Thursday 22nd of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Oct-2020

براءة زرادشت من محاور نيتشه

 الدستور-عباس الحسيني

 ما أن يبحر المتتبع للفلسفة الكلاسيكية، حتى يكتشف السجال الأعظم، والذي بقي حديث النقاش والجدال لقرون، حين أقدم الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه على اعتماد مدخلات رائد الموحدين في الوجود زرادشت الفارسي، عنوانا لمبحثه القرائي - الاستنباطي: والذي عنونه بطريقة درامية: هكذا تحدث زرادشت.
وربما كان كتاب المازداربا أول كتاب في الاستغراق الفلسفي، الذي كتبه زرادشت خلال عزلة الـ 10 سنوات في الجبال ، مقدما أنموذجا صوفيا وروحيا في التطهير الذهني، إذ ترك الطعام والشراب، وألغى الحوار، في عزلة عن بني البشر، ثم عاد زرادشت من عزلته بكتابه الشيق عن الظلمة والنور وجدلية الثنائيات، والتي ربما تطورت بعد قرون لتصبح ذات المبدأ الذي يتحكم في منهج الدياليكتيك، ومعامل السيرورة، وهو ما جعل نيتشه يدشن عصرا جديدا، تميز بلذة قراءة النص المتعالي، ولأول مرة ضمن رؤيته ذات الملمح الاصطلاحي، والذي عمل نيتشه على جعله متدفقا في إصداره، هكذا تحدث زرادشت، حيث الحوار إلى الغابة والطبيعة مرة، وإلى الأرواح وعالم الإنسان، مرة أخرى، ومن ثم الذهاب إلى قلب المقدمات وإحياء ثوابت فلسفية، بدت وقتها غاية في الغرابة والإطناب وتداخل الاصطلاحات. لكن عشاق نيتشه من الألمان أنفسهم، دافعوا عن عنصرية نيتشه، وعن هوسه في تجاوز الذات الإنسانية، إلى قراءة فصل القوة والبقاء للأصلح في المصدر المعاد، من تجليات زرادشت المعلم، والذي تناهى، ربما مضببا إلى فهم زرادشت، فهو يذهب إلى أن الأقوياء والأذكياء في هذا الوجود، ذكورا كانوا أم إناثا، فان عليهم أن لا يتخالطوا ويتزوجوا من الأغبياء والضعاف fragile، والمتدنيين في التفكير الإنساني، وذلك للحفاظ على مجموعة بشرية من الخوارق supernatural، والأذكياء، وهو الإشكال العلمي، والأخلاقي، الذي وقع فيه نيتشه وكذلك المدافعون عنه، على حد سواء. فالصفات الوراثية الإنسانية تنتقل، وتتطور عبر عدة أسلاف، حتى أننا نلحظ أجيالا تولد بذكاء محدود، رغم عظم ذكاء أسلافهم، والعكس، واقع لا محال.
تجاوز محاور الخطيئة العنصرية racism لدى نيتشه جعلت من محبيه، كفيلسوف قومي، ويلون باللائمة على فهم أدولف هيتلر الذي طور نظرية صراع الأفذاذ unique العرقية العنصرية، إلى حقيقة عسكرية لإبادة قوميات متعددة، ممن حسب هيتلر أن بقائهم واختلاطهم مع العنصر الجرماني الفذ، الجميل الملامح والذكي، والضخم الجثة والمهيمن بشريا، والمنبثق من جذور عليا، حسب زعمه، والمسيطر، حواريا وفلسفيا على البيئة العظمى في أوروبا، هو نوع من الخطر الوراثي، genetic في أن يتماهى الفرد الألماني النقي الدم pure، مع دماء آخرين وصفهم بكلمات لا تليق بآدميتهم.
زرادشت الفارسي المفترى عليه، لم يكن إلا مفكرا كلاسيكيا بارعا، وقد استطاع تحويل أفكاره إلى كتاب نبي يعشق العزلة والتنظير. وكان من الشاهدين على عصر يعج بالسحر والشعوذة ومرافقة الجبال في بلاد فارس، حتى دخول الإسكندر المقدوني إلى بلاد زرادشت، وإطلاقها لمصطلح الميغوس Mighos - والتي ترجمت فيما بعد إلى مجوس، وكان تعني الساحر، أو الناشط في مجال السحر والتسخير، باللغة اليونانية القديمة.
100 عام وكتاب «هكذا تحدث زرادشت» هو الأهم في تقديم رؤية فلسفة محدثة الصفات، ونقل أن الجنود الألمان حملوه في الحرب العالمية الثانية، بديلا للإنجيل، للتأكيد على مبدأ التفوق الإنساني، الذي ضمنه كتاب نيتشه. فهل كان نيتشه مخادعا لشعبه ولاعبا ماكرا على أوتار العصبية القبلية والتثوير القومي؟ مع ان جذور نيتشه، كقارئ جيد للإنجيل، وحاضر بشغف في كاتدرائيات ألمانيا في صباه، وقراءته لأناشيد التقديس، توحي بعكس ذلك، إلا انه المثال الأخطر في تاريخ بناء الأخلاقيات وتقديم الفلسفات الإنسانية، وفي ضرورة حضور الضمير الإنساني في طروحات الخلق، والتذكر أن زرادشت الأول، أو النسخة المنقولة، نبيا كان أم متصوفا، فانه كان يقدم (اهورا مزدا)، اله النور الهرمزي، والذي أطلقت شركة مازدا اليابانية على سياراتها، كمدعاة تاريخية لانتصار النور، وكان تضمينا صوفيا من قبل زرادشت، الذي وجد منحوتات الأساطير تدل على جدلية حتمية في احتدام الصراع بين قوى الخير وقوى الشر بزعامة اهرمان.
حقق كتاب نيتشه شهرة عالمية، ويعتبر من أهم كتب الفلسفة في التاريخ الإنساني، وان انطوى على لغة غريبة، لم تعهدها كتب المتقدمين من المتفلسفين، من قبل حتى ظهور الجيل المتأخر، كابن سينا والفارابي والراوندي وابن رشد.