Wednesday 21st of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    23-Mar-2021

مريد البرغوثي: القصيدة اللوحة

 القدس العربي-إبراهيم خليل

مريد البرغوثي ليس شاعرا فحسب، بل هو ناثرٌ أيضا، ففي كتابيه «رأيت رام الله» و»ولدت هناك.. ولدت هنا» شهادات كتبت في لحظات صدق شذّت عن السائد والمألوف، كشف فيها الشاعر عن الفساد والزيف، اللذين رآه رأي العين أثناء زياراته لفضاء السلطة الفلسطينية في عصرين؛ عصر عرفات، وعصر وريثه محمود عباس، وقد ظنَّ بعضهم «رأيت رام الله» رواية، وجرت دراستها في بحوثٍ وكتب على أنها رواية، وهي بريئة من هذا الاتهام المخلّ بالحقيقة، ففي أحسن الأحوال لا تعدو أن تكون شهادةً، أو شبه سيرة، كذلك كتابه الآخر، لا يعدو هذا التصنيف، ولا يتجاوزه. ومن عجيب الأمر أنّ أكاديمياً يعدُّهما في بحث قرأته له روايتين مُتخَيَّلتين. وهذا ينم عن أن بعض الأكاديميين من الأفضل أنْ يُلقوا بالدرجات العلمية التي ظفروا بها عن طريق الوساطة في أقرب سلة للمُهملات.
 
القصيدة القصيرة
 
ومريد البرغوثي الذي نَشر الكثير بعد ديوانه الأول «الطوفان وإعادة التكوين» 1972، يُعزى إليه السبق في ابتكار ما يعرف بالقصيدة القصيرة. وهي الشكل البنائي الذي ترسخ ظهوره وانتشاره بعد ديوانه «قصائد رصيف» 1980، أما ديوانه «ليلة مجنونة» 1996، فقد رسخ هذه القصيدة لا من حيث البناء، وإنما من حيث اعتماده الإشارة القائمة على المعنى الكثير في اللفظ القليل. وقد رأينا في الديوان نموذجا جديدا هو القصيدة التي تتضمن صورة شخص قد يكون إيجابيا خيِّرا في قصيدة، وسلبيا شريراً في أخرى. وكان هذا النهج قد ظهر في مجموعته الموسومة بعنوان «عندما نلتقي» (دار الكرمل ـ عمان 1992) فهو في هذا النوع من الأبنية الشعرية يتخذ سمت الرسام الذي يستعين بالألفاظ، بدلا من الألوان في تنفيذه للوحاتٍ تظهر فيها الوجوهُ والأشخاص، تنفيذاً لا تعوزه الخطوط، ولا الظلال. ففي واحدة من قصائده يرسم لنا صورة لأحد المسؤولين وهو يتهيأ للاتجاه نحو عمله، فيقوم بحلاقة ذقنه، وتشذيب شاربيه، ويرش كثيراً من العطر الفرنسي على وجهه الحليق، ويعدّل ربطة العنق أمام المرآة، مراعياً تناسب الألوان مع القميص الأبيض بياقته المنشّاة، ويتناول كأسا من الشاي بأناة، ثم يغادر مودّعاً زوجته وابنته الصغيرة. وهذه اللوحة التشكيلية الأبعاد تتضمن حركة إلى جانب سكونية المَشْهد، وتتضمَّن ما هو كامن وراء الصورة الظاهرة، وذلك واضح في التعليق الذي هو أقرب إلى المفارقة اللفظية منه إلى التوقيع الذي نراه عادة على الجداريات، وفي أعمال الفنانين:
رجل وسيمٌ متقنٌ في المقعد الخلفي
بعض شؤون منصبه
اقتيادُ العاشقين
من الغيوم الرائعات
إلى حبال المشنقة
 
