Wednesday 21st of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    07-Apr-2021

نور الحبشي ترصد وتحلل في أول كتاب أكاديمي (الحلقة الأولى)
 
الجذور التاريخية للعلاقات السياسية بين الكويت والولايات المتحدة الأميركية (1868 – 1991)
الجريدة الكويتية - حمزة عليان -
 

لما كانت العلاقات الكويتية – الأميركية واحدة من العلاقات الدولية المميزة على مستوى العالم، أقدمت أستاذة التاريخ في جامعة الكويت د. نور محمد الحبشي على التصدي لهذه المهمة، وطرقت باباً لم ينل حقه من البحث والدراسة.

ويتناول كتاب العلاقات الكويتية – الأميركية 1868 – 1991 الذي أصدرته الحبشي العلاقة بنواحيها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، منذ نشأتها، ومع البدايات الأولى للوجود الأميركي في منطقة الخليج العربي، مروراً بقدوم أول رحالة أميركي (لوشر) إلى الكويت عام 1868، وصولاً إلى سنة التحرير عام 1991 وعودة الشرعية إلى أصحابها.

تكتسب العلاقات المشتركة خصوصيتها ووضعها المختلف، وهو ما تشير إليه المؤلفة بكونه سبب تفردها وتميزها، رغم أن الأهداف والمصالح الذاتية لكل دولة كانت حاضرة وبقوة، والاختلاف يعود إلى كون الكويت قانونياً تحت الحماية البريطانية، وهذا ما تطلَّب من الأميركيين طريقة أخرى من الحضور على الساحة الخليجية بعيدة عن المعاهدات التي كانت بريطانيا تعمل وفقها.

الكتاب يؤكد أهمية الكويت، من خلال الصراع والمنافسة عليها، وأن الإنكليز كانوا يدركون تلك المكانة الجيوإستراتيجية والعمق الذي تشكله.

احتوى الكتاب على ستة فصول مع تمهيد ومقدمة وخاتمة وعدد من الملاحق، وقائمة بالمصادر والمراجع، وقد صدر حديثاً عن دار ذات السلاسل للنشر والطباعة.

الجذور التاريخية للعلاقات السياسية معروضة بالفصل التمهيدي، ثم الصراع البريطاني- الأميركي على نفط الكويت، والتطورات التي طرأت عليها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وما صاحبها من أحداث.

بعد ذلك بقية الفصول، بحيث خصَّصت الكاتبة لكل عقد من العقود مبحثاً خاصاً، كما في الفصل الخامس (1980 – 1989) فترة الثمانينيات والعلاقات في عهد الرئيس رونالد ريغن، حيث تفرَّد الأستاذ محمد جاسم الصقر، بصفته رئيس تحرير «القبس» حينئذٍ، بلقاء معه، شرح فيه رؤية الإدارة الأميركية للحرب العراقية – الإيرانية، وأزمة أفغانستان، والإطلالة على أمن الخليج العربي.

اختارت «الجريدة» بعض الفصول الواردة في الكتاب، لعرضها وإلقاء الضوء على مسار تلك العلاقات مع دولة عظمى، كان لها الدور الكبير والفاعل في المنطقة والعالم.

أعطى الكتاب صورة حقيقية عن نموذج من العلاقات الدولية الفريدة من نوعها، بين الولايات المتحدة و بلد صغير الحجم، لكنه كبير وناجح في فن سياسة التوازن والدبلوماسية.

حقيقة لابد من ذكرها بداية الأمر تتمثل في استثنائية العلاقات الكويتية – الأميركية، وتميزها عن أي علاقة دولية خاضتها الكويت قبل الاستقلال عام 1961م وبعده؛ كونها تتمتع بخصوصية، إذ يجب التأكيد على فكرة أن الكويت والولايات المتحدة الأميركية هما دولتان ذاتا سيادة، يدعم كلاً منهما ماضٍ عريقٌ وتاريخٌ غنيٌّ، رغم المسافات والتباعد الفكري الشاسع بين البلدين. وبحُكم العادات والتقاليد، فإن التباعد هذا ما لبث أن أخذ ينحصر باطراد نحو التقارب بفضل المصالح، ولغتها، فهي وحدها، ولا شيء غيرها، يمكنها تخطي الحدود وعبور القارات والزمان والمكان؛ لتعطي لنا صورة عن الانسجام، حيث كان الطرفان فيها بين شد وجذب، تغيَّر عبر مراحلها المشهد الدولي وميزان القوى، ليس في المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم، وبزغت شمس الولايات المتحدة الأميركية كأحد ثنائي القطبية الذي نتج عن الحرب العالمية الثانية.

تميَّزت العلاقات بين الكويت وواشنطن في بدايتها، إذ كانت مختلفة كثيراً بمراحلها، والأساس الذي بُنيت عليه، مما جعل لها عمقاً مميزاً امتد لسنوات تجلَّى في المواقف بين البلدين، إلا أن خصوصية البداية أعطتها بريقها، فكان الامتداد الذي ظل لسنوات طوال أساسه تلك البداية الفريدة بين المجتمع البسيط في الكويت، والقارة الأميركية، المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية.

ولعل الحديث عن الجذور التاريخية للعلاقة السياسية بين الكويت والولايات المتحدة الأميركية يعطينا تصوراً عاماً عن قِدم العلاقة بين البلدين، ونوعها، ومراحل تطورها التاريخي في سياق زمني واضح، ليكون الحديث عن بداية الوجود الأميركي في المنطقة، مروراً بوصول الرحالة الأميركي لوشر (Locher) عام 1868م للكويت، ومن بعده كان الشيخ خزعل، وكيف أثر على عودة الأميركيين إلى المشهد الكويتي، وأخيراً تاريخ الإرسالية الأميركية في الكويت، ومرض الشيخ أحمد الجابر عام 1942م.

بداية الوجود الأميركي

منذ أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كان اندفاع التجار الأميركيين نحو الشرق للحصول على نصيب لهم من التجارة الشرقية ذائعة الصيت، إذ أوصلهم هذا الأمر إلى موانئ إفريقيا الشرقية وبعض موانئ جنوب الجزيرة العربية. ويمكن القول إن الفضل في بداية الوجود الأميركي بمنطقة الخليج العربي يعود للتاجر الأميركي إدموند روبرتس (Edmund Roberts)، إذ كان صاحب الفضل في إنعاش التجارة بين الولايات المتحدة الأميركية ودولة السيد سعيد بن سلطان (1856 – 1806)، سلطان مسقط.

في الوقت ذاته أخذ التجار الأميركيون يضغطون على حكومتهم، لإقامة علاقات تجارية وقنصلية مع السيد سعيد، بعد أن تحققوا من وجود فرص بمجالات الربح في زنجبار والموانئ الأخرى. وقد تزامن ذلك مع تعيين إدموند روبرتس من قبل الرئيس الأميركي أندرو جاكسون (Andrew Jackson) مبعوثا خاصا لحكومة بلاده في الصين وسيام وسلطنة مسقط وعمان. وقد نجح التاجر الأميركي في عقد اتفاقية تجارية مع حاكم مسقط السيد سعيد بن سلطان في 21 ديسمبر 1833م، وقد رافق قبول سلطان مسقط هذه الاتفاقية عاملان مهمان:

العامل الأول: تعيين قناصل أميركيين في مسقط، وبجميع ممتلكات السلطان الأخرى من زنجبار وشرقي إفريقيا.

العامل الثاني: قبول العمليات التجارية الأميركية في الموانئ التابعة لسلطان مسقط.

وقد شكَّلت هذه المعاهدة بداية النشاط التجاري الأميركي في منطقة الخليج العربي، ولا شك في أن هذه المعاهدة أثارت قلق بريطانيا وحكومة الهند، حيث كانت حكومة الهند البريطانية تراقب باهتمام حركات السفن الأميركية في مسقط، لذلك لم تتردد الحكومة البريطانية في إرسال الكابتن هارت (H. Hart) قبطان السفينة إيموجين (Imogen) التابعة للأسطول الملكي البريطاني إلى زنجبار لتقييم طبيعة الاتصال الأميركي بالقارة هناك، ولعله أبلغ دليل على عدم ارتياح بريطانيا.

إلا أن الحرب الأهلية الأميركية (1861- 1865م) أوقفت النشاط التجاري الأميركي في منطقة الخليج العربي، ولم يعاود الظهور مرة أخرى في مياه الخليج إلا عام 1879 عندما قام القائد البحري روبرت ولسن شونلدت (Shuneldt) بزيارة شاملة إلى الخليج العربي شملت مسقط وموانئ الخليج الأخرى. أعقب تلك الزيارة قيام حكومة الولايات المتحدة الأميركية بتعيين قناصل ونواب قناصل في ولاية بغداد العثمانية، بعد أن كانت القنصلية البريطانية تتولى الإشراف على الرعايا الأميركيين في العراق بصفة غير رسمية.

نستطيع القول إن القوى الأوروبية، ولاسيما بريطانيا، كانت أكثر الدول هيمنة ووجودا في الخليج العربي عن طريق وجودها وسيطرتها على الهند، ووضع حكومة تنوب عن التاج الملكي البريطاني، أو عن طريق معاهدات توافقية مع حُكام ساحل الخليج العربي من مشيخات عربية. صحيح أن المعاهدة الأميركية – العمانية مع السيد سعيد كانت بسيطة مقارنة مع المعاهدات والاتفاقيات التي وقعتها بريطانيا، وفرضتها على مناطق الخليج العربي، إلا أن بريطانيا استاءت، ولم تكن متقبلة لفكرة وجود منافس محتمل لها هناك.

وصول لوشر إلى الكويت

جاء الاهتمام الأميركي بالكويت في فترة مبكرة جدا، إذ وصل الرحالة الأميركي لوشر عبر رحلة بحرية في ثمانينيات القرن التاسع عشر عبر قافلة قادمة من بومباي إلى القسطنطينية، فكانت البداية من مسقط إلى مدينة بوشهر الفارسية، وبعد ذلك كان اتجاه السفينة للكويت، وبذلك تُعد أول سفينة بخارية ترسو في ميناء الكويت، ويحل ضيفا على الحاكم الشيخ عبدالله بن صباح (الحاكم الخامس للكويت) وعُرف بـ «عبدالله الثاني»، الذي امتدت سنوات حكمه من 1866 – 1892م لمدة يوم وليلة واحدة، ليسجل مشاهداته عن الكويت، قبل أن تصبح تحت الحماية البريطانية، وقبل اكتشاف النفط، وحتى قبل وصول الإرسالية الأميركية إلى الكويت وافتتاح مقرها هناك.

وتبدو شهادة الرحالة لوشر مهمة جدا، إذ أشار لذلك في مذكراته حين وصف الكويت وسورها الذي يحيط بها، وأهم أعمال السكان من تجارة، والنشاط البحري من الغوص على اللؤلؤ، والإتيان بالبضائع من الهند، مثل: القماش والتوابل والسجاد، مقابل تجارة مع بدو الصحراء، التي تتضمن الصوف وجلود الأغنام والوبر والتمور. ذلك الاحتكاك الذي سجله لوشر في مذكراته يعطي تصوراً عن التنوع الذي كان بالكويت آنذاك، صحيح أنه في أكثر من موضع أكد في مذكراته على المناخ القاسي والجاف، لكون الكويت تقع بين البحر والصحراء، وأكد كرم الضيافة كصفة كويتية أخرى، إذ إن الشعب الكويتي مضياف يرحب بهؤلاء الضيوف غير المتوقعين، ووصف كيف رسا قائد السفينة على بُعد ميل ونصف الميل من المدينة، بسبب عدم معرفته بالمياه الساحلية، ومع ذلك – وفق وصفه- تجمَّع عدد كبير من الكويتيين اللطفاء والمتعطشين للاكتشاف، وتم أخذ الشيخ عبدالله الثاني، حاكم الكويت، في جولة تفقدية على متن السفينة، بعد أن تم إطلاق تحية من المدفعية الموجودة على سطحها، وبدوره قام الشيخ عبدالله بدعوة قائد السفينة والمسافرين، ضمنهم الرحالة لوشر، للنزول في الكويت، وقضاء تلك الليلة.

وبالفعل كان ذلك، وكانت اللحظة تلك هي التي وثقها لوشر في مذكراته، وأكدت انطباعات مختلفة سجلت من قبل أول رحالة أميركي، إضافة إلى أنها مصدر لكل الأميركيين الذين وصلوا إلى الكويت من بعده، إذ قال: «كانت المدينة مُحاطة بالأسوار، وتطل على الخليج، وتكلم عن الأسطول التجاري من سفن الداو»، واستضافهم حاكم الكويت الشيخ عبدالله بن صباح، وأقام مأدبة عشاء فاخر على شرفهم، حيث قدم العشاء على سجادات فارسية وأوانٍ فضية من صُنع أوروبي. وقد طلب الحاكم من قائد السفينة أن يجعل من الكويت ميناء منتظما للتوقف. وفي الصباح التالي انطلقت السفينة مرة أخرى، لكي تُكمل رحلتها أولا إلى البصرة، ثم إلى العاصمة العثمانية. وبتلك الرحلة يمكن اعتبار الرحالة الأميركي لوشر أول الأميركيين وصولا للكويت، وفي مرحلة مبكرة جدا، إذ تُعد أول زيارة مؤرخة لأحد الأميركيين.

عودة الأميركيين إلى المشهد الكويتي

يبدو أن المواطنين الأميركيين وصلوا للكويت كمبشرين، بعد زيارة الرحالة لوشر بسنوات، تمثل ذلك بكلٍّ من صمويل زويمر (S.Zewemer) وفريد بارني (F. Barny) في عامي 1900 و1903، وهما من رواد البعثة التبشيرية العربية Arabian Mission في منطقة الخليج العربي.

ولم تكن الكويت بعيدة بموقعها الجغرافي المميز على أن تتمتع بأهمية خاصة في رؤية الإرسالية الأميركية التي فتحت أبواب عملها التبشيري في عدد من المحطات، وعلى رأسها البحرين والبصرة، إذ ابتدأت الإرسالية الأميركية بافتتاح مكتبة «الكتاب المقدس» في الكويت عام 1903، إلا أن الشيخ مبارك الصباح (1896 – 1915) أمر بإغلاق المكتبة، لأنها فُتحت من دون إذنه، وطلب من زويمر وبارني مغادرة الكويت، الأمر الذي دفع زويمر إلى الاستنجاد بالوكيل السياسي البريطاني في الكويت نوكس (Knox) للسماح للإرسالية بإعادة فتح المكتبة، وممارسة نشاطهم التبشيري، إلا أن البريطانيين – كما يبدو- كانوا ينظرون إلى ذلك النشاط بعين الريبة والشك، خشية تأثيره على نفوذ بريطانيا ومصالحها في المنطقة، لهذا لم تثمر جهود زويمر أي نتائج لدى الإنكليز. ومن الجدير بالذكر أن النشاط التبشيري ذاك لقي معارضة من علماء الدين الكويتيين، وكانت أشد وأكثر تنظيما مما كانت عليه في مناطق الخليج العربي، لذا ارتأى هؤلاء العلماء تأسيس الجمعية الخيرية عام 1913م، حيث كانت مناهضة العمل التبشيري من أهم أهدافها. إلا أن رؤية الشيخ مبارك، حاكم الكويت آنذاك، أدت إلى استمرار عمل الإرسالية في الكويت، من منطلق حاجة الكويت الماسة للخدمات الصحية والتعليمية، على حد سواء، ويبدو أن العلاقات الجيدة التي ارتبط بها حكام الكويت مع أطباء الإرسالية فيما بعد قد ساهمت إلى حد كبير في استقرار العمل بالكويت لسنوات طويلة، وهذا ما ذكرته الطبيبة إليانور كالفري، الملقبة بـ»خاتون حليمة»، في كتابها الموسوم «كنت أول طبيبة عملت في الكويت»، إلا أن ذلك احتاج لعدة سنوات.

وبالعودة إلى موقع الكويت المتميز على رأس الخليج العربي، إذ كان ذلك يُعد أحد أهم الركائز التي جعلت من أفراد الإرسالية الأميركية يتوقون للحصول على إذن من حاكم الكويت آنذاك الشيخ مبارك الصباح لافتتاح فرع ومحطة لإرساليتهم فيها، ولتصبح إحدى أهم المحطات، كتب الدكتور بنيت (Bennit) يقول: «إننا نهدف إلى احتلال الأجزاء الداخلية من الجزيرة العربية، بأن نجعل من الساحل قاعدة لنا. إن موقع الكويت الاستراتيجي في نهاية الخط المزمع إقامته، ولكونها أحد أفضل موانئ الخليج العربي، يكسبها أهمية خاصة».

إلا أن الشيخ مبارك كان معارضا لفكرة وجود الإرسالية في الكويت بداية الأمر، لكن أثناء اجتماعه بالشيخ خزعل، صديقه الحميم أمير المحمرة – خرمشهر -، وكذلك صديقه الحميم الآخر سيد رجب النقيب من البصرة، كان الدكتور بينت رئيس الوحدة الطبية في البصرة معالجا للشيخ خزعل، وكان مصاباً بالسكري، وكان كل من الشيخ خزعل والسيد رجب يقدران الدكتور بينت، فعرف الشيخ خزعل الشيخ مبارك على الدكتور بينت، والتفت نحو الشيخ مبارك وقال: «هذا هو الرجل الذي يجب أن يكون عندكم في الكويت، إنكم تموتون دون أن يكون ذلك ضروريا. هذا الرجل يستطيع أن يجري عملية أو يعطي حبة وتتحسَّن صحة الجميع».

وكان حديث الشيخ خزعل صحيحا، إذ أكدت كل التقارير البريطانية والأميركية، على حد سواء، وجود أمراض كثيرة بين سكان أهل الكويت، وفي فترة لاحقة أكدت ذلك خاتون حليمة في كتابها الموسوم «كنت أول طبيبة في الكويت»، وأبرز هذه الأمراض: أمراض العيون كالرمد الحبيبي، والتراخوما، والماء الأبيض، وكان ذلك أحد أسباب فقدان البصر، وكان السل أيضا سببا في موت كثير من الناس، وكانت أمراض سوء التغذية، والأمراض المعوية (الجهاز الهضمي)، ويرجع سببها لتلوث الماء، وكانت هناك الأمراض التناسلية (الزهري)، الذي كان منتشراً بين سكان البادية والمدينة على حد سواء.

أما التهابات الأذن والأمراض الجلدية، فقد كان يُصاب بها الغواصون، وقد يتعرض بعضهم لفقدان حاسة السمع، نتيجة للضغط أثناء عملية الغوص، إضافة للروماتيزم الذي يصاب به الرجال والنساء على حد سواء.

وبالعودة للشيخ مبارك، فقد طلب من الدكتور بينت الذهاب إلى يخته لفحص إحدى بناته الصغيرات التي كانت تشكو من ألم في عينيها، إذ كانت تعاني انحرافا في الأهداب، حيث تتجه الأهداب إلى الداخل وتحتك بكرة العين، فأجرى لها الدكتور بينت العملية في الحال وفي المكان نفسه، وبناء على مذكرات الدكتور بينت أنه قام بعملية تصويب لعدسة العين، وقد تماثلت للشفاء، وسُر الشيخ مبارك بذلك.

وبعد هذا الموقف اتخذ الشيخ مبارك قرارا تاريخيا، بإقامة مستشفى للإرسالية في الكويت، وبعبارة أخرى إدخال الطب الحديث للمرة الأولى إلى الكويت، إلا أن الإرسالية تأخرت في تعيين طبيب دائم بالكويت، مما سبَّب الضيق للشيخ مبارك، وقرر عدم منحهم الأرض اللازمة إلا بعد قيام الإرسالية بتعيين الدكتور هاريسون (Harrison) ثم ماليري (Mylrea) كطبيبين دائمين.

الإرسالية الأميركية ومرض الشيخ أحمد الجابر عام 1942

عاصرت الإرسالية الأميركية أحداثا كثيرة وجمة في تاريخ الكويت الحديث، وكانت شاهد عيان على لحظات حاسمة، وإن لم تكن أحداثا سرية، فقد كانت مثار ترقب حثيث ومتابعة وملاحظة؛ أولا لأهمية الكويت كعمق استراتيجي، وثانيا لأنها كانت معاصرة للحدث، إذ تشير الوثائق البريطانية في سجلاتها إلى حرصها على نقل وقائع مرض الشيخ أحمد الجابر الصباح حاكم الكويت (1921 – 1950م)، وكيفية تعامل طبيب الإرسالية الأميركية في الكويت مع حالة الشيخ الصحية، إذ تلقى الدكتور سكدر (Scudaer) اتصالا من سكرتير الشيخ أحمد الجابر عزت جعفر في الرابع من أبريل عام 1942، إثر تعرض الشيخ لنوبة قلبية، علما بأنه تعرض في صباح ذلك اليوم نفسه إلى نوبة قلبية خفيفة، لكنه لم يعرها اهتماما. وقد قام – وفق ما تقدم – الدكتور سكدر بالفحص الطبي، وتوصل إلى أن الجلطة في الشريان التاجي لقلب الشيخ. وتم وضع تشخيص الدكتور سكدر التابع لمستشفى الإرسالية الأميركية على طاولة الوكيل السياسي البريطاني، الذي لم يتردد في الإبراق فيه إلى المقيم السياسي البريطاني بالخليج، شارحاً له تشخيص الدكتور سكدر للحالة، ومبينا أن الطبيب لم يبلغ المريض بمدى حرج حالته. وكان طبيب الإرسالية الأميركية الدكتور سكدر هو المشرف الرئيسي على علاج حاكم الكويت الشيخ أحمد الجابر.

لم تكن علاقة الشيخ أحمد الجابر بالإرسالية الأميركية فقط بسبب ما ألمّ به من عارض صحي، بل امتدت إلى ناحية صداقة ومعرفة، بدليل ما نقله الدكتور ماليري في حديث جرى بينه وبين الوكيل السياسي البريطاني بالكويت في 21 ديسمبر 1942م، ذكر أنه عائد للتو من اجتماع مع الشيخ ألحَّ من خلاله عليه للعودة إلى الكويت، واتخاذها موطنا له، مما يعني أن الإرسالية الأميركية في الكويت وثقت أحداثا كبيرة، وكان لها تعاون مع بريطانيا تفرضه لغة المصالح، إذ امتد ذلك طيلة أعوام كانت كفة ميزان الإرسالية الأميركية وكفة الوكيل السياسي البريطاني متساويتين، بناء على مصالح مشتركة يفرضها واقع الكويت، وما تشير له أعماق الكويت من ثروة نفطية هائلة، وما يطرأ على المشهد هناك من أي أحداث أو مواضيع.

ويبدو أن الشيخ أحمد الجابر، الذي حكم الكويت لأكثر من ثلاثة عقود، نجا بدوره من تجلط الدم لمدة ثماني سنوات، قبل أن يعاني نوبة قلبية ثانية قاتلة، وقد كان يحظى بمتابعة الدكتور سكدر الحثيثة له، وكان قد أوصى الشيخ وحاول إقناعه بالتغيير، والسفر إلى سورية مثلا. وقد التقت الرؤى بين الإنكليز والأميركيين في تداعيات مرض الشيخ أحمد الجابر، ويبدو ذلك دليلا على أهمية موقع الكويت، وقربها من ساحتي صراع الحرب العالمية الثانية، وبين أنصار المعسكرين، فقد كانت بريطانيا تعي أهمية الإمارة، لذلك كثفت الجهود وتعاونت مع مستشفى الإرسالية الأميركية، لاستباق أي مفاجأة غير متوقعة من وفاة الحاكم في ظرف عالمي متوتر، إلا أن حاكم الكويت الشيخ أحمد الجابر عاش بعد ذلك سنوات عديدة إلى أن وافته المنية عام 1950م، عن عُمر يناهز الخامسة والستين عاماً.

ويبدو من كل ما سبق أن الجذور التاريخية للعلاقات السياسية بين الكويت والولايات المتحدة كانت ذات طبيعة خاصة فرضتها ظروف معينة، إلا أننا نستنتج أن الأميركيين سعوا لإيجاد موطئ قدم لهم في الكويت منذ وقت مبكر، ونجحوا في ذلك، وقد كانت هذه العلاقة ذات عمق ودلالة، إضافة إلى أنها تُعد نوعاً جديداً من العلاقات بين الدول، فاللغة المستخدمة في العلاقات بين البلدين كانت مختلفة عن لغة بريطانيا، وأسلوب تعاملها في المنطقة، إذ كانت بعيدة عن صيغة المعاهدات والاتفاقيات، وأقصد هنا في الحالة الكويتية فقد جاءت طلائع الأميركيين حاملين معهم عاملين مهمين؛ عامل الطب والتعليم، ونجح أعضاء الإرسالية الأميركية، دون استثناء، في مد الجسور مع المجتمع الكويتي البسيط آنذاك من حاكم وشعب، وكان كل ذلك تحت مرأى ومسمع الإنكليز، الذين ظلوا يراقبون المشهد بحذر شديد، وإن استدعى في بعض الأوقات تدخلهم المباشر، إلا أن الحقيقة تتجلى في أن العلاقات الكويتية – الأميركية لم تكن لتبنى وتولد إلا في عهد حاكم من طراز الشيخ مبارك الصباح، الذي يمثل البداية الحقيقية للعلاقات بين البلدين، فكان خبيراً بالظروف المحيطة به، إضافة إلى ذكائه الحاد، الذي يُحسب له بتعامله مع الغرب، لا سيما بريطانيا، فقد استطاع أن يفرض واقعاً مميزاً، تمثل بوجود الإرسالية الأميركية في الكويت، ولعل قصة إنشاء الإرسالية الأميركية خير دليل على ذلك.