Wednesday 28th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    02-Oct-2020

في مطبات (التخيّل التاريخي) بديل جناسي

 الدستور-د. نادية هناوي

ليس غريبا أن نجد في النقد العربي المعاصر تفاوتاً في تبني المقولات الغربية كمفاهيم أو اصطلاحات، ومن تلك المفاهيم (التخيل التاريخي) من ناحية التوافق أو عدمه مع توصيف (الرواية التاريخية) وهل يصلح أن يكون بديلا عنها؟ مما كان د. عبد الله إبراهيم قد اقترحه في كتابه (التخيل التاريخي السرد والإمبراطورية والتجربة الاستعمارية) ونجد في هذا الاقتراح مطبات ومؤاخذات من الناحيتين اللغوية والنقدية.
فأمّا من الناحية اللغوية فإن العرب استعملت مفردات (المتخيل والتخييل والخيال) في نقد الشعر كرديف للصورة التشبيهية والاستعارية اللتين بهما تتحقق الوظيفة الشعرية. وقرن الفارابي وابن سينا التخييل بالوهم، واعترف حازم القرطاجني بالتخييل من باب الممتنع العجيب.
وظل هذا الاستعمال معمولاً به في نقدنا الحداثي إزاء النصوص الأدبية متخذين من التخييل والمتخيل والخيال اصطلاحات تتمتع بالرسوخ والشمول. أما ما عدا ذلك من اشتقاقات الفعل (تخيّل) ومنه الاشتقاق (التخيّل) فليست سوى تسميات وتوصيفات لكنها ليست اصطلاحات، والسبب فقدانها دعامتي الرسوخ والشمول، فقولنا( تخيل الشيء تخيلا أو كتخيل) أي تصور الشيء وهو في حالة تبدل وصيرورة بينما قولنا ( تخيل الشيء متخيلا أو كتخييل) يجعل التخيل راسخا مستقرا بوجود صورة لغوية أصلية تقابلها صورة الشيء الخارجية المتخيلة أو الخيالية التي هي في كل الحالات واحدة غير متبدلة.
والناظر في الصيغ الاشتقاقية ( تفعيل/ تخييل وفعال/ خيال ومتفعل/ متخيل ) وصيغة (تفعّل/ تخيل) سيجد الفارق كبيرا لان الانزياح في دلالات الصيغ الثلاث الأُول تام يوحي بوجود تصور ثان قار ومفروغ منه إزاء تصور أول هو الأصل. فقولنا مثلا (المتخيل الشعري) يوحي بدلالة واحدة جامعة مانعة لما صار متصورا بالشعر، أما الانزياح في صيغة تفعَّل فليس كاملا كونه يعبر عن صيرورة حالة آنية ستتغير حتما وسيطرأ عليها ما هو جديد. لذا يوحي قولنا (التخيل الشعري) أن أذهاننا في حالة تصور استمراري لوضع يجري اعتماله في سياق آني نريد منه أن يتصور بالشعر.
ولهذا وظف النقاد العرب (المتخيل والتخييل) كمصطلحين ينطبق اعتمادهما على جميع الحالات الإبداعية، بينما دلالة (التخيل) تظل مستمرة بحاجة إلى ما يكمل وصف صيرورتها بسبب طارئية اعتمالها ودوامية تغيرها. واغلب المصادر المشتقة على وزن (تفعّل) تنماز بهذه الصفة بعكس المصادر الميمية واشتقاقات الصفة واسم الفاعل والمفعول وبعض صيغ المبالغة. فكيف يمكن بعد ذلك للتخيل المتصف بأنه تاريخي أن يكون دالا على علاقة كتابية وطيدة وراسخة كعلاقة التاريخ بالسرد؟!
وأمّا من الناحية النقدية فإن الأنواع الأدبية ليست مشكلة في ذاتها وإنما الإشكالية تكمن في التنظير لها ولهذا تبدلت النظريات فمن نظرية الأنواع إلى نظرية الأجناس ومن بعدها نظرية التداخل الاجناسي، وظلت الأجناس الثلاثة الرئيسة (الغنائي/ الدرامي/ الملحمي) والأجناس المتولدة عنها كالرواية والقصة القصيرة والسيرة وغيرها متداولة نقديا ولا يمكن بأي حال مصادرة تاريخها الأدبي أو التشكيك في إبداعيتها ثم استبدالها بواحد آخر يصنعه الناقد على وفق مقاسات منظور مستحدث يتبناه في مرحلة ما، ليجد مثلا أن الرواية التاريخية (استنفذت طاقتها الوصفية) و(تراجعت القيمة النقدية للتصورات التي عاصرت ظهورها) وأنها (أصبحت غير قادرة على الوفاء بتحليل موضوعها) (مكانها تاريخ الأنواع السردية) لذا قرر إحالتها على التقاعد تخلصا «من العثرات التي لازمت هذا الضرب من الكتابة مدة طويلة «.
ولو أحصينا المواضع التي ورد فيها مفهوم (التخيل التاريخي) داخل فصول الكتاب الذي يتبنى طرح التخيل التاريخي مصطلحا مستثنين المقدمة، لوجدناها مواضع قليلة لا تدلل على مقصدية التبني للمفهوم ولا تبين جدوى الاصطلاح، وهو ما جعل التذبذب واضحا في توصيف التخيل التاريخي، فمرة يصفه الناقد بأنه قاعدة ومرة ثانية هو طريقة ومرة ثالثة يكون «تخيلا تاريخا للتحولات الاجتماعية والثقافية الكبرى» ورابعة هو مستوى من المستويات.
هذا إلى جانب أن (التخيّل) يُظهر الرواية التاريخية وكأن ليس لها تاريخها الأدبي الذي به قدمت شهادتها عن التاريخ العربي الإسلامي، فضلا عن قالبها السردي الذي به صارت الرواية التاريخية نوعا من أنواع الكتابة الروائية العربية. ومن المؤكد هنا أيضا غياب الحد الفاصل بين وظيفة (التخيل التاريخي) ووظيفة (التخيل السردي) الذي لم يرده الناقد مصطلحا. فإذا كانت وظيفة التخيل التاريخي تتجسد في (انه يفكك ثنائية الرواية والتاريخ ويعيد دمجهما في هوية سردية جديدة فلا يرهن نفسه لأي منهما) فإن وظيفة (التخيلات السردية هي التحييد بمبدأ مطابقة المرجعيات التاريخية). وهنا نتساءل كيف تتفكك العلاقة ثم يعاد تجميعها والمتخيل أو التخييل لا يرتهنان لا إلى التاريخ ولا إلى الرواية؟ وما الرابط بين التفكيك والتحييد والأصل في الاصطلاح أن يكون جامعا مانعا؟ ثم كيف تُقصر الفاعلية الأدبية التخييلية على التاريخ بينما يُحيَّد السرد؟
ولا خلاف في أن الفاعلية التخييلية حاصلة في النصين السردي والميتاسردي تجاورا وتجاوزا كما هي حاصلة في النصين التاريخي والميتاتاريخي تطابقا وتقاطعا، والسبب أن الفاعلية التخييلية في الكتابة السردية ليست تحييدية تنتظر التخيل التاريخي لكي ينتقل بها «من موقع جرى تقييد حدوده النوعية إلى تخوم رحبة للكتابة المفتوحة على الماضي والحاضر، بل هذه الكتابة هي أصلا رحبة بمختلف أشكال التخييل كالتاريخي والسردي والواقعي والرمزي والفنتازي.
وبسبب عدم تمكن الناقد من إثبات استقرار مفهوم التخيل التاريخي كاصطلاح انصرف ـ وهو ما زال في المقدمة ـ نحو مناقشة مسائل ثقافية لها علاقة بالسرد والتاريخ كسؤال الهوية الذاتية والهوية السردية والهوية الجماعية والأمم والجماعات التاريخية. ناهيك عن عدم الثبات أيضا في تداول المفهوم، فمرة هو إفرادي (التخيل التاريخي) ومرة هو جمعي (التخيلات التاريخية)
ونجد في تفسيرالناقد للتخيلات التاريخية بأنها (نصوص منشطرة بين الموضوعية والذاتية، أعيد حبك موادها التاريخية ثم اندرجت في سياقات مجازية وأن ابتكار حبكة للمادة التاريخية هو الذي يحيلها إلى مادة سردية) تأكيد لحقيقة أن الفهم الفكري للتاريخ هو ذاته في الرواية التاريخية التي هي أيضا تستل نصاً من نصوص التاريخ ثم تضيف إليه الحبك محولة إياه إلى قصة. وهذا ما تفنده الفلسفة التاريخية المعاصرة ولاسيما فلسفة هايدن وايت التي تقر بأن التحبيك كامن في صلب المادة التاريخية حتى لا وجود لأي نص تاريخي إلا وهو سردي. ليس هذا حسب بل أن أرسطو نفسه ما قدّم الفلسفة على التاريخ إلا لأنها تعنى بكلية الواقع التاريخي متجاوزة بالتخييل الفهم الفيزيقي للزمان تماما كالشعر.
أما استدعاء الناقد لمقولات مثل (إعادة تصوير الزمان/ الإحالة المتقاطعة/ تقاطع السرد والتاريخ/ القصدية التاريخية/ المطابقة) فإنها بدت كأنها من عندياته. والسبب عدم إحالته على مجترحها بول ريكور. لكنها مع ذلك لم تسعف الناقد في تدعيم اقتراحه لـ(التخيل التاريخي) مصطلحا، فضلا عن كون بعض تلك الاستدعاءات اللاإحالية بدت بعيدة وأحيانا مقحمة على الموضوع مع بعض نصوص متتالية وضع لها الناقد أقواسا تنصيصية لكن من دون إحالات عليها في الهامش. كما أن الاستعراض الطويل لأقوال النقاد مثل كونديرا وجيمس رستن ومحمد القاضي وسعيد يقطين وواسيني الأعرج وطارق علي في مقدمة كتاب التخيل التاريخي لم يضف إلى مفهوم التخيل التاريخي واجناسيته البديلة عن الرواية التاريخية تبريرا أو تدعيما؛ وإنما بالعكس غيّب هذا الاستعراض المفهوم حتى غدا شبه ضائع في الحديث عن علاقة التاريخ بالسرد والمؤرخ والروائي والرواية التاريخية. وسيتأكد ذلك الغياب أكثر في فصول الكتاب التي انبرت مركزة على الإمبراطورية والاستعمارية وما شاكلهما.
إجمالا نقول إن الدراسات النقدية في الغرب اعتادت التعامل مع التخيل أو الخيال أو المتخيل التاريخي ـ الذي ترجمته واحدة هي The Historical Imagination ـ مفهوما يدلل على العملية التي بها يعالج النص التاريخي معالجة سردية، وذلك بدءاً من مبتكره روبن جورج كولنجوود وانتهاء بهايدن وايت وبول ريكور. وبهذا الاشتغال لا تبطل دعوى عد (التخيل التاريخي) اصطلاحا فقط؛ وإنما تبان مغلوطية فهمه جنسا سرديا مستقلا، فضلا عن أن سابقية سكّه مفهوما تجعل كل من يدعي ابتكاره عيالا عليه بالتطفل والانتحال.