأسواق القديمة والأحياء المناطقية مثل (حي الطفايلة وحي المعانية وحي السوافنة وحي المصاروة وحي الأرمن وحي الدبايبة وحي المهاجرين).
 
قادني اهتمامي بالتراث وعملي في مؤسسات عملت فيها في جبال عمان إلى التعرف على بعض المباني التراثية كالتي يعرفها الكثيرون مثل جبال: اللويبدة وعمان والحسين والنظيف والأشرفية والتاج والجوفة وفي أحياء المهاجرين والمطران والمصاروة والشابسوغ والمحطة، فضلاً عن المباني التراثية في قاع المدينة مثل المدارس والكنائس والمقاهي كمقهى حمدان والمساجد كالمسجد الحسيني والمطاحن كمطحنتي ملحس والسعودي ومخفر المهاجرين وقد أُزيل بعضها لإتمام أعمال سقف السيل التي عايشت مراحل إنجازه من 1964 حتى 1969.
 
وكان للمكتبات في عمان سحرٌ خاص وقوة جذب مذهلة لواحد مثلي يعشق الكتاب ويسعى للحصول عليه مهما كان ثمنه؛ فوجدت في بسطات الكتب الموسمية على السيل بيئة مناسبة للحصول على كتب مفيدة وذات طبعات قديمة وبأسعار زهيدة، لكنني كنت أحرص على زيارة أكشاك الكتب التي اتخذت من بعض الدخلات وطناً لها مثل كشك المعايطة بجوار البنك الأهلي في شارع فيصل وهو الذي حمل فيما بعد اسم خزانة الجاحظ.. قد كنت من جلاّس صاحب هذا الكشك واستمع إليه بإنصات شديد وهو يشرح لي عن محتويات كل كتاب أو مجلة أريد شراءهما، ثم أصبحت وحسن أبو علي صاحب كشك المعرفة أصدقاء وعضواً في الحلقة الثقافية التي تنعقد عند كشكه من عديد من المثقفين.. وأمضي بعض الوقت في المكتبة الأموية لأبي رفعت التي كانت في مخزن صغير في شارع البلابسة وانتقلت فيما بعد إلى شارع طلال، وترددت على مكتبات: دنديس والأقصى والمحتسب والاستقلال والزيتونة في شارع المطران حيث أسكن، ومخزن للكتب في شارع المحكمة الشرعية.
 
إن أميز علاقة لي مع الكتاب توثقت في المكتبة العامة في مبنى أمانة العاصمة، فقد كنت عضواً دائماً وصديقاً وفياً لهذه المكتبة وقد وجدت في مديرها (فاروق معاذ) وبعض الموظفين من البشاشة والرضى ما ساعدنا على جلد المطالعة، كما كنت أقضي بعض الوقت في مكتبة جامع أبي درويش، وقد عرفت أبا درويش شخصياً وجالسته طويلاً وهو رجلٌ شركسي ودود اسمه (حسن شركس) كان قد نذر نفسه وما يملك لبناء هذا الجامع والقيام على خدمته بعد أن اختار الله تعالى له عدم الإنجاب، ويوجد قبره في إحدى زوايا الجامع..
 
وحين عملت في دائرة المكتبات (المكتبة الوطنية حالياً) وجدت فيها آلاف الكتب والمجلات والوثائق فانكببت على قراءة ما استطعت من هذا الكنز وبطريقة منهجية ورافق ذلك الاستمرار في كتابة معجمي (معجم أسماء الأدوات واللوازم في التراث العربي). جربت حظي في الكتابة على وجل سنة ???? بمقالة أرسلتها إلى صحيفة أسبوعية هي أخبار الأسبوع، وكانت غامرة حين وجدتها منشورة في أحد أعدادها.. شجعتني هذه التجربة على التعمق في القراءة والبحث ومتابعة كافة النشاطات الثقافية وبخاصة الأدبية.
 
وبعد صدور جريدة الرأي بسنوات بدأت مشوار الكتابة فيها بكثافة بالإضافة إلى النشر في صحف أخرى مثل اللواء والدستور والشعب والأخبار والأسواق والغد والعرب اليوم، فضلا عن الكتابة في المجلات المعروفة في عمان مثل أفكار والفنون اللتين كنت محررا لهما ذات سنة ومجلات التنمية وتايكي واليرموك التي عملت لها محرراً أيضاً ومجلتي عمان والشباب.
 
وفي هذه الآونة لم يفتني نشاط ثقافي في عمان إلا وحضرته بحكم عملي في وزارة الثقافة وعضويتي برابطة الكُتّاب الأردنيين..
 
عمان.. حورية جميلة تربعتْ على جبالها فهي حاضرة في ذهني دائما ولا تغيب.. عاصرتها طفلة بريئة كانت تبسط جدائلها على جبالها لتستقبل صباحات الدفء النَديّ وتنثر عبير جمالها على محبيها كل مساء..
 
فهل أوفيتها حقها من الحديث؟ لا والله، هناك تفاصيل كثيرة في دفاتر حبي لها، فبصماتها مندسة في ذاكرتي مع كل حجر وباب ورصيف وزاوية ومقهى ومطعم ووجه عماني تماهى معها وتلون بخصوصياتها.. ودعتها ذات يوم ولكنني عدت إليها على أجنحة النشاط الثقافي المتواصل..
 
عمان مدينة تنثر وردها من قلبها العامر بالحناء والبراءة والدفء..