Tuesday 17th of October 2017 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    01-Oct-2017

صرخةٌ في واد! - د. لانا مامكغ
 
الراي - بدا فكرةً رومانسيةً بجدارة حين اقترحتُ على العائلة الخروجَ في نزهةٍ يومَ الجمعة الماضية تحت عنوان: لنودّعَ الصّيف ولنستقبلَ الخريف...!
 
وبحماسةٍ وفرح، توجّهنا نحو غابةٍ قريبة من منطقة تلِّ الرَّمّان حيث اصطفت أشجارٌ باسقةٌ بانتظامٍ جميل كإشارةٍ إلى أنَّها كانت قد زُرعت في زمنٍ ما باهتمام وحرصٍ ومحبّة... كانت تقف بشموخ وصبرٍ وترقّب لموسمٍ الشتاء القادم عسى أن يعيدَ لها الخضرة والرّوحَ والرّونق بعد صيفٍ قاسٍ طويلٍ حارّ...
 
في اللحظة التي قرّرنا فيها الجلوسَ والاستقرار؛ كانت المعاناة الأخرى التي أنهكتنا نحن هذه المرّة، وإن كدتُ أجزم أنَّ الغابةَ بأسرها كانت تئنُّ منها... أكوام ٌوأكوام من النّفايات المتناثرة على مدِّ النّظر؛ ممّا استدعى منّا الشّروعَ في عمليّة تنظيفٍ دقيقة خاصّة مع وجود بعض قطع الزّجاج المكسور، ونفاياتٍ أخرى من كلِّ نوعٍ وشكلٍ ولون !
 
ترتّبَ على ما سبق طبعاً؛ منعُ الأطفال من الحركة حولنا أو التجوّل... فاجتاحتني التّداعيات الحزينة؛ لماذا هذا الانتهاك السّافرُ لبراءة هذا المكان ؟ كيف سيكون المشهدُ هنا بعد الشّتوة الأولى؟ كم من السّنوات تحتاجُه هذه المواد الطّارئة على الطّبيعة للتّحلل ؟
 
هذه ظاهرةٌ أُشبعت كتابةً ونقداً وندْباً... ولم تختفِ ولم يستطع أيٌّ منّا تعديلَ سلوك هذا النّموذج من النّاس، أهي ظاهرة تشي بخصومة بينهم وبين المكان مثلاً؟ أم هي خصومةٌ مع النّظافة أم مع الجمال والذّوق ؟ وكيف نجحت شعوبٌ أخرى فيما فشلنا نحن به ؟ ماذا عن ثقافتنا البيئيّة ؟ ما هو دورُ وسائل الإعلام في نشرها ؟ ماذا عن الجامعات والمدارس وخطباء المساجد ؟ هل تكفي حملات النّظافة الموسميّة التي تبادرُ بها بعضُ الجهات ؟ أمَّ أنَّ الأصلَ في الأمور هو ألا نُلقي ونرمي وننشر النّفايات بدايةً... ما هو السّبيل لإقناع بعضهم بالتوّقف عن هذا السّلوك العجيب المؤذي الضّار القاسي ؟
 
ثم ماذا عن أنظمة إعادة التدوير؟ ما هو موقف مئات الشّركات المحلّية المنتجة للمياه المعلّبة في قوارير بلاستيكيّة ؟ وأين تذهبُ أعدادُها الفلكية بعد الاستخدام ؟
 
هل ثمَّة سياساتٌ واضحة حاسمة في هذا الشّأن؟ هل تكفي الجهودُ الخجولة لبعض الجمعيات هنا وهناك؟ يُقال إنَّ دولة مثل السّويد تحتلُّ المرتبة الأولى في استيراد النّفايات لتولّد منها طاقة كهربائيّة... كما أنَّ العالمَ المتحضّر كلّه بات مؤرّقاً بتقليلِ حجمِ نفاياته، والاستفادة من العوائد الاقتصادية العالية لإعادة التّدوير.
 
لكن أجزم أنَّ المشكلة في منطقتنا ليست في النّفايات... بل هي فيمن يلقيها !
 
لأعيدَ صياغة الأسئلة السّابقة في سؤالٍ واحد موجع: كيف نزرعُ الذّوق ؟ ما هي الوصفة بالضّبط ؟
 
أنظر إلى أسطح منازلنا التي نحوّلها إلى مستودعاتٍ بائسة لخردواتنا ! وماذا عن أصص النّباتات الجميلة في بعض مؤسساتنا، تلك المطعونة غالباً بأعقاب السجائر... وماذا عن الفوضى والإهمال وأكوام الغبار في ثنايا مكاتبنا ؟
 
بعضُ الظّرفاء من القرّاء يقولون إنّي لم أعد أكتب مقالاتٍ رومانسيّة كالسّابق... أقسم إنّي خرجتُ في تلك الرّحلة بحثاً عن تجربةٍ جماليةٍ حالمة توحي لي بما يتمّنون، لكن مع انتهاء ذلك النّهار، وانهماكي برصْف الأكياس السّوداء في صندوق السّيارة؛ كانت الرّومانسيّة قد تلاشت بعيداً نحو الأفق الكابي لأعود إليكم بهذه المقالة التي أعرفُ مسبقاً أنّها مجرّدُ صرخةٍ في واد !
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات