Wednesday 28th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    08-Oct-2020

في ظل عصر الصورة… هل الأدب في طريق الزوال؟

 القدس العربي-مولود بن زادي

أسئلة كثيرة تتردد منذ سنوات طويلة عن مصير الكتاب التقليدي – بما في ذلك المؤلفات الروائية والأدبية المكتوبة في زمن التكنولوجيا. كثير من الباحثين يرى أن الكتاب الكلاسيكي، شأنه شأن الصحف الورقية، وكل المنشورات المطبوعة، يمضي في طريق الزوال، ليخلفه الكتاب الإلكتروني. وإن كان هذا التحول يثير مخاوف كثيرين، إلاَّ أنه في واقع الأمر يبدو أمرا طبيعيا، منطقيا، مقبولاً، متوقعا بعد الغزو التكنولوجي، وأي عيب إن انصرف اهتمام الجماهير عن الكتاب التقليدي إلى الكتاب الإلكتروني، وبقيت المحتويات الأدبية والفكرية والعلمية المطبوعة، على قيد الحياة في قالب جديد إلكتروني، يستطيع الوصول إلى كل أنحاء العالم في ظرف ثوان، بما في ذلك الأماكن البعيدة والمعزولة التي لا يبلغها الكتاب الورقي؟
المثير للقلق في الحقيقة، خطر الموت المتربص بالكتاب بكل أصنافه، بثوبه الكلاسيكي والإلكتروني معا، النابع عن سرعة الحياة في هذا العصر، والرواج المتسارع لثقافة الإنترنت واكتساح وسائل التواصل الاجتماعي، التي صرفت اهتمام القارئ إلى عالم يوفر مادة غنية وفضاء متفاعلا يستطيع المرء المشاركة في أدواره، فضلا عن خطر (الصورة) التي أخذت أشكالا وألوانا وأبعادا، مستفيدة من التطور التكنولوجي، مكتسحة كل مجالات الحياة، تحمل في طياتها خطابا دالا، وقدرة فائقة على خطف الأنظار والتأثير المباشر في المتلقي.
 
وتيرة حياة سريعة
 
إنّ أعظم خطر يتربص بالكتاب في عصرنا، وتيرة الحياة المتسارعة، وليس التكنولوجيا في حد ذاتها، كما يتصور كثيرون. ففي غمرة الحياة المتسارعة، وجد الإنسان نفسه في صراع دائم ضد الساعة.. صراع يومي مجهد يطبعه تهاطل المعلومات، وتراكم الأعمال والواجبات، ما أثقل كاهل الإنسان، وجعله يعمل لزمن أطول على حساب إجازته ووقت راحته. وها هي سرعة المواصلات تختصر المسافات، وتقرّب الدول والقارات، وتحول عالمنا إلى قرية صغيرة يتواصل فيها البشر، من خلال منابر التواصل الاجتماعي المعروفة بارتفاع حجم المنشورات والتفاعل. وها هي الرسائل النصية القصيرة، ورموز الإيموجي تخلف الرسائل المكتوبة الطويلة. وها هي منشورات السوشيال ميديا الترفيهية المتنوعة المرفقة بالصور والفيديوهات تخلف الكتبَ والصحف بكل أصنافها.
 
الصورة تسرد قصة
 
والسؤال الملحّ حينئذ: ما سرّ تفوق الصورة والفيديو على النص – بما في ذلك النص الأدبي؟ جملة من العوامل تملي هذا الواقع، نذكر منها سهولة استيعاب الصورة مقارنة بالنص، ما يجعلنا نقول بكل ثقة، إنّ الصورة من أكبر الأخطار التي تحوم بالكتاب. وقد ترددت عبر التاريخ أقوال متعددة تشيد بأهميتها، من أشهرها عبارة «استخدم الصورة فإنها تساوي ألف كلمة». ففي عالم سريع الحركة، ما أحوج الإنسان، الذي يعاني من تراكم مشاغل الحياة، والإجهاد وضيق الوقت، إلى فضاء يغنيه عن مشقة القراءة، والصورة أجدر بلعب هذا الدور، وكيف لا وهي قادرة على سرد قصة كاملة؟ إنها الصورة التي تلامس كل جوانب الحياة. والانستغرام، وبنترست، ‏وتمبلر، وسناب شات، ليست سوى بعض منصات الشبكات الاجتماعية، التي لا غنى لها اليوم عن الصورة.
 
التحفيز البصري
 
عامل آخر يساهم في تفوق الصورة على النص (التحفيز البصري) الذي يسمح للدماغ باستهلاك المواد المرئية بسهولة وسرعة أكبر من النصوص. فالإنسان عندما يقوم بقراءة مقالة أو كتاب، عادة ما يحتاج إلى بذل جهد كبير لمعالجة الكلمات ذهنيًا، لفهم ما يحاول المؤلف إيصاله إلى المتلقي. ويحتاج إلى معرفة لغة الكتابة، فهو بذلك عاجز عن فهم ما يكتب بلغات أخرى لا يتقنها. وعكس ذلك تماما، يستطيع الإنسان أن يستوعب معنى الصورة، بدون الحاجة إلى كثير من الشرح مهما كانت اللغة التي يفكر بها ملتقط الصورة أو مصممها. فالإنسان بطبيعته يستجيب بشكل أفضل للمعلومات المرئية مقارنة بالنصوص المكتوبة، ويملك قدرة على استيعاب الصور والفيديوهات بسرعة تفوق سرعة استيعابه النصوص المكتوبة، أو بعبارة أخرى وبلغة الأرقام، نقول إنّ 90٪ من المعلومات المنقولة إلى الدماغ هي معلومات مرئية، وأن المرئيات تتم معالجتها في الدماغ بسرعة تزيد عن 60 ألف مرة سرعة النص.
 
لقد كان الإنسان في الماضي يملك متسعا من الوقت للقراءة التي كانت تعد وسيلة ترفيه مثلى يملأ بها فراغه. واليوم، وفي عالم السرعة والسوشيال ميديا، لم يعد له وقت ولا صبر لقراءة كتب طويلة، يكتنف بعضها الغموض واللف والدوران، ما يصعب فهمها.
 
عملية فك التشفير
 
والإنسان عندما يقرأ مقطعا من نص ما، تحدث في عقله عملية فك تشفير طويلة ومعقدة إلى حد ما. فهو لا يكتفي بالنظر إلى الأشكال المكتوبة، وإنما يحتاج إلى عملية ترجمة الرموز المكتوبة، لفهم المعلومات التي تنقلها. وما يعقِّد عملية الترجمة هو احتواء الكلمات على معاني مختلفة، فلا يمكن بذلك تحديد مقدار الزمن الذي تستغرقه عملية الترجمة هذه. وعكس ذلك تماما، يستطيع عقل الإنسان امتصاص كميات كبيرة ومعقدة من البيانات والمعارف من الصورة وبطريقة أسرع من النص.
 
تأثير اللاشعور
 
للاشعور بالغ التأثير في تصرفات الإنسان، إذ يستطيع أن يتدخل ليبلغه بما هو أهم وأولى باهتمامه، وعادة ما يصده عما هو معقد ومُرهِق للذهن، فتكون الغلبة عادة للصورة على حساب النص، وهو ما تؤكده الأبحاث العلمية. فقد أكدت الدراسات أنّ المقالات ذات المحتوى المرئي تحصل على نسبة قراء تتجاوز حد 94٪ من تلك التي تحتوي على مجرد نصوص، وتحظى المنشورات الصحافية الموضحة بصور بنسبة مشاهدة تتجاوز 45٪. هذا الواقع ينعكس أيضا في مواقع التواصل الاجتــماعي، حيث تلــــقى المنشورات المصحوبة بصور نسبة مشاهدة وإعجاب وتفاعل، تفوق المنشورات التي تكتفي بنصوص.
ولعل أبسط مثال لتوضيح هذا التفوق، أنّ روائيا نشر مؤخرا صورة غلاف روايته الجديدة في صفحته فحصد المنشور أكثر من 500 إعجاب، وعندما نشر فصلا من الرواية نفسها، لم يتعد الإعجاب نسبة 15٪، الاختلاف كان ملحوظا عندما نشر اقتباسا وجيزا في شكل صورة حيث تجاوز الإعجاب 50. وهكذا فالإنسان الذي يعود إلى منزله بعد يوم طويل ومجهد، ويفتح هاتفه الذكي ليتفقد الفيسبوك قبل النوم، سينجذب لاشعوريا نحو المنشورات المرفقة بصور، فهي أسهل للفهم وأكثر متعة من النصوص التي تتطلب تركيزا وجهدا فكريا وزمنا أطول للتحليل والفهم.
 
تخلف الأدب عن الركب
 
مع أنَّ شبكات التواصل الاجتماعي حديثة النشأة، إلاَّ أنها كانت السباقة للتغير والتكيف مع الواقع الجديد بما في ذلك (تويتر) عملاق مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت، الذي أطلق عام 2006 معتمدا في أصله على النصوص، حيث يتواصل المستخدمون برسائل تدعى «تويتس» بمعنى تغريدات. كان ذلك في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2013، عندما أعلن تويتر عن تحديث يضفي مزيدا من الوضوح والجاذبية على شبكته، معطيا الضوء الأخضر للمستخدمين بنشر عينات صور ومقاطع فيديو، مع خيار النقر عليها لمشاهدة المزيد، متحررا من جدوله الزمني التقليدي المتمثل في نص لا يتجاوز 140 رمزا.
لكنّ المؤلفات الأدبية – بما في ذلك الرواية – لم تتغير ولم تتكيف مع الواقع الجديد الذي أفرزه عصر السرعة، فما زال المؤلِّف حتى يومنا هذا يتصور أنّ الأعمال الناجحة هي الأكبر حجما، وما زالت الرواية تصدر في مئات الصفحات، وفي حجم المجلدات أحيانا، ما يفسر إلى حد ما التراجع المتزايد للقراءة في العالم، منذ مطلع القرن الجاري. صحيفة «نيويورك تايمز» تؤكد ذلك وتقرع ناقوس الخطر: بين عامي 2003 و2016، انخفض مقدار الوقت اليومي الذي يخصصه المواطن الأمريكي العادي للقراءة من 0.36 ساعة إلى 0.29 ساعة.
لقد كان الإنسان في الماضي يملك متسعا من الوقت للقراءة التي كانت تعد وسيلة ترفيه مثلى يملأ بها فراغه. واليوم، وفي عالم السرعة والسوشيال ميديا، لم يعد له وقت ولا صبر لقراءة كتب طويلة، يكتنف بعضها الغموض واللف والدوران، ما يصعب فهمها. وها هي أطنان الكتب تغرق الأسواق والمكتبات ومعارض الكتب تتعدى بكثير الطلب. منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) تؤكد أن مقدار الكتب المنشورة سنويا في العالم 2.2 مليون عنوان، فضلا عن زخم المؤلفات المنشورة عبر التاريخ، والكتب المتاحة للقراءة والتحميل مجانا في شبكة الإنترنت، ومنشورات صحف إلكترونية متزايدة، ومدونات، وبلوغات وغيرها.
 
التكيف مع العصر
 
واليوم، في عصر قطارات «الرصاصة» والوجبات السريعة والرسائل النصية القصيرة، لا مفر من إعادة النظر في الكتابة الأدبية وإعادة صياغتها في قالب جديد يساير وتيرة الحياة المتسارعة. من الخيارات الممكنة تحرير الكتب الأدبية من التضخيم والإطناب والتعقيد واللف والدوران، وبدلا من ذلك، الاختصار والتركيز على الأفكار وتبسيط المعاني. ونظرا لهيمنة الصورة، من الحلول الأخرى الممكنة إعارة الاهتمام إلى (الاقتباسات على الصور) التي تتضمن صفوة الأعمال الأدبية، وتحظى في عصرنا باهتمام بالغ في منابر التواصل الاجتماعي، وتسهل ترجمتها إلى كل لغات العالم، تثير انتباه المتلقي بسرعة أكبر، ولا تجهد فكره، ولا تعطل تركيزه مثلما تفعل النصوص الطويلة المعقدة.
 
٭ كاتب جزائري