Friday 18th of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    04-Sep-2020

الكتابة في آخر النفق… فدوى الزياني تخادع النور بالكتابة

 القدس العربي-عبدالرحيم التدلاوي

ديوان «خدعة النور في آخر الممر» لفدوى الزياني صدر في طبعته الأولى سنة 2017 عن مطبعة سليكي أخوين، ويشتمل على عشرين نصا، ويمتد على مساحة نصية تقدر باثنتين وتسعين صفحة من القطع المتوسط.
يستوقفنا ديوان فدوى الزياني «خدعة النور في آخر الممر» لأمرين: طوله وتركيبه؛ فمن حيث الطول فهو يتألف من خمس كلمات، أربعة أسماء، وحرف جر واحد، في حين، تغيب الأفعال غيابا تاما، وكأننا سنواجه، في نصوصها، حالات مستقرة، يد الزمان بعيدة عنها، أي أنها لم تمسسها عوامل التغيير.
ومن حيث التركيب، فالعنوان جملة اسمية محذوفة ركن المبتدأ، وتقديره، هذه.
وشبه الجملة كان بغرض مزيد من التحديد، الذي يقود إلى الجملة المشهورة، الضوء في آخر النفق، بيد أن العنوان، وبهذا الشكل، يشير إلى فقدان الأمل، فلم يكن النور سوى خدعة، وأن الممر لم تفض نهايته إلى المبتغى/النور، بل كان دامسا، وأن الحركة باتجاه النهاية كانت عبثية، ولم تحمل معها ثمار النجاة.
يقدم العمل إهداء إلى المرأة، بمختلف تلويناتها، إذ هي الحياة، ومن دونها لن يكون هناك نور.
ويؤكد هذا المعنى النص الذي أتى بعد الإهداء مباشرة، فغياب الأم مرة أخرى صنع مرارة في الفم والقلب. لقد ترك غيابها فراغا في نفسها وفي العالم معا.
وتنمو المرارة بفعل طغيان الرجل، وعدم احترامه للأنثى التي داسها بقدميه، لكنها تمكنت من الانتقام بسرية فاعلة، فدمها المهراق صار أشواكا تدمي القدم؛ تلك القدم المتسلطة. الانتقام رد فعل عنيف تجاه عنف غير مبرر، لكنه مقبول في مجتمع ذكوري، ومن هنا، رجاحة الانتصار للمرأة، واستحقاقها الإهداء، أو لنقل، إنها، بفعل انسحاقها، تستحق إهداء يعلي من شأنها، ويعيد إليها الاعتبار؛ فقتلها لا يعني سوى الموت الشامل للكل. ولعل ما يلفت انتباه القارئ وهو ينتقل من نص إلى آخر، كم العنف الذي يسود قاموس القصائد، من ذلك، قول الشاعرة:
عود الند الذي أشعله أبي قبل الرحيل
غرزت بقاياه عميقا في عيني اليسرى
وعيني الأخرى.
وفي «وشم على كتف فراشة» نجد الشاعرة تربط وريدها بوريد الشعر والحزن، فهما إرثها الذي حصلت عليه في هذه الحياة، وما الحزن إلا جراء رفض الأب لها منذ ولادتها، أما الشعر فرضعته من ثدي نزار قباني، شاعر المرأة ما يشاع، الذي تعرفت عليه من خلال خالها، والخال صنو الأب، أو البديل المرتجى، يقوم بإيجاب بما لم يقم به الأب البيولوجي، إنه الأب النقيض. وتصر على أن تكون والقصيدة في جبة واحدة لا انفصام بينهما، تقول:
أنا آخر القصائد التي كتبتها امرأة أمية وخبأتها
ثم أشاعتها حزنا قبل أن تغادر..
والبين أن عنصر الحزن لا يني يحضر بين مسام كلماتها، وينضح غضبا وتمردا.
وليس غريبا أن يجتمع الأب والحزن في قصيدة واحدة كما في نص «لقد قتلت حبيبتي» وكأن الحبيب مضاعف للأب، يزيد من قهر المرأة بمزيد عنف يفضي إلى قتلها:
بعيدا عن صراخ أبي
بعيدا عن عصاه التي يهش بها
وتأتي الأم بصورة مناقضة لصورة الأب القاسي؛ إنها الأم الرؤوم التي علمت ابنتها:
أن أزرع حدائق حبق في زجاجة مربى فارغة
أن أصنع من وردة وحيدة
نبعا جاريا من ماء الورد.
صورتان متضادتان تعبران عن ميل للأم الطيبة، سليلة ماء الحياة، على حساب الأب الظالم. ويصير الحزن طافحا كما في قصيدة «ماذا تفعل الوحدة !فالعنوان ليس سؤالا بقدر ما هو استنكار، يعبر عن الملل والضجر المتجسدين في الوحدة، وحدة تلوك فيها وجعها، وتخفي فيه رغباتها كالحب الذي وسمته باللقيط لأنه محرم البوح به. وتصير أيامها ليلا أسود طويلا لا تملأه سوى بالكتب. والنص يرسم معالم أكوان النساء اللواتي حكم عليهن بالصمت، ودفن مشاعرهن، ويقدم طرق تصريف تلك المشاعر المكبوتة.
فكلما خاطت المرأة/الشاعرة جيوبا سرية للفرح على جسدها توعدتها الحياة بأنامل من زئبق… ولم تترك لها الحرب شيئا…ولا الحب أيضا.
ليس غريبا، والحالة هذه، أن تكون حياة الشاعرة/المرأة ثوبا مليئا بالثقوب، منها يفر الفرح، ومنها يدخل الحزن منتصرا.
القارئ لمجموعة فدوى الزياني سيخرج بانطباع مفاده تميز العمل بلغته الشعرية الجميلة، المشفوعة بسردها المنساب بهدوئه وصفائه الأخاذ، والأكيد أن العمل سيستحوذ على إعجاب القارئ، وسيطربه رغم كم الحزن القابع في ثناياه، ورغم قاموس العنف الذي يصوغه، إذ سيجد أنه عمل يطفح بالأمل، ويخفي بين طياته عشقه للحياة:
يا الله
أعطنا كفافنا من الحب
نغمس فيه أصابعنا المرة
ونكتمل.
وهو آخر نص في المجموعة.
 
٭ قاص من المغرب
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات