Friday 18th of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    10-Sep-2020

الحياة… هل تحدث حقا؟

 القدس العربي-حسن داوود

منذ أن أنهت الطفلةُ قراءةَ ذلك المقطع من كتاب المغامرات السحرية، ذاك الذي تُفتتح به الصفحة الأولى من الرواية، أُغفل وجودها في ما تبقّى من الصفحات، ولم تعد تُذكر أبدا. الرواية كلها تُركت لأهلها، لأبيها وأمّها، لكي يسبرا غور المشاعر العميقة التي تصنع منهما زوجين. وقد بدآ ذلك من سؤال ألقاه كل منهما على الآخر، وهما مستلقيان على سريرهما: «هل سبق لكِ (ثم هل سبق لكَ) أن افتتنت بشخص آخر غيري. كان المنتظر من الجواب أن يدفع إلى الإثارة وإشعال الرغبة. وقد روت الزوجة أولا عن تعلّقها بشاب رأته مرتين أو ثلاث مرات، راح يلقي نحوها نظرات معجبة ثم أشاح عنها، تاركا إياها في دوامة التساؤل والرغبة. هو أيضا، الزوج، روى كيف استدرجته امرأة في مكان غامض. من هنا بدت الرواية لقارئها ذاهبة نحو الغيرة المثيرة، والعميقة، بين الطبيب فريدولين وزوجته ألبرتينا، لكن ذلك لم يُستكمل. لم تنته تلك المكاشفة باتصال جنسي بينهما، فقد ناما في إثرها متباعدين على ذاك السرير، كأن شيئا لم يكن.
ما سيجري لاحقا، وهذا سيقتصرعلى يوم واحد ونصف يوم هو زمن الرواية، هو التداعيات النفسية التي ستجري في رأس الزوج فريدولين. مرة أخرى عاد إلى زوجته ليسألها، في الرابعة صباحا من الليلة التالية، أن تستفيض في ما ذكرته بالأمس. كان قد عاد لتوه من مغامرات تعرّض فيها لإغواءات ومجازفات خطرة ظل في أثنائها مهجوسا بما سمعه في الليلة السابقة. كانت زوجته مستغرقة في حلمها حين بدأ بإيقاظها، بل كان ما تحلم به قد فاض عن حدود النوم إذ، بينما ما تزال غافية، كانت تطلق ضحكات فاجرة قوية. «بماذا كنت تحلمين؟، سألها حين أفاقت. وهي، على الفور، كما لو أنها تستكمل ما تحادثا به في الليلة الفائتة، راحت تروي له تفاصيل حلم طويل ومتشعّب رأته فيه يُعذَّب ويُصلَب، وهي في ما تشاهد ذلك كانت تطلق تلك الضحكات التي خرجت عن نطاق النوم. ثم، كان هناك رجل فتنها في المنام، وربما كان هو من أوعز بتعذيب زوجها وصلبه.
رغم أنه حلمٌ اختلط فيه ما يُعقل بما لا يُعقل، والهواجس بالأضغاث، وجد الطبيب فريدولين نفسه متهِّما زوجته بخيانته. لم تكترث له في ما كان يُجرّ إلى الصليب مدمى، فقد خلب لبّها ذلك الرجل الذي كان برفقتها. هذا ولم يعمد الزوج إلى التفكير بصلة الأحلام بالحياة الحقيقية، هو الطبيب الذي من المفترض أن يكون عارفا بغموض تلك الوشائج. تصرّف كأن ما جرى في ذاك الحلم قد جرى فعلا وواقعا.
أما هو، من ناحيته، فكان، قبل رجوعه إلى البيت قبيل الفجر بقليل، قد مرّ بتجارب غريبة اعترضته فيها ثلاث نساء، لم يستجب لدعوة اثنتين منهن. أما الثالثة فكانت على الضدّ من الخيانة التي اتهم فيها زوجته. لقد افتدته تلك المرأة، إذ وقفت في وسط أولئك الغرباء الذين كانوا يهمّون بمعاقبته، وربما بقتله، وقالت إنها هي المسؤولة عن إدخاله إلى مجتمعهم السرّي المغلق. كان ذلك المكان الذي دخل إليه حبّا بالمغامرة، غريبا ببنائه وأضوائه، وبحشد الرجال والنساء المتجمّعين فيه، متنكرين، كأنهم يستعدون للقيام بحفلة داعرة. كل شيء هناك كان شبيها بما يجري في الحلم. تلك الأركان الثابتة والمفهومة التي تندرج فيها وقائع العيش الفعلي كانت غائبة عن ليلة الطبيب تلك. لا شيء مفهوم في كل ما عبَر به، بل كان إدخالا للحلم على سياق حياتي متسم بالفضول والإقدام على المغامرة.
لم يشأ لنا الروائي النمساوي آرثر شنيتزلر، أن نستخلص معانيَ مفهومة من تلك العلاقة بين الزوجين. ذاك أنه، باستثناء الأحلام وما تستجره عليهما، لم يوصلهما إلى شيء. لم يتغير شيء بينهما، فبعد تلك المغامرة القاطعة للأنفاس والشكوك البالغة حتى الخيانة والانتقام، دار بينهما حوار سبق انصراف كل منهما إلى نومه. قالت هي: يجب أن نشعر بالامتنان لكوننا خرجنا سالميْن من كل مغامراتنا، سواء كانت حقيقية أو مجرّد حلم».
«هل أنت متأكدة تماما من هذا» سألها
«تماما» أجابت «مثلما أنا متأكدة من أن حقيقة ليلة واحدة، ناهيك بعمر بأكمله، ليست هي الحقيقة كلها».
وهما أخلدا إلى النوم بعد ذلك، مثلما يحدث كل ليلة. ومثلما يحدث كل صباح أيقظتهما ابنتهما (عائدة مرة أخرى، وأخيرة، إلى الرواية) ليبدآ بعد ذلك نهارا جديدا.
إلى ماذا سعى كاتبنا من الاضطراب الذي أوقع فيه بطليه. هل أراد أن يقول إن تحت السطح الراكد للحياة الزوجية، تتفاعل مشاعر مضطربة وعنيفة؟ هل يقول ألا فرق بين ما نعيشه في الحلم وما نعيشه في اليقظة؟ ثم هل يقول ألا شيء حقيقيا، وأن البواعث الحقيقية لرغباتنا، تلك التي تقود حياتنا، آتية كلها من المنامات.
ربما كان سيغموند فرويد أكثر المعجبين برواية شنيتزلر، كما بأعماله الروائية والمسرحية الأخرى. كتب فرويد له مرة أنه تجنب لقاءه «لأنني كرهت أن أقابل نظيري، لكنني، كلما تعمّقت في إبداعاتك أجد دائما، تحت سطحها الشاعري، الافتراضات والاهتمامات والخلاصات التي أعرف أنها لي».
*«قصة حلم» للروائي النمساوي آرثر شنيتزلر (1862ـ1931) كانت نشرت لأول مرة في 1926. نقلها إلى العربية سامح سمير من ضمن سلسلة «أدب نمساوي حديث» كما هو مذكور على غلافها. صدرت عن دار «المحروسة» في 105 صفحات- 2018.
 
٭ روائي لبناني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات