Sunday 15th of February 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    15-Feb-2026

غزة تُرسم من جديد: الثمانيني محمد زملط يحوّل الفقد إلى ذاكرة حيّة
الدستور - رنا حداد - 
 
تناولت مواقع التواصل الاجتماعي صور وقصة ثمانيني يجلس في مساحةٍ مؤقتة من قماشٍ مهترئ فوق رمال أحد مراكز الإيواء في مخيم البريج قطاع غزة، الرسّام الفلسطيني محمد عبد الكريم زملط، 80 عاماً، يتكىء على ورقةٍ شاحبة، يحاول أن يستخرج منها حياةً بألوان شحيحة وريشةٍ أنهكها طول الاستخدام. المكان ضيّق، والوقت أثقل من أن يُقاس، والهواء مشبع بأصوات لا تهدأ. الصمت الذي يحيط به ليس هدوءاً، بل فراغاً مشدود الأعصاب، تمزّقه بين حين وآخر هدير الطائرات في السماء، وأنين الأطفال في الخيام القريبة. بعيداً عن محترفه الذي تحوّل إلى ركام، يواصل زملط ما يراه مهمة شخصية في زمن الإبادة: أن يدوّن الألم بالرسم، حتى لا تضيع القصة في الضجيج، وتبقى حية تروى للمقيم والمار أيضا.  لم يكن زملط يوماً طارئاً على المشهد الفني في غزة، لكن موقعه اليوم مختلف، فهو لا يراقب المأساة من الخارج، بل يعيشها لحظة بلحظة. في الحرب، خسر ثلاثة من أبنائه، وفقد بيته ومعظم ما راكمه خلال سنوات طويلة من العمل. وحدها الريشة بقيت شاهدة بين أصابعه. لمن يقترب منه، يهمس بأن الرسم لم يعد خياراً، بل ضرورة للبقاء على قيد المعنى، ومحاولة أخيرة لترميم الداخل الذي بعثرته الإبادة.
 

أعماله في النزوح لا تُغري بالنظر الجميل. ملامح مرهقة، نظرات غائرة من شدّة التعب، نساء يضممن أطفالاً أنهكهم الجوع، طوابير انتظار للماء تمتد بلا نهاية، وسماء رمادية تخنق الأفق. يرسم الدخان والموت كما لو صارا جزءاً من المشهد اليومي، ويجعل البيوت المهدّمة تبدو كأجساد فقدت روحها. وفي كثير من الأحيان، يترك لوحاته بلا توقيع، كأنّه يردّ الوجوه إلى أصحابها الحقيقيين: الناس الذين عاشوا الكارثة.

بالنسبة إليه، الريشة تقول ما لا تقدر الكاميرا على حمله. العدسة تقتنص لحظة ثم تمضي، أمّا اللوحة فتُبقي الوجع حيّاً في الذاكرة. في كل خطّ، يودِع خسارةً جديدة، وفي كل ظلٍّ داكن يمرّر أسماء لا تُنطق: أبناؤه، وجيرانه، وأصدقاء اختفوا تحت الركام.

وبرغم الجوع، والنزوح، وثقل التفاصيل اليومية، يلتفّ حوله أطفال المخيّم يراقبون حركة يده بدهشة صامتة. أحياناً يناولهم ما بقي من ألوانه ليجرّبوا الرسم، كأنه يمنحهم لغةً أخرى للبوح حين تخونهم الكلمات، وطريقة مختلفة للصراخ بلا صوت.

يقول زملط في لقاءات لعلامية سلطت الضوء على فنه بل حالته التي تدرس،  إن ما يتعرّض له الناس لا يقتصر على تهديم الحجر، بل يستهدف كسر الروح أيضاً. لذلك يرى في الفن شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة؛ مقاومة لا تُطلق هتافاً، لكنها تترك أثراً. هنا تتحوّل الورقة إلى شاهد، والريشة إلى وثيقة، واللوحة إلى ذاكرة حيّة تذكّر العالم بأن في هذا المكان شعباً ما زال واقفاً، رغم كل ما فُرض عليه من خراب.