Friday 5th of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Jan-2021

لغة الحُبِّ الخَشَبيَّةُ

 القدس العربي-توفيق قريرة

اللغة الخشبيّة هذه الطريقة الممجوجة في الكلام، التي تنسب في الغالب إلى السّاسة، ولاسيّما في الأنظمة الكليانية ليست في الحقيقة مقصورة على الساسة، بل توجد حتى في أعذب الكلام وأحبه إلى النفوس مثل الحبّ؛ وهي ليست في الأنظمة الكليانية فقط، بل توجد حتى في أعتى الأنظمة ديمقراطيّة.
تعني اللغة الخشبية في المعاجم التي تعترف بها، طريقة جامدة للتعبير عن الذات تستخدم القوالب النمطيّة والصيغ الثابتة، وتعكس الموقف الدوغمائي، وفي السياسة يكون الخطاب خشبيّا إن كان خطابا دوغمائيا ليست فيه أفكار جديدة.
وبالمناسبة ليس الخشب هو الميدان الاستعاري الوحيد الذي تبنى به أفكار الناس حول هذه اللغة المتكلسة، بل نجد استعارات أخرى ففي الروسيّة تسمّى هذه اللغة لغة البلوط (في تونس نقول يكفي من الكذب والبلوط) وفي ألمانيا تسمّى لغة الإسمنت المسلّح، وتسمّى في الصين لغة الرصاص.
كتب كثيرون حول اللغة الخشبية ويمكن أن نشير إلى أثرين بالفرنسية، الأوّل عنوانه «اللغة الخشبية « لفرنسواز توم، والثاني «تاريخ اللغة الخشبية» لكريستيان دالبورت. في الأثر الأوّل يدور الاهتمام حول اللغة الخشبية في استعمالات السلطة الشيوعية، وكيف أنّها باتت لغة أكثر من كونها طريقة بسيطة في التعبير، وصار لها نحوها الخاصّ ومعجمها وأسلوبها الذي يميزها، بل حتى طريقتها في الإلقاء. اللغة الخشبية في هذا الطرح هي المقابل للغة الطبيعية التي يتكلمها الناس العاديّون يوميّا، ويصفون بها واقعهم، في حين تسعى اللغة الخشبية إلى أن تكون بديلا من الواقع، بل تطمح أن تكون الواقع نفسه تقول فرانسواز ثوم: «كان أورويل أول من أدرك أنها لم تكن لغة مثل أي لغة أخرى، مثيرة للضحك وغير ضارة تمامًا، ولكنها تحول للغة في اتصال مع الأيديولوجيا».
وفي الكتاب الثاني يؤرّخ المؤلف للغة الخشبية في السياسية الفرنسيّة، بدءا من الثورة الفرنسية التي خلقت جملا خشبية صغيرة من نوع جملة Danton عام َ1792 حيث يقول: «شيء من الجُرْأةِ، كثير من الجرأة، الجرأة دائما وأبدا؛ وصولا إلى أعلام السياسية الفرنسية المعاصرة من اليسار أمثال الاشتراكي فرنسوا ميتران، أو اليمين مثل ماري لوبان، بل إنّ هناك نحتا للغة خشبية جديدة التي نجدها على لسان ساركوزي، تجمع بين لغة الشباب واللغة الفظة التي توهم الناس بقول الحقيقة. لن ننسى ونحن نقدّم هذا العرض عن المنشورات الفرنسية لكتب تحدّثت في أطر سياسية محض عن اللغة الخشبية، كتابا معروفا للسياسي الفرنسي Jean François Copé عنوانه «أعدكم أن أتوقف عن اللغة الخشبية». لكن هل يمكن أن يغيّر السياسي لغته بالسهولة التي يغير فيها الأفعوان ثوبه؟ وهل يغيّر الأفعوان السياسي ثوبا قديما بثوب جديد؟ أم هو يعيد حياكة ثوب جديد لكن بالقماش نفسه والطول والألوان ذاتها؟ في مقال له مهمّ حول الجذور البلاغيّة للغة الخشبية يرى Bernard Valde أنّ اللغة الخشبية تستعمل اللغة الطبيعية، لكنّها تجعلها متطرفة. يبدو أنّ هناك موضعا وسطا بين قوة الخطيب وحكمة الفيلسوف هو الذي تقع فيه اللغة اليومية، وأنّ مستعملي اللغة الخشبية هم قوم ضاعت بوصلتهم، وهم يبحثون عن قوة إقناعيّة للخطيب، وهدوء الحكمة الفلسفية التي تبالغ في الحذر، وهي تختار كلماتها البسيطة كي تصوغ حقائق حول جميع الأشياء التي يمكن أن تكون ملقاة على الطريق لكنّه لا يهتدى إليها.
 
ثقل اللغة الخشبية له دليل شعوريّ لدى التلقّي، وله دليل علميّ عند الدراسة. الدليل الشعوري هو ما يجعلك وأنت تسمع اللغة الخشبية أنّك إزاء شيء مكرور، قيل لك سابقا وبالعبارات نفسها.
 
هناك إشكال أبديّ يقضّ مضجع من يخاطبون الناس المحتشدين من أجل سماعهم ومن بينهم الساسة، هو التوفيق بين ما عند الناس من معرفة فطرية بالأشياء وهي التي تسمّى الحسّ المشترك، أو البديهات وحقيقة الأشياء كما يعقلها هؤلاء الخطباء. تقتضي البلاغة في معناها الحجاجي أن يغيّر الخطباء الحسّ المشترك الذي في الأفراد، باستعمال طرائق بلاغيّة معيّنة. الإشكال في اللغة الخشبية هو أنّ ذلك المفعول التأثيري الحجاجي، الذي يريد أن يحمل الناس على أن يغيروا ما لديهم من بديهيات، لا يعمل بالشكل الناجع، أو أنّه يعمل لفترة ثمّ يتوقف. أمر آخر يجعل الإحساس باللغة الخشبية ثقيلا هو الخلط بين الدور الإقناعي الذي هو من مهمّة أيّ خطاب حجاجي يتوسّل بالحجّيّة المتحرّكة، والمتفاعلة مع الطرف السامع، والدور الخطابي الذي فيه تنميق للكلام. يحدث في اللغة الخشبية إذن تداخل عجيب في الوظائف البلاغية الأساسيّة: الإقناع وفي الآن نفسه حسن البيان أي بين أن تكون اللغة وسيلة حجاج، أو أن تكون هي نفسها مركز تأثير.
نحن نعتقد أنّ اللغة الخشبية ليست شأنا سياسيا فقط، بل هي موجودة في كل
خطاب يريد حمل المخاطب على الإيمان بشيء، أو تغيير سلوك وهذا يمكن أن يكون حتى في أحلى الأنشطة الكلامية الفردية والشعورية، نعني في خطابات العشق المسروقة، وما أكثرها، أو في خطابات العشق الحميمية. لا يوجد حبّ من غير لغة، بقطع النظر عن تلك اللغة أهي ملفوظة أم إشاريّة، لكنّ الحبّ غالبا ما نظر إليه على أنّه لغة حريرية أو قطنيّة أو مخمليّة، لكن أن يكون الحب نفسه لغة خشبيّة فذلك ممّا لا يليق بعاطفة كالحبّ يهواها الناس ويتمنون أن تتوقف الكتابة عند أبوابها دهورا.
ثقل اللغة الخشبية له دليل شعوريّ لدى التلقّي، وله دليل علميّ عند الدراسة. الدليل الشعوري هو ما يجعلك وأنت تسمع اللغة الخشبية أنّك إزاء شيء مكرور، قيل لك سابقا وبالعبارات نفسها. تعدّ الجملة أنا أحبّك بالفصحى ومثيلاتها المكرورة باللغات العامية «بموت فيك» من أقدم الجمل تعبيرا عن الحبّ بين الشعوب العربية، ليس قدمها هو الذي يجعلها خشبية بل استعمالها النمطي stereotype الاستعمال النمطي للعبارات هو الذي يشيعها في مرحلة أولى ليجعلها لباسا شعبيّا عامّا، ثمّ يقتلها في مرحلة لاحقة. أن تقول أحبّك ليس في الشيوع نفسه الذي تقول فيه للتاجر أريد علبة كذا.. لأنك تشتري باللغة في يومك أكثر ممّا تحبّ بها، لكنّه قول نمطي يقال كلّما دعيت إلى أن تعبّر عن حبّك لأحد. نمطيّة الاستعمال تكمن أيضا في الصور النمطية اليومية، التي نستعملها للحبّ مازلنا ونحن نبالغ في الشكوى من وقع الحبّ، نستعير له صور الموت أو الجنون، مازال صدى صوت عمر فينا وهو يقول: (ليس حبّ فوق ما أحببتكم غير أن أقتل نفسي أو أجن) أو قول جميل (وما ذكرتكِ النفسُ، يا بثنَ، مرةً من الدهر، إلا كادت النفسُ تُتلَف). حتى اللغة الشبابيّة التي هي مزيج من التجريب والجدّة، لم تستطع التخلّص من هذا التصوّر النمطي لصياغة الحبّ قولا. من الناحية الطرازية في المحادثات الغرامية، هناك بداية لم يثر عليها الناس في الغالب هي مرحلة إعلان الحبّ، أو التصريح به: أن تقول لمن تعشق إنّك تحبّه. خشبيّة اللغة نابعة من ثبات الاستراتيجية التي بها ننخرط في الحديث عن الحب لمن نحبّ. مقام الحضور عند إعلان الحب هو مقام يفرض لغة مخصوصة غالبا ما تخلو من الإبداعية والتمرّد، سواء أكان الأمر عند استعمال اللغة أو عند استعمال علامات أخرى بديلة عنها. المواضعة على الورد ولونه، وعلى العين وغمزتها ونظرتها، هي مواضعات قديمة ونمطية، ولربّما هي أقدم حتى من أقدم عبارات في الحبّ إذ لسنا نعرف ماذا قال أبونا آدم لأمنا حواء قبل أن يغادرا الجنان في حكاية التفاحة الشهيرة، التي ابتلعناها وبقيت عالقة بحلوقنا إلى اليوم.
 
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية