Sunday 20th of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    16-Sep-2020

المتوالية القصصيّة… من الأصل إلى التمثلات

 القدس العربي-فاضل عبود التميمي

صدر للناقد العراقي ثائر العذاري كتابه الجديد «المتوالية القصصيّة: الأصول والتجنيس والتمثلات) عن دار كنوز المعرفة في عمّان 2020، والكتاب رحلة بحث شيّقة في نمط من الكتابة القصصيّة، ذات التوجه الخاص المبني على مفارقة الشكل القصصي المعتاد في المجاميع، التي تعوّدنا قراءتها والروايات، ففي الفصل الأول (الأصول التأريخيّة) استعان المؤلف برأي شكلوفسكي، الذي رأى أن المجاميع القصصيّة أسبق ظهورا من الروايات، وعنده أن أعمال بينجاتنترا الهنديّة، و»ألف ليلة وليلة» و»كليلة ودمنة» دالة على ذلك، وهي باستنتاج المؤلّف تحمل روح المتوالية، التي هي أصل الرواية، وعنده أن معظم من كتب عن المتوالية عدّ «ألف ليلة وليلة» الأصل التأريخي لها، والسرد الإطاري الذي تمتّعت به الليالي العربيّة، أقدم طريقة ابتكرها الإنسان لجمع أكبر عدد من الحكايات المستقلة، وهي تروي حكاية داخل حكاية.
ورأى المؤلّف أن كتاب «كليلة ودمنة» لابن المقفع يزخر بعشرات الحكايات المرتبطة بعضها مع بعض، بوساطة الحكايات الإطاريّة المتداخلة، وهي عنده أحد أسس المتوالية القصصيّة، بمفهومها الحديث، وكان المؤلف قد عدّ «مقامات الهمذاني» التي غادرت فكرة الحكاية الإطاريّة لتبتكر الشكل الموحد للحكايات، وعناصر البنية الشكليّة أنموذجا متقدّما من السرد المتوالي في التراث العربي.
وكان المؤلّف قد وجد في «حكايات الديكاميرون» لبوكاشيو، التي تضمّ مئة حكاية مستقلّة بذاتها ترتبط معا بحكاية إطارية كبرى كتابَ متوالية مركّبة، فضلا عن «حكايات كانتزبري» لجيفري تشوسر، وهي حكايات يحكيها مسافرون على ظهور الخيل لتزجية الوقت، فهي تعتمد فكرة الحكاية الإطارية أيضا.
وكان الفصل الثاني (القواعد النظريّة) معنيّ بتعريف المتوالية، وتحديد جنسيّتها الأدبيّة، وقبل ذلك كشف بواكيرها الأوروبيّة التي بدأت بنشر «أهالي دبلن» لجويس 1914 في لندن، ثمّ مجموعة قصص «واينسبرغ أوهايو» التي نشرها أندرسون 1919، وهي تتألّف من إحدى وعشرين قصّة منفصلة، ولكنّها مرتبطة بعضها مع بعض، وكأنّها رواية، وهي لم تكن سوى قصص منفصلة بتوالي منظّم، وعدّ المؤلف «في زماننا» لأرنست همنغواي، التي صدرت عام 1925 متوالية شكلا ومضمونا.
 
عدّ المتوالية نوعا نثريّا يعني امتلاكها مزايا نصيّة لا يمكن أن تتواجد في أنواع أدبيّة أخرى، وهي بالضرورة تتبع جنسا ينحدر إلى أنواع، وتنقسم على أشكال واضحة، يمكن إضافتها إلى مقولات نظريّة الأجناس الأدبيّة، التي اقترحها الناقد الإنكليزي  روجرز ألن.
 
وبعد هذا السرد التأريخي رأى المؤلف أنّ المتوالية بحسب تعريف فورست إنغرام حزمة من القصص القصيرة المترابطة مع بعضها بحيث تتعدّل التجربة القرائيّة لأيّ منها بعد قراءة الأخريات، ثم عرج لتبيان أنواعها: المرتّبة، والمؤلّفة، والتامّة، ثم ذهب إلى روبرت لوشر، الذي رأى أن المتوالية جنسٌ سرديّ مستقل، منفصل عن الرواية والقصّة، لكنّ المؤلّف وقف عند رأي أوستن رايت، الذي رسم حدود أي جنس بخطوتين إلزاميتين: اللغة المكثفة، والانزياحات التي تحيل على الشعر، وغير إلزامية مثل: الوزن الذي يفرق بين قصيدة النثر، والشعر، ليكون معيارا مفرّقا، ومن هنا عدّ المؤلّف ترابط القصص، واستقلالها معيارا للتفريق بين المجموعة القصصيّة، والمتوالية القصصيّة، مع تأكيده أنّها جنسٌ أدبيّ، وقد ابتكر لها أنواعا: العنقوديّة، والمتسلسلة، والحلقيّة، والنوفيلا ليعدّها أجناسا فرعية تابعة للجنس الأعلى.
إنّ عدّ المتوالية جنسا أدبيّا، وما يتفرع عنها أجناسا أيضا يخلق في النقد المعاصر بلبلة أجناسيّة، فقد وجدتُ من النقاد من عدّ المقالة (جنسا)، والسيرة أيضا، فضلا عن الرواية، والقصّة، وعندي أنّ النماذج السابقة لا يمكن أن تكون أجناسا أدبيّة قائمة بذاتها؛ لأنّ نظرية الأجناس الأدبيّة تحيل الأدب بعامّة على جنسين مهمين: الشعر، ثمّ النثر، والنثر بوصفه جنسا يحال على أنواع منها: المقالة، والسيرة، والقصة، والرواية فهي بأجمعها نوع وليست جنسا؛ لأنّ (النوع) درجة تنظيم لتفرعات (الجنس) الذي هو أعلى درجة من النوع، أي أنّ النوع شكل تابع للجنس، ويبدو أنّ أبا العلاء المعري (449هـ) كان موفّقا حين فرّق بدقّة متناهية بين الجنس، الذي هو أصل في الأدب، والنوع الذي هو فرع، في لمحة إجرائيّة تحيل على فهم معاصر يفتقده بعض الباحثين اليوم حين قال على لسان (الشاحج) في محاورة منطقيّة: «إنّ الشعر جنس، والرجز نوع تحته»، وتأسيسا على ذلك فإنّ من البداهة أن يكون النثر جنسا، والمتوالية نوعا من السرد.
إنّ عدّ المتوالية نوعا نثريّا يعني امتلاكها مزايا نصيّة لا يمكن أن تتواجد في أنواع أدبيّة أخرى، وهي بالضرورة تتبع جنسا ينحدر إلى أنواع، وتنقسم على أشكال واضحة، يمكن إضافتها إلى مقولات نظريّة الأجناس الأدبيّة، التي اقترحها الناقد الإنكليزي  روجرز ألن، الذي رأى أنّ الأدب: صنف ينقسم على جنسين رئيسيين: الشعر، والنثر، وكلّ منهما – الجنسان- ينقسم على أنواع، والأنواع بدورها تنقسم على أشكال، ولمن يريد المزيد عن د. روجرز ألن ينظر: الرواية العربية (ممكنات السرد) عبد الله إبراهيم أعمال الندوة الرئيسة لمهرجان القرين الثقافي).
 
بقي عليّ أن أشير إلى أن الفصل الثالث من الكتاب كان بعنوان (بنية التماسك) وهو مبني على متابعة التوتر الجمالي القائم في المتواليات، والتعدد الناتج عن قراءة كل قصّة، وهي مكتفية بنفسها، لكنّ قراءة المجموعة كلّها تتكامل بوصفها كيانا واحدا ناتجا عن الترابط الدلالي للقصص، بعيدا عن نيّة كونها رواية، أو أي متن آخر، وعند المؤلف أن بناء التماسك النصيّ للمتواليات يكون بفعل الانتماء إلى المكان، مع ملاحظة دقيقة تتعلق في أنّ كتّاب المتواليات، بمرور الزمن، اكتشفوا أنّ المتوالية ميدان رحب للإبداع، وابتكار الأساليب بفعل خيال القاص، وهو يبني تماسك نصوصه، وقد وقف المؤلّف نقديّا – وهذا ما يحسب له تميّزا- أمام بعض المتواليات التي خرجت من قيد الانتماء إلى المكان، لتدخل في بنية التماسك مع الابتعاد الكبير عن الانتماء إلى الرواية، وهي تسعى إلى بناء توتّر شديد بين الوحدة والتعدد، من تلك المتواليات: «حكايات خورشيد» في «حاوي عروس» الهيئة العامة المصريّة للكتاب 2011 للقاص المصري منير عتيبة، وقد خلص إلى تميّز متواليات القاص، وتماسك نصوصها.
ووقف المؤلّف ثانية عند القاص العراقي حامد فاضل في متواليته القصصيّة «ألف صباح وصباح»، الذي كان واعيا لطبيعة نوعها الأدبي فكتب على الغلاف (متوالية حكائية) ليحيل القارئ على مفهوم الحكاية الشعبيّة، التي يتناقلها البدو في أسمارهم، وقد حافظ القاص على التوازن بين الوحدة والتعدد، أي كان التماسك تامّا في بناء متنه الكبير، الذي غامر في إبعاده عن بناء الرواية، بل كان مغرقا في التماسك، بحسب رأي المؤلّف، وهذه شهادة حق في المبدع حامد فاضل الذي ظلّ يكتب خلال ثلث قرن بلغة موّارة بأنساق الشعر منفتحا على الصحراء، بوصفها مكانا متعيّنا في المنطقة الممتدة من جنوب غرب مدينة السماوة العراقيّة حتى شرقها، لافتا النظر إلى مكان كان ولمّا يزل يشغل الذاكرة اليقظة، بما فيه من إرث، وتحولات بطلها الإنسان، والطبيعة القاسية، فالصحراء مكانٌ ضاجٌّ بالطبيعة، وكتب الجغرافية، والتأريخ، والمذكرات، والحكايات، والقصص، التي تشكّل العمود الفقري لثقافة الإنسان الذي ينتسب إلى المكان أكثر من انتسابه إلى العالم البشريّ.. وبعد: فكتاب «المتوالية القصصيّة: الأصول والتجنيس والتمثلات» حريّ بالقراءة، والتدقيق، والإشادة لما له من ريادة في الكتابة عن سرد كان ولمّا يزل يثير حزمة من التساؤلات.
 
٭ ناقد وأكاديمي من العراق
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات