Wednesday 25th of November 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    22-Oct-2020

الرسغ الدامي

 الدستور-حلا السويدات

 
 لماذا نزيد النار حطبًا طالما اشتعلت؟
 
في الاعتناء بالمرغوب فيه متعة.. لطالما نعتني بالأشياء التي نتوق إليها كأنما نمنحها طبيعة السّرد. فلا شك أن أعتى الرغبات قادرة على تكوين فلسفتها الخاصة وسردها الذي تقتلعه من اللغة حتى لو لم يتح معجمها معانيه، أعتى الرغبات تبدأ لكي تزيد قبل أن تنتهي رمادًا..
 
الإنسان حيوان يصطاد باللغة، ويأسى ويموت ويرغب وينسى ويرقص ويتبختر وينزوي ويذوب في الحائط ويخلع قفصه بها لا بغيرها.. وقف خالد أمام نفسه.. والدمُ يعبئ قميصه، منكرًا أن اللغة هزمته، وأن الأصدقاء باعوا خنجره، للباعة الحيارى بالقيمة، الأصدقاء الذين رغبوا بلمعان السرّ الفضيّ، نسوا أنّ الخنجر لا يعمل إلا في جلد صاحبه، وها هو دمه يفيضُ عن آخره.
 
كانت إجابته مقلقة، وكان السؤال رصينًا على الرّسغ، ويد أمه على يده تقسو، لم تعرف أمه الأسئلة بقدر ما تتيح الشرايين للأجوبة، تزرع فيها الحروف عطشى، ويسقيها الأصدقاء بماء القداسة، معكرًا، ويقال بعدها الشعر، وتتنكر أمه له أن كُفّ تعويذتك عن أبناء الحيّ، الذين كبروا كما تكبر الشجرة التي تجاور أختها الشجرة دون أن تلتقي بتكوينها، لكنها تحفظ عنها سيرة نموّها، لم يكن خالدًا شجرة، ولا أختًا لشجر الحيّ، كان لعنة تمرس بها الكلام، وكان مألوفًا لصياغة الظن.
 
المرور بطفل ميّت، أو لم يكن ميتًا كما كان يهيأ، المرور على دمه كأنما يمرّ على ماء معكّر، والاستلقاء على سرير تحت نجمة، وحَدْي الكلام، عن رقة الجسد المسجى، لم يكن خطيئة،
 
- كيف لم يخبر الحيّ عن ذلك القرمز المسال، والرسغ الدامي؟
 
- كيف به متأملًا ويأتينا بقصيدة أول المساء؟
 
أخبر صديقه يومًا أنه يمرر كل ليلة السكاكين على رسغه، دون أن يقطعه؛ ليبعث جسد الطفل فيه، وأنه أراد كثيرًا أن يتنكّر لتلك القصيدة، التي أغرته كائنةً كاملةَ المجاز، وأنّ الاستعارة سلكت فيها طريقًا محفوفًا بالضوء، وأنه ذاب فيه، أخبر صديقه أمه، ومن وقتها وهي تضع له الحروف في الشرايين على عجل وكأنها تربّي الخطيئة والقصائد.
 
كانت الذاكرة المدماة عائقا بينه وبين الوجوه حوله، كان من يأتي متأخرا يحصل على الخبر جاهزا من رفاقه، حتى ثقلوا عليه رغم قلتهم، فوقف مرة على الشرفة مريدًا الطيران، وساءل نفسه مرارًا هل يظنّ أنه قتل الطفل بانغماسه في الضوء، رغم أنه كان عابرًا؟ لكن؛ لماذا يلام كلما ألقى قصيدة على الجمهور، ولماذا تقهره أمه بتلك الظنون، ولماذا يفشي الأصدقاء كل مرة السرّ نفسه لمن يصير صديقًا جديدًا، حتى أنه في مرة بدأ يلقي قصيدة كان يقول فيها:
 
دعني أموت على كبدي
 
محمولًا على حصاة
 
بلا رقية أحمل لغتي
 
لحسد البغاة
 
ترأف بي الأتربة
 
دون ظن العابرين
 
دون ثقل القساة
 
حتى فهم صديق أنه المعنيّ، وغرز فوهة المسدس في رأسه، إذ كانا يتمشيان في ليلة هادئة، قائلًا:
 
- «القاتل يُقتل، القاتل بالشعر يقتل بالرصاص، دون أن يحق له لوم لائم».
 
أخذ يتذكر تلك المرة التي أخبر فيها صديقه رياض بتلك الحادثة، ناسيًا تعقيب ما اكتشفه لاحقًا، من أن الطفل كان ميتًا بالأساس، ولم يكن ثمة مجال لبث الحياة فيه، التي كانت ستنتهي بطبيعة الحال، في فرصة أخرى لمشية الموت في الأزقة، أغرته تلك الفكرة التي جعلت منه قاتلًا مهووسًا بأضواء اللغة، وشاعرًا يمشي على الأجساد، تلك الفكرة التي أفاضت الكثير من المجاز لاحقًا، فصار يُسمّى شاعرًا.
 
كان التخييلُ رغمًا عنه حظوة كبيرة، لكنّه صار توقيعًا يسم حياته أكثر من اسمه، لمّا دخل يومًا بيته وجد رياض ماسكًا رسغ أمه ويمرر بنانه عليه جيئة وذهابًا، وكأنه يعلمها حكاية ما، شزرته أمه، فذهب مسرعًا إلى الشرفة، محلقًا في الضوء.