Thursday 16th of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    05-Jun-2020

«هديل سيدة حرة».. سيرة روائية غيرية لامرأة مستحيلة

 القدس العربي-ابراهيم الحجري

يُرهن الروائي المغربي البشير الدامون مادة تاريخية تتعلق بامرأة معروفة في تاريخ المغرب الأقصى الوسيطي، وما يروج عنها من أخبار وسياقات سياسية واجتماعية إبان لحظة مفصلية من تاريخ المغرب، والعالم العربي والإسلامي برمته، وهو السياق الذي لم يغب لحظة عن الإشكالات المطروحة للنقاش إلى الآن، ما دامت تبعاته مستمرة في التاريخ، ولم يوجد لها حل جذري.
لقد ظهرت هذه المرأة المستحيلة في سياق الترحيل القسري الذي ارتكبه المسيحيون في حق سكان مدينة غرناطة، الذين عاشوا قرونا من الزمن هناك، ومطاردتهم إلى المناطق التي هربوا إليها في العدوة المغربية، في ظل تدهور الحكم السعدي، وعدم قدرته على حماية الثغور، فضلا عن سيادة الصراعات الداخلية حول السلطة بين أفراد الأسرة الحاكمة، واستغلال البلاط العثماني هذا التذبذب لمناوشة المغرب، من خلال أراضي الجارة الجزائر، كما أن الفتوحات الجغرافية كانت على أشدها.
لقد أسالت قضية الموريسكيين الكثير من المداد، خاصة على مستوى السرد الروائي. فنحن نستحضر كثيرا من الروايات التي تناولت هذا الموضوع: رواية «ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور، «الحديقة الأندلسية» لمحمد عز الدين التازي، «الموريسكي» لحسن أوريد، «الموريسكي الأخير» لصبحي موسى، «البيت الأندلسي» لواسيني الأعرج، «البشرات، النبضة الأندلسية الأخيرة» لإبراهيم أحمد عيسى… وغيرها. لكن، مع ذلك، تظل للقضية راهنيتها المشروعة التي تتجدد بتجدد المآسي الإنسانية في الزمان والمكان، وكأن التاريخ يعيد نفسه. لم يستلهم الروائي البشير الدامون هذا السياق التاريخي ليذكر القارئ به، بل ليعيد قراءة الواقع، في ضوء توارد المشاهد التاريخية القاتمة التي عرفتها الإنسانية، واستمرت مثل ندوب، ما تفتأ تتعطن بين لحظة تاريخية وأخرى، وكأن ما يحدث حاليا مجرد حافز لتتكلم جروح الإنسان المتعفنة كلها دفعة واحد.
تُنكئ مأساة هديل، السيدة الحرة، الموريسكية الأصل، المغربية المنشأ، جروحا غائرة عاشتها الإنسانية، وطواها الزمن بين دفتيه، وأومأ إليها التاريخ على استحياء، أو تجاهلها لتقبر نهائيا، لكن الرواية تعيد إليها الحياة، تجعلها متأبية على السهو، متخطية حدود الزمن، طرية كما لو حدثت البارحة، تسردها، بتفصيل ذابح، لتشهد الإنسان على فظاعة ما يرتكبه في حق نفسه، وفي حق أخيه، وفي حق حضارته التي تأسست حجرا تلو الحجر. يقول الراوي على لسان هديل، الشخصية الرئيسة في الرواية: «أرسلنا الجرحى والنساء إلى القصبة مع مجموعة من الجند. الحرب تجعل أسوأ ما في البشر من خبث وشر يطفو. مرافقنا القائد ابن أدريس أمر بجز رؤوس قطاع الطرق وحملها على الرماح. كانت مسيرتنا والرؤوس على الرماح تنبعث منها روائح زنخة رغم الملح والشمع والحناء وحجر الشب التي حنطت بها الرؤوس. كنا نجر أنفسنا جرا والغرانيق ما فارقت أصواتها أذني».
 
التخيل التاريخي
 
أستلهمُ مفهوم «التخيل التاريخي» من الناقد العراقي عبد الله إبراهيم، باعتباره توصيفا ينطبق على العمل الإبداعي الذي قام به البشير الدامون، وهو يعيد عجن مادة تاريخية أوردتها المصادر التاريخية متفرقة، وملء بياضاتها، لتشيد عالما حكائيا منسجما، خاصة أن هذه المادة لم تتفق على طبيعتها المرجعيات، إذ هناك توصيف متضارب، وأخبار مفارقة. فأول ما حرص عليه الروائي، هو استعراض المادة، والاطلاع عليه في مظانها الأصلية، التي لا تنحصر في المصادر المكتوبة، بل تجاوزت ذلك إلى المتداول الشعري والشفوي، وبعد ذلك، تمت تصفية أخبار الحكاية المراد الاشتغال عليها، وهي، بشكل عام، متعلقة بحالة شمال افريقيا والجزيرة الإيبيرية، التي عرفت كثيرا من الصراعات في هذه الفترة، خاصة المتعلقة بحالة الموريسكيين المطرودين من بلادهم، ولجوئهم إلى البلدان المجاورة، وما طالهم فيها من مآس ومصائب، وحكاية مخصوصة جدا هي حكاية هديل، المرأة المتعددة، المغربية، العربية، الافريقية، الأوروبية، الإسبانية، المسيحية، المسلمة… المرأة التي تجمع فيها ما تفرق في غيرها، قوة، جمالا، سماحة، جودا، دهاء، كرما، وفاء…
 
