

أعماله في النزوح لا تُغري بالنظر الجميل. ملامح مرهقة، نظرات غائرة من شدّة التعب، نساء يضممن أطفالاً أنهكهم الجوع، طوابير انتظار للماء تمتد بلا نهاية، وسماء رمادية تخنق الأفق. يرسم الدخان والموت كما لو صارا جزءاً من المشهد اليومي، ويجعل البيوت المهدّمة تبدو كأجساد فقدت روحها. وفي كثير من الأحيان، يترك لوحاته بلا توقيع، كأنّه يردّ الوجوه إلى أصحابها الحقيقيين: الناس الذين عاشوا الكارثة.
بالنسبة إليه، الريشة تقول ما لا تقدر الكاميرا على حمله. العدسة تقتنص لحظة ثم تمضي، أمّا اللوحة فتُبقي الوجع حيّاً في الذاكرة. في كل خطّ، يودِع خسارةً جديدة، وفي كل ظلٍّ داكن يمرّر أسماء لا تُنطق: أبناؤه، وجيرانه، وأصدقاء اختفوا تحت الركام.
وبرغم الجوع، والنزوح، وثقل التفاصيل اليومية، يلتفّ حوله أطفال المخيّم يراقبون حركة يده بدهشة صامتة. أحياناً يناولهم ما بقي من ألوانه ليجرّبوا الرسم، كأنه يمنحهم لغةً أخرى للبوح حين تخونهم الكلمات، وطريقة مختلفة للصراخ بلا صوت.
يقول زملط في لقاءات لعلامية سلطت الضوء على فنه بل حالته التي تدرس، إن ما يتعرّض له الناس لا يقتصر على تهديم الحجر، بل يستهدف كسر الروح أيضاً. لذلك يرى في الفن شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة؛ مقاومة لا تُطلق هتافاً، لكنها تترك أثراً. هنا تتحوّل الورقة إلى شاهد، والريشة إلى وثيقة، واللوحة إلى ذاكرة حيّة تذكّر العالم بأن في هذا المكان شعباً ما زال واقفاً، رغم كل ما فُرض عليه من خراب.