Friday 5th of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    17-Jan-2021

أرض الأحلام

 الدستور-فدوى بهجت خصاونة

 عندما يأتي الخريف أشعر بالكآبة، وأكره سطوع الشمس لا أريد لساعات النهار أن تطول لا أحب أن ينكشف أمري، وقد أصبحت خشبا شائكا، وأكره الليل أكثر؛ فأبدو وكأنني شبح تحمل ساقه أغصانا عارية تصارع الرياح، ولكن ما يواسيني هو أنني لست وحدي، بل كنت أتشارك مع باقي الأشجار فتور الشمس وكآبة السماء؛ فنتبادل الحديث ونستعيد الذكريات.
فلا أنسى ذلك اليوم الذي قام صاحب البستان بشرائي وأنا فسيلة صغيرة، فاختار مكانا مناسبا ليغرسني فيه، وكان يدللني ويعتني بي وكأنني طفل يتمايل في حضن أمه، وبكل لطف يهيل التراب على حفرتي؛ فكبرت وكبرت أغصاني وتغطت بالأوراق، وزاد تعلق الناس وشغفهم بي فأخذوا يتناوبون بالعناية بي، يصبون الماء على حوضي وكأنهم يسكبون دموع الفرح حبا وشغفا بي.
كنت أشعر بالاعتزاز والثقة وأنا أحلق وأكبر وأعلو بأغصاني وكأنني نسر يطير بجناحيه؛ فينظر الجميع إلي يحاولون الصعود على أغصاني الوفية يفشلون حينا بالصعود وينجحون حينا آخر فيتسلقون الغيم.
كان الأطفال يحلقون حولي يمسكون بعضهم يلعبون يختبئون بين أوراقي فأكتم أسرارهم وأضمهم وأغمض عيناي عليهم فيختبئون ويلعبون طويلا.
ومددت أغصاني وعلقوا عليها أرجوحة تطير وكم تمنيت لو أستطيع أن أشاركهم اللعب والضحك ؟
كم تمنيت لو أشاركهم البراءة ؟
ولكنني أنا الشجرة السامقة أنا الظل وأنا الثمر أنا الهواء العليل.
وأكثر ما كان يسعدني ويشعرني بالفرح عندما يأتي صاحب الحديقة فيهز الغصن وتتساقط الثمار حلوة المذاق الطيبة يأكل منها ويملأ السلال.
تعاقبت علي الفصول الأربعة وكبرت، وظهرت خطوط العمر على ساقي وبدأت التجاعيد تغزو ثماري؛ فجاء صاحبي وشعرت هذه المرة بجحوده وإنكاره لفيض عطائي.
نظر إليَ أخذ يتمايزني وقال : لقد انتهى دور هذه الشجرة سأتخلص منها في الحال؛ فهوى على ساقي بفأس من حديد، وبدأت ضرباته تنهال علي، وفي كل مرة أريد أن أصرخ، أريد أن أذكره بظلي، وثماري، أريد أن أذكره أنني الطفل المدلل، ولكن الضربات تزداد.
راح يرميني بوابل من الضربات ودونما توقف.
وكم شعرت بالألم كم كان موجعا ذلك الضرب ؟
كم شعرت بالوجع والآهات ؟
حاولت أن أطلب منه أن يتوقف أن يتركني مغروسة في أرض الأحلام، أردت أن أبكي وأصرخ حاولت أن أنادي الأطفال لينقذوني ويكفوا يد الفأس عن قامتي؛ ولكن لم أعد أقدر على الصمود أكثر، لم أعد أقدر على البقاء، لم أعد أحتمل.
كل شيء أصبح رماديا إلا لمعة الفأس القاسي إنه يخترق أوصالي يمزقني دونما رأفة.
سقط جسدي الهزيل وتجمدت أطرافي من البرودة وأصابتها رعشة النهاية، وبدأت أنحني شيئا فشيئا حتى سقطت وتركت السحاب، استلقيت على الأرض كطائر مذبوح يبكي من الألم، سقطت رغما عني.
ولكن نسيت أن أخبركم أمرا فجذوري لا زالت تتوغل في عمق التراب لا زالت تسبح وتتنفس تحت الأرض فهي وطني وسأعود من جديد وأزهر وأثمر.