يمثل المسرود الروائي، في «هديل سيدة حرة»، سيرة روائية لأميرة اضطرت لخوض حروب شرسة لا ترحم من أجل البقاء، وحفظا لأهلها وعشيرتها، وهي في كل معاركها، ظلت تُحكم القيم الإنسانية، على الرغم من تنصل الخصوم، الذين هم، في الغالب، أهل وإخوة في العقيدة والانتماء للأرض، من كل أخلاقيات الحرب
 
وعقب ذلك كله، رتبت التفاصيل، وهندست الأمكنة، وعوالم الصراع، وانتقيت الأسامي والمواقيت، ثم أطلق العنان للمخيلة الإبداعية، كي ترمم التصدعات التي تعتري المادة الخبرية، وتملأ بياضاتها، لتصبح هذه المادة تخيلا تاريخيا لا يجري عليه مجرى الصدقية التاريخية.
تدافع الرواية عن حق الإنسان في الكرامة والتملك وحفظ الهوية، وتنبذ التعصب والعنف مهما تعددت الدوافع، داعية إلى التعايش والتسامح بين الأديان والعقائد ما دام المعبود واحدا موحدا، وما دامت الرسائل السماوية تحث على الإكراه في الدين، يقول الراوي على لسان شخصية هديل: «بما أن هناك إلها واحدا للعالمين، فلم هذه الاختلافات وهذا الاقتتال؟ كل واحد يدعي أنه يقاتل في سبيله، يقتلنا انتماؤنا ونحن لا ندري. حين يقر الإنسان بأنه لا ينتمي إلا إلى المخلوق الرباني، خليفة الله في أرضه، آنذاك، سيكون إنسانا حرا، وعندها سيشفى من أدران السيطرة على الآخر، وسيرتاح ويريح».
انطلقت الرواية من نموذج الموريسكيين الذين طردوا من بلدهم وأرض أجدادهم التي عاشوا فيها قرونا من الزمن، تحت سبة تشبثهم بالإسلام، وعلى الرغم من تخلي البعض منهم عن دينه ولغته، فإن الآخر المسيحي تسلط عليهم، وقهرهم، وأذلهم، فقتل الرجال، وسبى النساء، ومسح الأطفال عنوة بعد اختطافهم من ذويهم وأوليائهم، وتم انتزاع ممتلكاتهم وثرواتهم… وأخرجوا من ديارهم عارين، حفاة، يلوكون خسارتهم. وأكثر من ذلك، تتبع أثرهم في ملاجئهم وثغورهم التي احتموا بها في عدوة المغرب الأقصى، فنكلوا بهم، ودكوا عليهم الأرض دكا، خاصة أن العدوة التي كانت تمد لهم يد العون دوما، لتناصرهم ضد أعدائهم، ما عادت لها القدرة حتى على حماية ثغورها، بل أكثر من ذلك، فقد كانوا عرضة للاعتداء من قبل الوطاسيين والسعديين والأتراك، الإخوة في الدين الذين يُفترض فيهم احتضانهم ومساندتهم.
يمثل المسرود الروائي، في «هديل سيدة حرة»، سيرة روائية لأميرة اضطرت لخوض حروب شرسة لا ترحم من أجل البقاء، وحفظا لأهلها وعشيرتها، وهي في كل معاركها، ظلت تُحكم القيم الإنسانية، على الرغم من تنصل الخصوم، الذين هم، في الغالب، أهل وإخوة في العقيدة والانتماء للأرض، من كل أخلاقيات الحرب، مستندة إلى حلم طال انتظاره بمصادفة حمامة السلم والسلام، لكن، في كل مرة، كانت تطلع الحمامة غرابا شؤم يقود إلى المزيد من الخراب، لتنتهي الرواية بالرجوع إلى حيث البداية، على الرغم من الانتصارات والخسارات، مؤذنة بكون الإنسان يظل يدور في الفلك نفسه: لا مجال للنصر إلا على أنقاض الفرح، وتذوق الخسارة، وفقد الأحبة، وهزيم الروح وانكسارها، وسلسلة من الآلام. لتظل حمامة السلام حلما سرابيا لا ينتهي، يقول الراوي: «منذ الأزل وأسلافنا من بني دمنا يحدثون عن حمامة الحمائم المنتظرة، يقول إنها يوم تظهر للعيان، من على قمم الجبال أو خضم أمواج الليل والبحر، أو من بين زوابع الهلاك وعواصف المخاطر الآثمة، وتتكلم، وتنطق دررا، تتوقف شرور الحروب عن افتراس فرح القلوب، ويكف انتماؤنا عن حرقنا، يعم الدنيا نور رباني وينثر الحب. قوة الحب ستسبي القلوب، فتتخلص من وحشيتها، ويبلغ البشر الرشد ويحيا في سلام، في انتظار العبور إلى السلام الأبدي».
 
٭ ناقد وروائي من المغرب
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات