Sunday 9th of August 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    08-Dec-2019

الاعتراف بالمستوطنات الإسرائيلية يؤذن بالانهيار النهائي لـ”باكس أميركانا”

 الغد-مايكل موران* – (فورين بوليسي) 22/11/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
بإعلان الولايات المتحدة أنها لا تعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية -وبالتالي تعترف بشكل من أشكال السيادة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة- لا تكون إدارة الرئيس دونالد ترامب قد قوّضت أكثر من 50 عاماً من السياسة الخارجية الأميركية فحسب، وإنما تكون قد قوّضت أيضاً أسس اعتراض الولايات المتحدة على استيلاء روسيا على الأراضي في شبه جزيرة القرم، وامتصاص الصين للتبت في الخمسينيات، ومخططاتها الحالية للسيطرة على بحر الصين الجنوبي، وأي تحرك مستقبلي قد تقوم به أي دولة لتوسيع حدودها إلى الأماكن التي يمكنهما أن تطرح حولها ذريعة تاريخية أو عرقية –حتى لو كانت واهية.
أما أن هذا الفصل الجديد يتناقض بكليته مع ميثاق الأمم المتحدة، الذي كانت الولايات المتحدة مؤلفاً مشاركاً له، فليس هذا مفاجئاً في هذه المرحلة: بالنسبة لترامب، قد تكون الأمم المتحدة مجرد ناطحة سحاب أخرى في مانهاتن، والتي ستبدو أفضل إذا كان اسمه مكتوباً على قمتها. أما بالنسبة لباقي العالم، فإن هذا القرار سوف يمثل الانهيار النهائي للسلام الأميركي، “باكس أميركانا”، الفكرة المفرطة في التبسيط -وإنما التي تظل صالحة- بأن القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية الأميركية ساعدت العالم على تجنب حرب عالمية ثالثة من خلال مزيج من الردع الانتقامي، والتدخل الانتقائي، وبناء المؤسسات الاقتصادية والدبلوماسية العالمية.
من المؤكد أن الولايات المتحدة لم تفعل الكثير منذ بداية القرن الحادي والعشرين لتعزيز إدعائها بأنها قوة لتثبيت الاستقرار. فقد أشعلت حربها المضللة في العراق، التي بدأت في العام 2003، ناراً ما تزال مشتعلة في المنطقة. وكاد إيمانها الأعمى بالأسواق المالية العالمية يتسبب في كساد يلف جميع أنحاء العالم في العام 2009، ومن المنطقي اتهامها -جزئياً على الأقل- عن ردة الفعل الشعبوية التي تلت ذلك. ويمكن تعقب خط مباشر من هذين الحدثين إلى خطاب “أميركا أولاً” الذي ينتهجه ترامب.
لكن قرار الاعتراف بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية يشكل مَعلماً مهماً في رحلة الانحدار المريب لما يشار إليها أحياناً بأنها “الأمة التي لا غنى عنها في العالم”. إنه يُظهر، بالنظر إلى المجموعة الصحيحة من الحوافز -في هذه الحالة، التخلي عن السعي المخلص للتوصل إلى تسوية عادلة، بتفضيل حليف، إسرائيل، التي تحظى بشعبية كبيرة لدى قاعدة ترامب- أن أي التزام أميركي بعد الحرب العالمية الثانية، سواء كان الدفاع عن أوروبا الغربية، أو نشر القوات في كوريا الجنوبية، أو اتفاقيات الحد من الأسلحة، يمكن نقضه والتنصل منه.
مثلما فعلت الإمبراطورية البريطانية في سنواتها الأخيرة، ربما يتعلم ترامب قريباً أن الابتعاد عن لعب دور صنع الاستقرار في النزاعات العالمية المعقدة هو تنازل عن النفوذ العالمي، والذي قد لا يعود أبداً. ومن خلال البحث عن ذرائع تسمح للولايات المتحدة بغسل يديها من هذه الصراعات، يترك ترامب المجال مفتوحاً لتقدم الجهات الفاعلة ذات المصالح الضيقة، وإنما الأوضح تعريفاً، مثلما تفعل روسيا وتركيا في سورية. هناك بالتأكيد حالات عندما كان التورط في المقام الأول خطأً: فيتنام في الستينيات؛ والعراق في العقد السابق. لكن التاريخ يشير إلى أن مثل هذه التحركات ستهدد الاستقرار العالمي الذي ما يزال حاسماً لازدهار الاقتصاد الأميركي، كما تعلم البريطانيون في أيرلندا في العام 1921، وجنوب إفريقيا في العام 1931، وشبه القارة الهندية في العام 1947، وفلسطين في العام 1949. وربما بدا الابتعاد عن هذه الأماكن ذكاء على المدى القصير، لكنه ضمن فقط أن تستمر الصراعات لعقود من الزمن بينما سعت الأطراف المتضررة إلى الانتقام.
 
* *
لعل الجزء المحزن أكثر ما يكون من تحول الولايات المتحدة الحالي إلى الداخل هو أن الولايات المتحدة ما تزال أكثر قوة، من الناحية النسبية، من الإمبراطورية البريطانية التي شرعت في التخلي عن ممتلكاتها الاستعمارية بشكل محموم بعد الحرب العالمية الثانية. في ذلك الحين، فقدت بريطانيا نصف مليون مواطن في الحرب، وقُصفت مدنها ومصانعها واستهدفتها الصواريخ الباليستية، وتحطمت اقتصادياً لدرجة أن الترشيد الغذائي للأسر البريطانية استمر حتى منتصف الخمسينيات. وفي مواجهة مثل هذه الظروف، قد تبدو التحركات المتسرعة مفهومة.
من المؤكد أن لدى الولايات المتحدة مشاكل اقتصادية، لكنها مشاكل في دولة متقدمة وغنية؛ وبشكل عام، يكون على مثل هذه الدول أن تتعامل مع كيفية توزيع الثروة وليس مع كيفية إنشائها. وفي خضم أطول توسع اقتصادي في تاريخها الحديث؛ حيث ما تزال شركات التكنولوجيا الأميركية تتفوق بمسافة على نظيراتها في العالم، فإن الإلحاح المفاجئ على الانفصال عن العالم وتعقيداته هو ذعر أيديولوجي أكثر من كونه قراراً اقتصادياً عقلانياً.
على نحو فريد بين الدول التي ارتقت إلى موقع مهيمن في العالم على مدار الألفية الماضية، أتيحت للولايات المتحدة الكثير من الفرص لإدارة الانتقال من لحظة أحادية القطب القصيرة التي استمتعت بها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى عالَم تسوده المنفعة المتبادلة والمدار بطريقة أفضل؛ حيث ستظل الولايات المتحدة الأولى بين نظراء متساوين. ومع ذلك، حتى الأزمة المالية في العام 2009، كان البلد في حالة إنكار إلى حد كبير حول الحاجة إلى مواجهة ديناميات العالم المتغيرة.
كانت إدارة الرئيس باراك أوباما، التي تولت السلطة في فترة إعصار 2009 الاقتصادي، تدور على رؤوس أصابعها حول تعريف السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فتحث الفرنسيين على تولي زمام المبادرة في التدخل في ليبيا، على سبيل المثال، والألمان على تشكيل رد فعل على غزو روسيا لأوكرانيا. لكن الأسئلة الأكبر تم تجاهلها، بما في ذلك كيفية دفع الصين والهند واليابان ودول أخرى إلى تحمل نصيب أكبر من التكاليف المالية والعسكرية التي تحملتها الولايات المتحدة تاريخياً. وتلقى إصلاح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمنح الدول الصاعدة صوتاً أكبر مجرد خدمة شفوية فحسب. لكن الكثير لم يتغير بهذا الصدد في نهاية المطاف. وفي علامة مشؤومة على ما سيجلبه هذا النوع من الدفاعية، أنشأت الصين نسختها الخاصة من صندوق النقد الدولي، البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.
منذ توليه المنصب، طالب ترامب، مثله مثل جميع الرؤساء الأميركيين الآخرين منذ الأربعينيات، بأن يبدأ أعضاء الناتو، إلى جانب كوريا الجنوبية واليابان وغيرهم، بتحمل حصتهم عندما يتعلق الأمر بالإنفاق الدفاعي. ولكن، وراء هذا الضغط يكمن إصرار جديد على الخروج من هذه الالتزامات في النهاية، مع إطلاق التهديدات بسحب القوات الأميركية من جانب واحد من أوروبا وكوريا الجنوبية واليابان إذا لم تتم تلبية مطالب الرئيس. ويمكن أن يكون هذا تكتيكاً تفاوضياً ماكراً عند شراء أرض لبناء فندق جديد. لكنه ليس كذللك عندما يتعلق الأمر بالشؤون العالمية.
* *
مهما تكن الكيفية التي ترى بها الإدارة الحالية دور الولايات المتحدة الأوسع في العالم، فإن على الولايات المتحدة التزاما خاصا بأن تكون مُنصِفة فيما يتعلق بإسرائيل والفلسطينيين. وكان النزاع بينهما، بطبيعة الحال، واحدة من العديد من الكوارث التي أوجدتها أوروبا في القرن الماضي، بشكل أساسي من قبل الإمبرياليين البريطانيين والفرنسيين في السنوات التي تلت الحرب العالمية الأولى، وسياسات الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. لكن الولايات المتحدة (وبدرجة أقل الاتحاد السوفياتي) هما اللتان لعبتا دور القابلة لولادة الدولة الإسرائيلية الجديدة في العام 1948. وقد سلمت بريطانيا بكل سرور “المشكلة الفلسطينية” إلى إدارة الرئيس هاري ترومان في العام 1948، مثلما كانت فرنسا ستسلم الرئيس دوايت أيزنهاور فوضاها في الهند الصينية بعد عقد من الزمان. ومن هناك فصاعداً، كانت التوترات الإسرائيلية-الفلسطينية مشكلة أميركية.
