Wednesday 25th of November 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    17-Jul-2020

رسائل كنفاني إلى السَمَّان والمُصَوِّر المَجهول

 

محمد حنون
 
الدستور- في البحث والاستقصاء للتحقق من معلومة فوتوغرافية في تاريخ الفوتوغراف، أو للعثور على مَعلومة فوتوغرافية، يتطلب ذلك مُقاطعة الكثير من المراجع التاريخية الفوتوغرافية، والبحث في الوثائق التي تناولت هذه المعلومة أو ما يقاربها. لكن عند البحث عن أصل صورة فوتوغرافية، ومن هو مُصورها، وتاريخ تصويرها، في حين أن الصورة هذه قد نُشرت أول مرة دون اسم مصورها، فإن ذلك يجعل المَهمَّة صَعبة، وخصوصاً حين تكون الصورة نشرت كغلاف كتاب أوَّل مرَّة، وليس في صحيفة أو مجلة.
 
ثَمَّة بدائل كثيرة يُمكن اللجوء إليها، كمكان التصوير، مُناسبة التصوير، تاريخ الصورة، وأين نُشرت أوَّل مرة، والمُعطيات البصرية فيها، ثم مُقاطعة كل هذه المَعلومات ببعضها البَعض. قد لا يعني ذلك سهولة البَحث، حين تكون المَرجعية الأولى للنشر، هي بداية النقص.
 
«وذات رحيل لي من لندن إلى بيروت دعاني غسان للغداء في اليوم التالي مع صديقه رسام الكاريكاتور المصري الشهير بهجت. ويومها اخترت الغداء في حريصا بعد ركوب (التلفريك) إلى هناك من جونيه . ويومها التقط لنا المصور ونحن نهبط من التلفريك تلك الصورة المنشورة على غلاف كتاب رسائل غسان لي.. ويبدو فيها بهجت وهو لا يزال داخل عربة التلفريك .»
 
كان ذلك بعض وصف السمَّان للصورة التي نشرت على غلاف «رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمَّان»، في العام 1992. كُتبت مئات المقالات حول هذا الكتاب، ودون أن تتناول إحداها صورة الغلاف، ومصورها المجهول. ثَمَّة أسئلة كثيرة ومُلِحَّة. إذا كانَت الكاتبة غادة السمَّان لا تَعرف من هُو مُصور الصورة، فكَيّفَ حَصَلَتْ غادة السَمَّان عليها، ومن أعطاها إياها؟ وإذا كان الذي أعطاها الصورة هو المُصور نفسه، فلماذا لم تذكر إسمه؟
 
في العام 1997، التقيتُ أوَّل مَرَّة بالمُصور اللبناني، رئيس قسم التصوير، محمد شِبُّو، رحمه الله، في صحيفة العَرب اليوم الأردنية. كنت أضع أمامي كتاب رسائل كنفاني لغادة. اقترب مِنِّي شِبُّو، وهو ينظر نحو الكِتاب. نقر بسبابته عليه قائلاً، «هذه الصورة لي، أنا من صور هذه الصورة». فَتحتُ الكتاب لأرى إسمه، فقال، « لم يضعوا إسمي»، ووجدت مَكتوب فد الصفحة الداخلية « المصور مجهول». سألته، « لماذا؟» رد قائلاً، « لا أعرف!». كان الأمر المهم بالنسبة لي يومئذٍ هو ما سألتهُ،»رأيتَ كنفاني والسمان بِشكل شخصي!». أجابني إجابته المعهودة، «مَعْلوم». لم أسألهُ لمن أعطى الصورة، لغسان كنفاني أم لغادة السَمَّان؟
 
لَم يَكُن كافيا ما قالهُ شِبُّو، لأكون مُتيقناً من أن الصُورة هي فِعلاً من تصويرهِ. ليس إنتقاصاً مِن مصداقيته، بل لأنَّ التحقق من أمر كهذا يَحتاج لمَعلومات ومُقاطعتها، ما يجعل قَوله إما أكثر متانة أو ينفيه. كان من الضروري معرفة الفترة التي أُلتقطت فيها الصورة، لأبحث في الفترة نفسها. حدَّدتُ الفترة ما بين 1960 و1966 أوَّلَ الأمر، ومن خِلال عدة مُعطيات.
 
لقد وجدتُ بأن فنان الكاريكاتير بهجت عثمان الموجود في الصورة، سافر إلي بيروت في العام 1960، وأقام فيها. ووجدت بأن ثاني رسائل كنفاني، المؤرخة في نو?مبر من العام 1966، يذكر فيها واحد من كتب السمَّان.. وبأنه وزع النسخ التي بحوزته على الأصدقاء في القاهرة، وقد شرحت السمَّان في حاشية الرسالة بأن الكتاب الذي يتحدث عنه كنفاني هو «ليل الغرباء»، الذي صدر أيضا في العام 1966. كتب كنفاني:
 
«وزعت كتبك. تحدثت عنك كثيراً. فكرت بك. بك وحدك..وأنت لا تصدقين .»
 
لم تذهب السمَّان للعيش في بيروت إلا بعد تخرجها من جامعة دمشق، 1963، ولم تتعرف بغسان إلا بعد 4 سنوات من انقضاء الجامعة، بعد أن التقت به أثناء دراستها الجامعية دون أن تعرفه أديباً، وهو ما شرحتهُ السمَّان في حواشي الرسالة أعلاه. لذا قمت باستثناء الأعوام من 1960 وحتى 1964، وصارت الفترة المحددة ما بين 1965 و1966.
 
في تلك الفترة، كان المصور شِبُّو يعمل في صحيفة الحياة اللبنانية ثم اللواء، وفي آخر الستينيات في صحيفة الأنوار، وهي ذات الفترة التي كان كنفاني يعمل فيها في بيروت، كما أنَّهُ ترأَّسَ تحرير ملحق الأنوار حتى أواخر الستينيات، ولم تنقطع علاقته مع الصحيفة والعاملين فيها، حتى بعد أن تركها، ما يعني بأن احتمالات معرفة المصور شِبُّو بكنفاني واردة جداً.
 
إلا إن عثوري على معلومات كثيرة، حول فترة مغادرة بهجت بيروت في العام 1964، ومن ضمنها مقالة في الأهرام للكاتب اللبناني كريم مروة يقول فيها، «في عام 1960 خرج من مصر إلى بيروت. وفي بيروت تعرَّف إلى طلال سلمان وغسان كنفانى وناجى العلي.» وحين غادر بهجت عُثمان بيروت عائدا إلي القاهرة، يقول مروة، « شجعه صديقه أحمد بهاء الدين على العمل معه في دار الهلال. وبدأ يعمل في الدار، لا سيما في مجلة المصور».
 
فكيف يكون بهجت معهما في الصورة؟
 
ارتبَكَتْ مُحصلاتي، ما يعني بأنَّهُ ثَمة خَطأ في تحديدي للفترة التي أالتقطت فيها الصورة، إلا إذا لم ينقطع بهجت عن زياراته لبيروت بين الحين والآخر، ولكنني لم أجد شيئا يثبت ذلك. نظرتُ في الصورة لبعض الوقت، فخطرت في ذهني مسألة في غاية البساطة. تاريخ التلفريك اللبناني الذي يربط بين جونيه وحريصا. وجدتُ بأن التلفريك قد أُسِّسَ وأُفتتح في العام 1965، وهذا يعني بأن الفنان بهجت لا بد وأنه زار بيروت بعد مغادرتها!
 
وللتأكد من أن الصورة التقطت في شهر نُوفمبر، وهو شهر كتابة أول رسائل كنفاني. اتبعت آلية للتدقيق في المعلومة البصرية للصورة، وذلك حين تشح المعلومة التاريخية. بحثت في موقع مُتخصص بالطقس وتاريخه، «weather-atlas». لأجد بأن درجات الحرارة في بيروت وما حولها، في ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، لم تتغير كثيرا، وظلت ما بين الـ 23.2 C العُظمى والـ 16.3 C الصُغرى، وذلك في شهر نوفمبر تحديداً. وعند البحث عن طبيعة بُرودة درجة الحرارة الصغرى في بيروت وما حولها، وما يحتاجه المرء للبسه في مثل هذه الدرجة من هذا الشهر، وجدت بأن المرء لا يحتاج لأكثر من ملابس قطنية أو صوفية خفيفة أو معطف خفيف ليشعر بالدفء.
 
بحثت عن ذلك من خلال الدرجة الصُغرى، لكي تَكون أقرب لدرجة الحرارة المُحتملة في الصورة في غياب الشمس، بدليل عتمة أجواء الصورة، وحيث يُمكن رؤية التماعة الضوء الإلكتروني «الفلاش» للكاميرا، وذلك من خلال ظِلال الأجساد في الخَلفية. وأظن بأن الصورة التقطت في وقت الغُروب، أيضا بسبب ما كتبته السمَّان في مقالتها، بأن هذه الصورة التقطت لهم عند وصولهم بالتلفريك إلى حريصا لتناول طعام «الغداء»، ولم تَقُل «العَشاء»، بالرغم من العتمة. وهو الوقت الذي تغرب فيه الشمس مبكراً، بين الرابعة والخامسة، في شهر نوفمبر في لبنان. وهو ما يتطابق أيضا مع طبيعة المَلابس (خَريفية - شِتائية)، وقد تكون صوفية، تلك التي كانت ترتديها غادة والتي كان يرتديها غَسَّان في الصورة، لذا لا يُمكن أن تَكون الصورة ملتقطة في الصيف، أو في وقت العِشاء.
 
كتب كنفاني في الجزء الأول من الرسالة ذاتها المؤرخة في نوفمبر من العام 1966:
 
«عزيزتي غادة
 
أمامي، هذه الصورة الرائعة التي تذكرني بأشياء كثيرة عينيك وشفتيك...، « ما زلت أنفض عن بذلتي رذاذ الصوف الأصفر الداكن. وأمس رأيت كرات صغيرة منها على كتفي فتركتها هناك» و»لقد تبقت كرات صغيرة من الصوف الأصفر على بذلتي، تتشبث بي مثلما أنا بك، وسافرت بها إلى هنا مثلما يفعل أي عاشق صغير»
 
ما في هذه الرسالة، يَدل على أنها كُتبت بعد لقائهما بأيام، فالناس لا يرتدون الصوف في فصل غير الخريف أو الشتاء. فلقد ذكر كَنفاني في آخر نَصَ الرسالة المُدرجة أعلاه، بأنه سافر مُباشرة من بيروت إلي القاهرة، مرتدياً الملابس ذاتها. ناهيك عن أنه في ذات الرسالة ذَكَرَ بأن بين يديه صورة ينظر إليها، وبسببها تذكر كرات الصوف، وما تركته من أثر على ملابسه. ولا بد من أن الصورة لغادة بطبيعة الحال، وبأن الصورة أيضا ذكرته بصوف معطف أو كنزة كانت ترتديها، وما تركته من أثر على كتفه، ما يشي بأن الصورة لهما معاً! ولم يُعرف صورة تجمع بين كنفاني والسمَّان إلا صورة غلاف كتاب الرسائل.
 
رُبما عرف شِبُّو، كنفاني، بشكل شخصي، فلقد عملا في الوسط الصحفي ذاته. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن «المصور المجهول» هو شِبُّو، على الرغم من الاحتمالات. فهل طلب كَنفاني من شِبُّو تصويره والسمَّان معاً، ومن ثم أرسل كنفاني نسخة لها؟ بحثت في أرشيف الصحف اللبنانية عن مُناسبة تجمع بين كنفاني والسمَّان وبهجت عثمان. لم أعثر على أية مناسبة ثقافية في ذلك الشهر في حريصا، لأقول بأن تواجد المصورين هناك، بعيدا عن بيروت، هو أمر طبيعي.
 
ولكنني حين افترضتُ بأنَّ المُصور شِبُّو لم يَعرف إلا غَسَّان كنفاني، أبعدني ذلك عن تحري أمر آخر: ماذا لو أنه عرفَ السمَّان أيضاً؟ وبأنَّه تواجد هُناك بِموافقتهما معاً، أو بأنَّ السمَّان قد تعرفت على المصور يومئذ، فلماذ إذاً قامت بتذييل صفحة الكتاب الداخلية بـ «المُصور مجهول»؟
 
قررتُ البَحثُ بصرياً في الصورة مرة أخرى. توقفت عن الكِتابة في المقالة، حَين شَعرتُ بأنَّني ذهبت إلي عُمق مُرْهِقٍ في العِلاقات التاريخية بين شخصيات الصورة، وبين البَحثِ عن دلائل مَعلوماتية مُحَقَّقَة لتفنيد ما يُربك بَحثي. طبعت هذه المرة غِلاف كتاب الرسائل، وألصقته على الجدار. تمعنت به بشكل متقطع لبضع ساعات، ثم لَمَعتْ في ذِهني مسألة استخدام «الفلاش» الضوئي الكهربائي من قِبَلِ المُصور!
 
كَيف يُمكن لأن يَقوم مُصور بالتقاط صورة ليلية مُستخدماً التماعة ضوء قوية، ومن هذه المَسافة القَريبة، دون أن ينتبها لذلك كَنفاني والسَمَّان، وأن يَظل المُصور مَجهولاً؟! ناهيك عن حقيقة أن الصورة وصلت لغادة السمَّان، فكيف يكون مَجهولاً لكنفاني ولها؟ قد يقول البَعض بأن الظِلال التي في الصورة ليس نتيجة استخدام «فلاش كهربائي» وإنما بِفعل «كشَّاف ضوئي»، وهو ما تنفيه زاوية سقوط الضوء، وحجم الظِلال ومكانها، والتي تشي بأن مصدر الضوء قادم من ارتفاع منخفض لا يتجاوز ارتفاع الأشخاص الذين في الصورة، وهو ليس الارتفاع الذي تضع فيه الكشافات الضوئية.
 
بدأت بالبحثِ عن تَقاطع واضح في فترة عَمل السمَّان ونشر مقالاتها، وتواجدها في بيروت، فتقاطعت مع فترة عمل شِبُّو في الصحافة البيروتية، فوجدت تقاطعات كثيرة. دفعني ذلك إلى تصَفُّحِ مقالات السمان التي نُشرت في الصحافة اللبنانية، وتلك التي لم تنشر من قبل، بَحثا عن أية مَعلومة، تُدَّعم احتمالات أن يَكونَ شِبُّو هو مُصور صورة الغِلاف، أو أن غادة السمَّان تَعرفهُ.
 
تصفحتُ بعض كُتبها التي جاءت في سلسلة بعنوان «الأعمال غير الكاملة»، وفيها المقالات المنشورة وأخرى غير منشورة، بَحثا عن أي شيء يفيد بحثي. بعد يوم من تصفح كتبها، تذكرت عبارات يتناقلها الكثير من المصورين والمصورات حول المصور الفوتوغرافي، ومنسوبة لغادة السمَّان. العبارات هي:
 
«المـصور: إنسان نـادر .. له أنامل نـشال .. وعينا قـط بـري .. وذاكرة جاسوس .. وطموح مـؤرخ .. ورؤيـا شـاعر .. ومعدات فلكي .. وصبر بـاحث في مختبر .. وجرأة فـدائي ..»
 
كان لا بُد من تصفح كامل السلسلة للعثور على المقالة الأصلية. فوجدتها في «ع غ تتفرَّس»، الجزء الثامن، والمنشور في العام 1980. وَجَدتُ المقالة التي كتبتها السمَّان بعنوان، « عين غ تتفرَّس في التصوير الفوتوغرافي». قرأتها كاملة، لأفاجأ بأنَّ المصور» شِبُّو» مَذكور فيها بالاسم، مع وصف إحدى صوره! وهو ما يعني حتما بأن السمَّان كانت تَعرف المصور شِبُّو قبل نشر كتاب رسائل كنفاني. فهل حصلت السمان على الصورة بشكل مُباشر من شِبُّو؟ وإن كان ذلك صحيحاً، فلماذا وضعت في الكتاب بأن «المصور مجهول؟ هل من المُمكن أن يكون السبب هو أنها هي من طلبَت من شِبُّو أن يأتي ليصورها مع كنفاني في هذا المكان، وبأنَّها هي من زودت كَنفاني بنسخة من الصورة، وليس العكس؟ من الضروري الإشارة هُنا إلى أن السمَّان هي التي اختارت وقررت مكان تناول طعام الغداء، وليس كنفاني.
 
أثناء بحثي هذا، في كل ما قالته وكتبته غادة السمَّان عن كتاب رسائل غسان كنفاني لها، قرأت عبارة كررتها غادة السمان أكثر من مَرة وهي: «متى نعترف بـ «أدب الاعتراف»؟ وذلك في مُحاولاتها المُتكررة لتبرير نَشرها رسائل غسان كنفاني. فهل أجرؤ علي أن أدعو غادة السمَّان، بأن تقدِّم اعترافات بسيطة. من هو المًصور الفوتوغرافي الذي التقط هذه الصورة، وهل كان فِعلاً هو محمد شِبُّو؟ أو من أين حَصَلت على الصورة؟ الصورة هذه كان لها الأثر الكبير في الأوساط الصحافية والأدبية العربية عندما نُشرت أول مرَّة، والمُصور الذي كان يقف خلف الكاميرا لحظتئذ هو إنسان له إسم ووجه، وليس شخصاً مَجهولاً. سواء كان ذلك المصور هو محمد شِبُّو، وهو ما أميل لتصديقه، بسبب الدلائل والمُعطيات آنفة الذكر، أو بأن المُصور هو شخص آخر. ولكن في النهاية، ما أنا مُتأكد منه؛ بأنَّ غادة السمان تعرفُ هوية مُصور الصورة أو مصدرها، وإلا ما كانت لتحصل عليها، فالصورة حتماً لم تهبط عليها من السماء.
 
*فوتوغرافي وكاتب فلسطيني أردني - تشيلي