Sunday 18th of April 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    01-Apr-2021

قرأت لك

 الراي-محمد عبداللطيف

 
في كتابه «كُتب لها تاريخ» كَتَبَ المفكر الكبير وعالم الاجتماع د. جلال أمين وتحت عنوان « الطيب صالح وعرس الزين» :
 
من أجمل الكتب التي قرأتها «عرس الزين» للروائي السوداني الطيب صالح, وهي رواية قصيرة لايزيد حجمها عن مائة صفحة من الحجم الصغير, قرأتها لاول مرة في أوائل السبعينيات وأعدت قراءتها مرات عديدة.
 
و(الزين) شاب فقير يتيم الأب لا يملك في نظر اهل القرية اي شيء مما يجعله صالحا للزواج، فهو اولاً غريب المنظر، فقد اصابه مرض وهو في السادسة من عمره ادى الى سقوط جميع اسنانه الا واحدة في فكه الاعلى واخرى في فكه الاسفل.
 
ولم يكن على وجهه شعر اطلاقا «لم يكن له حواجب ولا اجفان، وقد بلغ مبلغ الرجال وليست له لحية او شارب»، والصدر مجوف، والظهر محدودب قليل، والساقان رقيقتان طويلتان كساقي الكراكى، اما القدمان فمفرطحتان.
 
وهو فقير لا يملك شيئا، وهو اضحوكة الجميع، بل اننا اذا طبقنا معاييرنا المألوفة في الحكم على درجة الذكاء والغباء، لوصفناه بالبلاهة، اذ تكاد كل تصرفاته ان تكون غير متوقعة وغير مألوفة، وسلوكه غريب وغير مفهوم يسامحه الناس على تصرفاته باعتباره لا يعرف سببا لتصرفه على هذا النحو.
 
ولكن سرعان ما يتبين للقارئ، ان «الزين» رغم سخرية الناس به، واستصغارهم لشأنه، هو (افضل رجل في القرية) وانه ليس من الغريب على الاطلاق، على الرغم من استغراب الجميع وعدم تصديقهم ان تكون التي ستتزوجه، بل والتي تحبه، هي افضل فتاة في القرية!!!.
 
ففي القرية فتاة اسمها (نعمة) جميلة وقورة المحيا، معتزة بنفسها، ذكية لمَّاحة، بل لعلها اكثر ذكاء من كل قريناتها، ارغمت اباها ان يدخلها الكُتَّاب لتتعلم القرآن فكانت الوحيدة بين الصبيان.. تقدم لخطبتها شاب بعد آخر من مختلف الاصناف، الغني والمتعلم والوسيم، فكانت ترفضهم جميعا، دون ابداء السبب، ذلك ان صدرها كان ينطوي على شيء لا يعرفه احد!!!.
 
فقد ادركت «نعمة» بذكائها وثاقب بصرها ان «الزين» رغم كل ما يظهر فيه للاخرين، هو بالفعل افضل شاب في القرية، بل لعله الشاب الوحيد الجدير بها!!! انه اولا اصدق رجال القرية واقلهم رياء، واطيبهم قلبا، واشدهم تعاطفا مع المحرومين، ولكن شغف الزين بالحياة لا يقتصر على حب الفتيات الجميلات، بل هو محب للناس عامة، كثير الحديث، عالي الضحكات، يُعدي ضحكه الناس من حوله.. وان كان ضحكا شبيها بنهيق الحمار، وهو اذا ضحك فقد اللسيطرة على نفسه، فقد يسيل الدمع من عينيه وقد يستلقي على قفاه ويضرب الارض بيديه ويرفع رجليه في الهواء.
 
وهو معروف بالنهم بالطعام، رغم نحافته الشديدة، اذا اكل لا يشبع.. والغريب ايضا ان الزين رغم ما يبدو من هشاشة جسمه وضعفه، اثبت ان له قدرة جسمانية عظيمة.. فأهل القرية يذكرون كيف ان الزين امسك مرة بقرني ثور جامح استفزه في الحقل، فوقعه على الارض وكأنه حزمة قش، ثم ألقاه ارضا فهشم عظامه. «وكيف انه مرة في فورة من فورات حماسه قلع شجرة سنط من جذورها وكأنها عود ذرة».
 
أمَّا ما يظنه الناس بالزين من «بلاهة» فالأرجح ان ليس لها من سبب الا ان تقييمه للناس والاشياء يختلف عن تقييم معظم الناس، وانه فضلا عن ذلك لا يكتم شيئا في قلبه فقلبه على لسانه، فاذا عرفت ايضا انه جامع العاطفة سواء في حبه او في كرهه، كان لا بد ان يبدو الزين شخصا غير طبيعي وقد يظهر احيانا بمظهر الاحمق او الابله.
 
وكان حريا "بنعمة" ان ترى حقيقة الزين اكثر من الاخرين، فهي ايضا لا تشارك اهل قريتها كثيرا في احكامهم وتقييماتهم، وهي ايضا جريئة القلب لا تخاف الافصاح عما يدور في عقلها... فلا عجب انها كانت اذا رأته يعابث الفتيات وهن يضحكن من كلامه وسلوكه الغريب، تنهره غاضبة (ما تخلى الطرطشة والكلام فارغ، تمشي تشوف اشغالك)!!.
 
وكان الزين، اذا قالت له نعمة ذلك يسكت عن الضحك ويطأطئ رأسه حياء، ثم ينسل بين الناس ويمضي في سبيله، وكانت نعمة هي الفتاة الوحيدة، لسبب لا يخفى على القارئ التي كلما رآها الزين مقبلة صمت وترك مزاحه وفرَّ من بين يديها وترك لها الطريق!!.
 
هناك شخص واحد آخر كان يرى الزين على حقيقته ويعرف له قدره ويعامله باحترام وحب ويخصه بعلاقة حميمة دون الاخرين جميعا، ذلك هو (الحنين) وهو رجل صالح منقطع للعبادة، يقيم في البلدة ستة اشهر في صلاة وصوم ثم يضرب في الصحراء ويغيب ستة اشهر اخرى، ثم يعود ويعتبره اهل القرية بمثابة ولي من اولياء الله الصالحين.
 
وهذا «الحنين» لا يأنس لاحد في القرية مثلما يأنس للزين، ولا يبش في وجه احد مثلما يبش في وجهه، وكان اذا قابله في الطريق عانقه وقبله على رأسه وكان يناديه (المبروك) وكان الزين ايضا اذا رأى الحنين ترك عبثه وهذره واسرع اليه وعانقه».
 
وهما يتحادثان معا بالساعات، ولا يأكل الحنين طعاما في بيت احد الا في بيت الزين، ويحاول الناس ان يعرفوا من الزين سر هذه الصداقة، فيقول الزين بدوره«الحنين راجل مبروك».
 
ويقول المفكر جلال أمين: لكن ما اهمية كل هذا؟ واين الاحداث المهمة في القصة؟ ان القصة بمعنى من المعاني، ليس فيها احداث مهمة على الاطلاق. اذ ما اهمية ان يتزوج الزين ولو من اجمل وافضل هذا تعبير عن شيء واحد ثمين للغاية: هو حب عظيم للحياة والصفات المعاكسة لهذا كله، قلة الانفعال بالجمال الضحك المتحفظ فقدان الشهية للطعام، او السكوت عندما يجب الكلام، او قول عكس ما تعتقد او فقدان القدرة على التعاطف مع الاخرين..الخ.
 
كل هذا ليس له الا معنى واحد: ضعف القدرة على تذوق الحياة، او هو انسحاب منها، بهذا نفهم سبب شغف الفتاة الجميلة «نعمة» بالزين اذ نفهم من الكلام القليل الذي جاء بالقصة عنها، ان لديها هي ايضا هذا الشغف العظيم بالحياة، مع الشجاعة اللازمة للتصدي لاي محاولة لمنعها من الاستمتاع الكامل بها، ففي تلك القرية المحافظة التي لا تجرأ فيها الفتاة عادة على معارضة ابويها في امر مهم كالزواج، تعرف ام نعمة وابوها، ان نعمة ليست كالاخريات، وانه لا فائدة من اختيار زوج لها اذ هي التي ستختار زوجها، بل انها ليست في حاجة حتى الى الافصاح عن سبب رفض هذا العريس او ذاك.
 
وكان اخوها الذي يكبرها بعامين يحثها على مواصلة التعليم في المدارس، ولكن نعمة لم تكن تؤمن بذلك النوع من التعليم وتقول له: «التفاؤل .. التفاؤل».
 
إذن فالذي ينتصر في النهاية هو الزين، ينتصر على كل اشخاص القرية المزيفين، اذ لا تقبل اجمل واذكى فتاة في القرية بالزواج إلَّا منه. ويُنهي المفكر جلال امين رأيه قائلاً: فهذه القصة أو الرواية الصغيرة تترك القارئ مفعماً بالأمل.