من العادل افتراض أن كل رئيس أميركي منذ ترومان كان مستعداً لإعادة المشكلة إلى أصحابها بكل سرور. والحقيقة هي أن الولايات المتحدة لم تبتعد عنها لمدة نصف قرن علاقة كبيرة بقوة التزام الدولة بإسرائيل، سواء كمشكلة عاطفية لها تأثير دائم على شرائح مختلفة من الناخبين الأميركيين، أو للقيمة العملية الأكبر لوجود إسرائيل كحليف في جوار صعب. لكن الطاقة المكرسة للتفاوض على تسوية مع الفلسطينيين، الذين كان من المفترض أن تكون لهم دولة إلى جانب إسرائيل في التسوية الأصلية التي توسط فيها ترومان، أظهرت أيضاً تصميماً أعمق من الحزبين على تحقيق العدالة. كان الفلسطينيون وحلفاؤهم العرب في كثير من الأحيان أسوأ أعداء أنفسهم في هذا الصراع الطويل. ولكن، عندما بدأ هذا يتغير في أواخر الثمانينيات، كانت الولايات المتحدة محقة في محاولة التوسط لحل دائم حقيقي.
تجدر الإشارة بعد كل شيء إلى أن الضفة الغربية كانت تحت حكم الأردن لمدة 19 عاماً قبل أن تحتلها إسرائيل في حرب العام 1967. وكانت وما تزال منطقة متنازعاً عليها. وقد تخلى الأردن عن مطالبته بهذه الأرض في العام 1988 ليس لأنه غير رأيه فجأة، وإنما لأن إدارة الرئيس رونالد ريغان ألزمت الولايات المتحدة بالعمل كوسيط نزيه في محادثات لاحقة ونهائية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
أدت أعوام من المفاوضات وراء الكواليس إلى اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993 بحق إسرائيل في الوجود، واقتربت عملية السلام في أوسلو، التي دفعتها إدارة الرئيس بيل كلينتون، بشكل مثير من تحقيق حل متفاوض عليه. لكن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية -والعنف اللاحق من عناصر مناهضة للسلام، بما في ذلك تفجيرات الحافلات التي قامت بها حماس، وعنف المستوطنين اليميني، بما في ذلك اغتيال شاهد توافقات أوسلو ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين- أدت في النهاية إلى قتل الصفقة.
مرة أخرى، يستحق الجانبان اللوم عن الفشل النهائي لعملية أوسلو في التوصل إلى اتفاق نهائي، وفي السنوات التي تلت انهيارها في العام 2000، أصبحت دبلوماسية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فاترة وتعوزها الحماسة في أحسن الأحوال، لأن القضايا الإقليمية الأخرى أخذت الأسبقية. لكن شيئاً لم يغير منذ ذلك الحين السؤال الأساسي: كيف ينبغي معاملة الفلسطينيين الذين نزحوا من أرضهم في ما كان فلسطين عندما ولدت الدولة الإسرائيلية؟
لا ينبغي أن يفاجئ قرار ترامب الخاص بالمستوطنات أحداً. إنه قرار معيب، مناهض للمؤسسة، وغير مؤلم على المدى القصير، وربما لن يضر بفرص إعادة انتخابه في العام 2020. لكنه يشكل سابقة فظيعة لقرارات الولايات المتحدة القادمة؛ حيث سيواجه الرؤساء المستقبليون خياراً بين البقاء منخرطين أو إدارة ظهورهم متمنين للمحليين حظاً طيباً. وفي عالم كهذا، ستكون الجسارة العدوانية القومية هي القوة الحاسمة. كانت الإمبراطورية الروسية هي التي احتلت شبه جزيرة القرم في عهد كاثرين العظيمة. وللصين خريطة بتسعة خطوط منقطة، مرسومة بعناية بقلم تعليم، والتي تثبت مطالبتها بالبحر الجنوبي للصين بأكمله. فمن هي الولايات المتحدة لتقول غير ذلك؟
*الرئيس التنفيذي لـ”ترانسفورماتيف”، وهي مؤسسة للمخاطر السياسية والمحتوى الاستراتيجي، ومؤلف كتاب: “الحساب: الموت، الديمقراطية، ومستقبل القوة الأميركية”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Recognizing Israeli Settlements Marks the Final Collapse of Pax Americana
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات