Sunday 7th of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    15-Feb-2021

المحنة العربية: من ابن رشد إلى إبراهيم الوراق

 القدس العربي-بروين حبيب

منذ زمن بعيد لم أقرأ رواية بهذا الجمال اللغوي، تروي عطشي للغةٍ رشيقة تنسيني ضخامة الكتاب (366 صفحة) وتدخلني في حالة من اللذة الاستثنائية. «دفاتر الورّاق» للكاتب الأردني جلال برجس الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، أحدثت مؤخّرا هذه الهزّة الجميلة في مربّع قراءاتي الخاص.
والحقيقة أن اللغة هي أول ما شدني في نص برجس الطويل، كونها العامل الأكثر تأثيرا في ذائقتي، لاستمالتي وإدخالي في نشوة القراءة. وأعتقد أن لكل لغة مستويات، وأشكالا تعبيرية، وأدوات جمالية، كلها مرتبطة بموهبة الكاتب وحده، ومدى اجتهاده في صقلها على مدى سنوات من التكوين والقراءات، وقد أخبرنا كاتب «دفاتر الورّاق» عن الكثير من أسراره، عبر شخصيته المحورية «إبراهيم» الجامعة لمكوّنات الشر والخير في تركيبة غريبة، لا نجدها سوى في مجتمعاتنا، التي ترسم حدودا بين المثقف والجماهير، بين المثقف والسلطة، وبين المثقف وعالميه الواقعي والمتخيل، تقريبا هذا المثقف مصنّف كشخصية وهمية، تعيش داخل إطار من الفرجة، بحيث لا أحد يتعاطف معه، حتى حين تحلُّ عليه كارثة تراجيدية.
وهذا ربما ما قاده إلى إخراج كمية الشر المختبئة في داخله، وممارستها لا كفعل شرير ينتمي لطبيعته، بل كمحاولة لفهم الضفة الأخرى خارج حدوده، وتفكيك حالات التهميش المفروضة عليه، وأشكال التّعذيب النفسي المُسلّط المحاصر بها.
على مدى سبعين عاما، مقسّمة بهندسة روائية غاية في الذكاء والدقة، وفق سبعة فصول، يروي لنا أبطال الرواية حكاية أربعة أجيال يتوارثون التهميش، إهدار المواهب، تقليص مهمات العقل، وطغيان الفساد بكل أنواعه على فضائهم الحياتي، لكن وهنا تظهر براعة الكاتب، لن يغرقنا مع أبطاله في الأسى، بل كما لو أننا نبحر على زورق يشقُّ طريقه في نهر هادئ، يستمر في سرد تفاصيل حكاياته، في ما اللوحات الجميلة لجغرافيا المكان تأخذنا إلى عالم بهي، وثمين، على الرغم من أنّه مهدور هو الآخر.
يكتب جلال برجس وكأنّه ينقل الصورة بكاميرا، فلا تنفلت منه حتى التفاصيل الصغيرة، يلتقط الحالة الإنسانية لأبطاله من عدة جوانب، لصقل المشهد الروائي بعناية حتى يبدو كاملا. لهذا لا يكتفي بالحديث عن راهن إبراهيم، بل عن كل الظروف التي ساهمت في تكوينه. فيُخرج والده جاد الله من تابوته ويصعقنا بحكايته، وهو بذلك يمضي في تتبع الوجع إلى منابعه. هكذا يصل إلى مأساة ابراهيم، وكل الذين صنعوا فضاءه الاجتماعي والثقافي، وشاركوا بشكل ما في بناء شخصيته بكل تقلُّباتها. يعلّمنا برجس أن كتابة الرواية مع هذا الكم الهائل من المتناقضات ممكن. وأن السّر والسّحر في هذه الخلطة مقاديرها، فيعطينا من الحاضر مقدارا، ومن الماضي مقدارا، ثم يعبر باستنتاجاته جسور أزمنة عديدة، حتى نرى من خلاله مستقبل هذه الأمة بدون أقنعة.
كيف يفعل ذلك؟ على ما يبدو يهمه كثيرا أن يقف عند المفترقات الخطيرة، بحثا عن الأسباب التي أنتجت ما نحن عليه، بلغة ثابر على ابتعادها تماما عن المستويات المبتذلة، التي يستخدمها البعض كحيلة جاذبة للقراء. هكذا قاد كاتبنا ملحمته اللغوية بجياد طليقة، وعربة متينة، وأثبت أن الأدب لا يمكنه أن يكون سوى بهذا الانطلاق الحر، لرصد وقائع خارج منظور سياسي معين، أو قراءة أيديولوجية بعينها.
لقد ابتكر شخصية الوراق الذي فاجأه «حبل» غريب، وكأنه امرأة تحمل جنينا في رحمها، لكنّ حبله من نوع آخر، إنّه هو بنسخته المناقضة له، الثائرة، المتمرّدة على الهامش الذي حجزت فيه لسنوات، أو ربما «روبن هود» بنسخته العربية المعاصرة، شاهرا سيفه في وجه الظالمين، فيسرق اللصوص، ويقتل القتلة. يقتني هاتفا ذكيا، ويغزو العالم الافتراضي، ويصبح نجم مواقع التواصل الاجتماعي.
وكما في متن الرواية، نُعجب بشخصية ابراهيم الورّاق، ومن الغرابة أن تخدمه الظروف فيصبح نجم عمّان، ورغم صدور الرواية في أقسى أزمنة الحجر الصحي، إلاّ أنها في ظرف أشهر قليلة تربعت على عرش المبيعات، وأصبحت حديث القرّاء في مواقع كثيرة، مع إشادات لا نهاية لها بلغته، ورموزه التي صوّرت المحنة العربية، من ابن رشد إلى «أبوعلي» الورّاق الذي تعرّض لعلمية إحراق جزء من مكتبته أمام الكشك الذي يملكه في عمّان، طبعا تشابه الحدثين بين الواقعي الصادم، والمتخيّل المثخن بنبوءاته، شد جمهور القراء أكثر للرواية، والصراحة أن ما حدث يوقف الأنفاس، إنّه صدفة عجيبة جعلت كثيرين يتخيلون إبراهيم يخرج من دفاتره ويعبر الواقع الأردني والعربي بلحمه وشحمه.
 
إنّ تتبع شخصيات جلال برجس في هذه النص البديع متعة لا تضاهيها متعة، وأكاد أجزم أنها أجمل ما قرأت هذا العام، في انتظار ما سيكشف عنه منتوج العام كله من أعمال جيدة، شاكرة من حرّضني على قراءتها، وساهم في إيصالها لي.
 
هذا النوع من الروايات قليلا ما نصادفه بين قراءاتنا، إنّه في الغالب أدب مفاجئ، يخرج علينا على غير توقع، بين الحين والآخر ليعيد لنا الثقة في النتاج الأدبي، مع أنّه ليس حقيقيا رغم واقعيته، وليس خيالا رغم مرجعيته اللسانية، وأشكاله التعبيرية غير الملموسة. أليس في النهاية مجرّد كلام؟ لكن من ينكر أن أغلب مقولات السارد ليست وهمية؟ لقد كشف برجس عن علّتنا العميقة، وشخّص حالتنا المرضية، وبين صفحة وأخرى، وفصل وآخر بيّنَ كم نتواجد بكل آلامنا المشتركة هناك، في ثنايا تلك اللغة المثخنة بنا.
إنّ تتبع شخصيات جلال برجس في هذه النص البديع متعة لا تضاهيها متعة، وأكاد أجزم أنها أجمل ما قرأت هذا العام، في انتظار ما سيكشف عنه منتوج العام كله من أعمال جيدة، شاكرة من حرّضني على قراءتها، وساهم في إيصالها لي.
تعرفون أن نجاح الكاتب أحيانا مقترن برواية واحدة، لكن أفضل نجاح على الإطلاق هو ذلك المتدرّج نحو القمة بهدوء، ونجاح برجس من هذا النّوع، فقد اكتشفت من خلال بحث مطوّل عن نتاجه الأدبي، أنه في خلال انشغاله ببناء صرحه الأدبي الخاص به، انشغل القراء عنه بأعمال أخرى نالت حظها في الظهور بسبب الترويج الإعلامي لها، وكما في كل مرة أغلب هذه الأعمال تحجب أعمالا جيدة تقبع خارج الضجيج، ثم لا أدري بالضبط ما الذي حدث، هل هي الجائحة وظروف الحجر وملل الجمهور القارئ من الأسماء نفسها؟ أم أن حدثا ما أبرز «الورّاق» وصاحبها ومجمل رواياته السابقة.
في موقع «غودريدرز» مثلا أجمع القراء على إعجابهم بمجمل رواياته، نتحدث هنا عن قراء لديهم ذائقة رفيعة، ومستوًى جيدا نكتشفه بسهولة من خلال مراجعاتهم، وملاحظاتهم وقراءاتهم الانطباعية. وهذا باب آخر يقودنا إلى أن تغيرات جديدة تحدث اليوم على مستوى خريطة القراءة، تفرضها سلطة الشبكة العنكبوتية التي تخرج الثمين والجيد من الأعماق المطمورة، وتجعل دائرة القراء الجادين تتسع، بعد أن وجدوا فضاءات تجمعهم وقبلها كانوا مشتتين ومطمورين مثل أدبائهم تماما.
لماذا لم يبرز إسم جلال برجس قبل دفاتر الوراق؟ أقول ربما بسبب بدايته الشعرية، حين كان الشعر متوغّلا في مرحلة سبات، لكن هل جوابي دقيق؟ أمام هذا الكم الهائل من الشعر في نصه الروائي، ينتابنا حتما شعور كبير بالتقصير. على القارئ ألاّ ينجرف نحو الأعمال التي تقفز إلى أعيننا بشكل مفتعل، وأهداف تسويقية محضة، لكنّ القارئ لا يختصر في نوع واحد، وأعتقد أن مهمتنا والفرصة متوفرة لنا اليوم هي أن نشجع القارئ النموذجي، أو ذاك الذي يملك أدوات الولوج للنص، والذي يعتلي مستويات القراءة في الغالب، ونسلط عليه الضوء.
رواية الورّاق هذه رواية عجيبة، تجعل العقل لا يهدأ لا خلال قراءتها ولا بعدها، هي رواية تأملية بامتياز، وكما قالت إحدى القارئات «النهاية جعلتني أفتح النّافذة وأنظر إلى الشارع أفتش عن أبطال الرواية».
 
شاعرة وإعلامية من البحرين