البورتريه
 
في التعليق الأخير على الصورة التي رُسمت بدقة لفظية مدهشة يفاجئ الشاعرُ القارئ بإضاءَةٍ يلقي بها على الوجه الحقيقي لهذا المسؤول الأنيق، المتأنق، المتألق. فهو مسؤول، لكن مسؤوليته تقتصرُ على اقتياد الأبرياء لحبال المشانق.. فأيُّ أنيق هذا وأي مسؤول؟ وبهذه السخرية تتمثل المفارقة في قصيدة سميناها سابقا قصيدة البورتريه («معالم الشعر الحديث في فلسطين والأردن» ـ عمان ـ دار مجدلاوي 2006) لأنَّ في كل قصيدة من قصائد «عندما نلتقي» وجهاً من الوجوه، أو نموذجا يتأنى البرغوثي في رسم ملامحه، وتحديد قسماته، فها هو في قصيدة أخرى يقدم لنا وجهين لامرأتين، واحدة بملامح بورجوازية وأخرى بملامح المكافحة، ولا يفوتنا أن نلاحظ ما في القصيدة من الإيجازالشديد، والتكثيف اللافت:
سيدة تعرف كل محلات الفضة في باريس
وتشكو
وسيدة تبكي كلَّ خميس
في خمس مقابر
وتكابر
وإذا نحن نحَّيْنا جانباً الصنعة الشعرية الماثلة في تكرار الروي باريس وخميس، ومقابر وتكابر، والتجنيس في خميس وخمس، وشبه الترادف في تشكو وتبكي، فإنَّ الذي يبعث على الإحساس بجمالية هذه القصيدة ـ على قصرها – هو أن النموذجين ضدان. وهذا التضاد يضفي بلا ريب على النص شيئا من الألق، الذي لا نجده إلا في مثل هذا السياق، وقديما قالوا «والضدُّ يُظْهرُ حسنه الضِدُّ». وفي نص آخر من هذا القبيل يَعْجب الدارس من تلك الصورة التي رسمها لفتاة لها حضورها المتكرّر في الإعلاميات المسموعة، والمقروءة، والمنظورة، وهي التي تشارك الفتيان ثورة الحجارة. فهي، في ما أنجزهُ من رسمها، تحتل حيزاً كبيراً في مساحة النص الشعري، وفي أداءٍ يقترب من السرد الذي لا يخلو من بعض الوصف، على الرغم من قِصَر القصيدة، وكثافة الصورة. والعلامة الفارقة فيها تلك الخاتمة التي تقرع طبول المَجْد مبشّرَةً بالنصر على الغزاة الاحتلاليين:
الفتاة التي حذروها من الضحكة الصاخبة
والتي علموها الرضا بالمتاح
واعتياد الندمْ
سترتها المتاريسُ عن أعيُن الجند
لكنها.. فضحَتْ نفسها بالعلم
 
أقنعة الألفاظ
 
تستوقفُنا في الشاهد كلمة البرغوثي (فضَحَت) فهي لفظٌة لا تُستخدم إلا في سياق العيب، وقد يكون استعمالا مذموماً، غير أن الشاعر بقولة (بالعلَم) حرَّر هذه الكلمة من معناها المتداول، كاشفا عن قناع الدالّ فيها، فقد عهد إليها بالدلالة على معنى خاصّ، ومدلول شعري، هو التحدي، بل المجاهرة بالتصدي للغزاة المُحتلين، فعلى الرغم من أن الفتيان يدارون أنفسهم بالمتاريس، وهي تستطيع أن تفعل ما يفعلونه بما أنَّ ذلك متاح، لكنها تكشفُ، برَفْعها العَلَمَ، عن وجودها خلف المِتْراس. وهذا المثال يلقي الضوء على نهج الشاعر في الاستعمال الشعري لمفردات اللغة، في قصيدة نسجها البرغوثي من خيوط الواقع الحياتي اليومي للفلسطينيين، إبان ثورة الحجارة، أو قبلها، لتحافظ على جمرة المقاومة، وحرارة الثورة، في الوقت الذي تحافظ فيه أيضا على جماليات النصّ الشعري، الذي يقول ما لا يُقال.
 
ساعي البريد
 
والبرغوثي لا يقتصرُ في قصائدهِ هذه على النماذج العُليا من مسؤولين، أو ثائرين، لكنه لا يتأبّى الهبوط بشعره الرفيع لنموذج بسيط ينتمي للهامش، لا للمتن الاجتماعي. ففي قصيدة بعنوان «ساعي البريد» نجد الأسى والشجن يتجليان في صورة هذا الإنسان، الذي لا يفتأ يطوف، ويدور، حاملا إلى الناس أخباراً قد تسرُّهم حينا، وقد تزعجهم حيناً آخر. أما هو ـ نفسه – فلا يجد من يُرسل له خبراً:
الرسائل في جعبتي
والعناوين مطموسة
لست أدري لمن سأوصلها
ثم لا باب ينتظر الآن دقات قلبي
ولا أحدٌ يرتجي خطوتي
غير أني (أشيل) على كتفي جعبتي
وأواصلُ هذا الطواف
تذكرنا هذه القصيدة بأخرى عن (الكواء) نظمها في القرن الماضي فيلسوف العربية والشعر عباس محمود العقاد، لافتا النظر لمسؤولية الشعر عن الناس العاديين، والبسطاء المهمَّشين. فالشعر في رأيه ينبغي له – ما دام يخاطب الناس أجمعين – أن لا تقتصر نماذجه على النابهين، أو على عِلْيةِ القوم، والأعيان. وقد لفتت قصيدته تلك الكثير من ذوي البصر في الشعر، فانقسموا على فريقين؛ فريق لم ترُقْ له، وفريق رأى فيها فتحاً جديداً، ونهجا رائداً (شوقي ضيف، مع العقاد، ط1، القاهرة، دار المعارف) وقد نظم العقاد قصيدة أخرى عن ساعي البريد، ونُشرت في ديوانه بهذا العنوان، وفيها يقول:
هل ثمّ من جديد
يا ساعيَ البريد
لو لم يكن خطابي
في ذلك الوطاب
لم تطْو كلَّ بابِ
يا ساعي البريد
ومن يوازنْ قصيدة العقاد – وهي طويلة – بقصيدة البرغوثي، يقفْ على حقيقة مهمَّة، وهي أن العقاد لم يكن شاعراً، لا بالقوة الكامنة، ولا بالفاعلية المُتَجسِّدة، التي تنم على صدق الحساسية الشعرية، ورهافة الشعور الإنساني. فأي شعرية تلك التي نجدها في استعماله كلمة الوطاب، التي يعني بها الحقيبة؟ ثم ما هذا الوزن؟ وما هذه القوافي المتباينة الروي؟ وما هذا الإيقاع الذي يشبه أغاني الأطفال؟ أما قصيدة البرغوثي، فتشير لما في الشعر الحديث من عفوية لافتة عن طريق تصويره لهذا النموذج، وانفعالاته وشعورهِ بالإحباط، فالعقاد اكتفى بالوصف الخارجي، أما البرغوثي فيقدم لنا صوراً لما يمورُ في النفس من مشاعر، وإحساسات، ولهذا لا تخلو القصيدة من جماليات النظم، ولاسيما تلك التي نجدها في استعماله الجريء لكلمة (أشيلُ) العامية بما تعنيه من دلالةٍ على ثقل المهمة التي يضطلع بها هذا الإنسان.
تمْييز الغث من السمين
والواقع أن هذا المقام لا يسمح
بمزيد من الاستطراد في بيان الجوانب الإبداعية المبتكرة في شعر مريد البرغوثي القصيرة، وغير القصيرة، والتي تتصف بالبورتريه وبغيره، سواء ما جاء منها في «ليلة مجنونة» أو في «منطق الكائنات» أو في «عندما نلتقي». وحسبنا القول: إننا مضطرون في هذه الحقبة التي طغت فيها فوضى المعايير النقدية، واختلط حابل الشعر بنابله، ومحتاجون، للعودة إلى هذا المستوى الفائق من الشعر، لدراسته، وتحليله، وتعريف الأجيال به، وبما فيه من أصالةٍ، ومن ابْتكار، في المستويين الأسلوبي، والدلالي، لأن تذوُّق الشعر الرصين، المتين، جسرٌ لا بدّ من عبوره لاكتساب مهارَة التفريق بيْن الغثّ من الشعر وَالسمين.
 
ناقد وأكاديمي من الأردن