Friday 27th of November 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    06-Nov-2020

في العبور الأجناسي وكيفياته

 الدستور-د. نادية هناوي/ العراق

 
تعد قضية التجنيس اليوم قضية شائكة كتحصيل من تحصيلات التقدم التقني والانفجار المعرفي والتطور النظري الذي طرأ على مختلف المجالات المعرفية وفروعها الحياتية التطبيقية المتعلقة بالعلوم البينية والفلسفة ما بعد الحداثية. وما ترتب على ذلك من دواعٍ للعبور بالمنهجيات والتخصصات والاستراتيجيات والآداب، نحو عتبات القرن الحادي والعشرين الفكرية ومقتضياته الاجتماعية السائرة باتجاه التنوع والاندماج والانفتاح على مختلف الفضاءات. وتقوم نظرية العبور الاجناسي على رؤية عملية لكيفيات الإبداع، وما يكتنفها من رؤى تتبنى عبرها بعض أدبيات الحداثة الغربية وطروحاتها النقدية، الأمر الذي يشترط توفر الإمكانيات التي بها يغدو الجنس عابرا لغيره من الاجناس او الانواع او الفنون ببينية التداخل والتهجين التي تجسِّر المسافة بين جنسين أدبيين أو نوعين فيتولد عن ذلك أنواع مخصَّبة وأجناس مركبة، لكنها جميعها مندرجة بلا محددات في الجنس الأصل وليس تخطيا لمشكلة الأجناس الأدبية وحدودها، لأن من غير الممكن أن نتخطى جنسا او حقلا لكن من الممكن الدمج والإبدال، فمثلا نجد أن تداخل الرواية والتاريخ لا يعني إلغاء أحدهما للآخر؛ وإنما هو تفوق كتابة على كتابة لتكون في هوية سردية جديدة، والرواية هي الأقوى لأنها الأصل على أساس أنّ التاريخ سرد. ولا يتطلب امتلاك هذه الهوية مطابقة في السياقات أو المرجعيات.
 
ومعلوم أن ليس من المتاح ولادة الأجناس؛ إلا بالارتقاء الذي به يتحول نمط أو شكل إلى نوع ثم إلى جنس، وكان فلاديمير بروب قد انبرى منظِّرا للحكاية الشعبية بوصفها نوعا أرتقى ليكون جنسا أصلا ومستقلا هو القصة التي هي وحدات بنائية وتنسيق شكلي، كأمر منطقي لا غبار عليه ما دام خاضعا لعامل التسلسل التاريخي الذي به تطورت وحدات القصة من كونها غير متواصلة، إلى أن تكون متوالية أو متتابعة، سواء في الوظائف التي هي مختلفة في كل واحدة منها عن الأخرى أو في الفواعل وطبيعة عملها.
 
بعبارة أخرى نقول إن ولادة جنس جديد أصيل هي في المبتدأ والمنتهى تاريخية تقتضيها منطقية التطور الأدبي ومتطلبات التذوق الجمالي. وهي ليست إرضاء لهوى أحدهم أو استمالة لرؤية معينة تريد الخروج من كبوة ما، ولا هي انفعال وأهواء طارئة ومزاجية؛ بل إن ولادة جنس معين هي استدلال واحتجاج تتم البرهنة عليه عمليا من خلال مواضعات مبتكرة وأصيلة.
 
ولا عجب أنّ تكون مثل هذه الولادات غير يسيرة بالمرة، وقد لا يظهر أصلا خلال قرن أو قرنين أو أكثر جنس أصيل واحد، وربما يظهر جنسان أو أكثر. ويتوقف الأمر على طبيعة التطور التاريخي ونماء الأذواق وتغيرها، وهكذا شهد القرن التاسع عشر مثلا ظهور القصة القصيرة التي استطاعت بالتطور التاريخي للأذواق أن تصبح في زماننا جنسًا يوصف بأنه مستقل ويراد له اليوم أن يكون عابرًا ليستولد داخله أجناسًا أو أنواعًا هجينة شتى. ومثل هذا التطور التاريخي شهدته الشعرية العربية في منتصف القرن العشرين فظهرت قصيدة النثر التي مكنّتها مرونتها وتماشيها مع التطور التاريخي والذوقي أنْ تكون جنسًا مستقلا وفي الوقت نفسه أن تكون قابلة لهضم أنواع داخلها لتمتعها بالعابرية الإجناسية التي تسمح لها بالاتساع والتفريع لأنواع وبأشكال مختلفة.
 
وبهذا تكون القوانين التي بها يبتدع النوع ثم يتأهل ليكون جنسًا، محصورة في التاريخ الأدبي والتذوق الجمالي سائرة على معايير داخلية ومحققة وظائف خارجية، بوسائل كافية لأن تحقق بدورها أغراضًا موضوعية بوظائف فنية. وهناك أنواع تفرعت عن النثر كالخرافة والأسطورة والسيرة والمذكرات والرحلة والحوليات التاريخية والمثل والنكتة هي شواهد على تطور الإجناسية النثرية غير أن لا واحد من تلك الأنواع استطاع إلى الآن على الأقل أن يتجاوز الفرعية ليكون جنسًا مستقلًا. وفي هذا دليل على صعوبة تطور الأشكال الأدبية في انتظام نماذجها بحدود التصنيف الإجناسي وأبعاده النظرية المحددة.
 
ولنضرب مثلا بالرواية التي كانت سمتها الإجناسية في مرحلة متقدمة من تطورها التاريخي قد اتخذت شكلًا تاريخيًا؛ فعرفت بالرواية التاريخية، لكن التسمية ظلت تفريعًا بنائيًا هو نوع كتابي وليس جنسًا يستقل استقلالا تاما عن الرواية. والأجناس ليست هي الفنون، من منطلق إنتاجي فيه الفن أوسع من أن يقنن وأرحب من أن يقولب. وهذا هدف التجنيس الذي من سماته الاصطلاحية التحديد والتقنين والتقولب.
 
وهذا ما يؤخذ بنظر الاعتبار أيضا في عملية العبور الاجناسي التي يتطلب فيها الاعتراف بإمكانية الجنس على العبور توفر القناعة النظرية بالامكانية الكتابية التي تجعل نوعا أو أكثر ينضوي في خانة الجنس الأصل.
 
وكان الناقد فاضل ثامر قد اقترح لعلاقة السرد بالتاريخ تسمية الميتاسرد التاريخي التي نراها تسمية تعتمد على التداخل والاشتراك الذي نتيجته عبور الرواية، لأن الميتاسرد تقانة تجمع فن السرد بما بعد السرد ثم تزاوجهما بالتاريخ بمفهومه التخييلي أو التوثيقي. ولا يكمن وراء هذا التزاوج وذاك الجمع ارتقاء في أحدهما ليكون هو الجنس العابر؛ بل هو تداخل بين أشكال يتنافر بعضها مع بعض ومن ثم لا انصهار لأي منها في الآخر بل سينصهران في قالب الرواية.
 
وكذلك الحال في تجنيس الشعر بالحكاية لتكون القصيدة الحكائية أو امتزاج التاريخ بالحكي ليكون محكي التاريخ. والأمر نفسه مع الدراما التي هي بالنسبة للبناء المسرحي المأساوي والملهاوي جنس لوحدها، لكنها متداخلة في أنواع وأجناس أخرى، وقد تتخذ صيغة تقانية حين يتحدد التوصيف لها بـ( درامي) هذا فضلا عن مسميات أخرى كثيرة تخرج عن إطار التنميط والصياغة الكتابية وتدخل في مضمار التداخل الاجناسي كالنص الرقمي.
 
ولم تعد الحاجة ضرورية لتقديم براهين عقلية ومرافعات دلالية، تدين التفرد والاستقلال، وتقطع بالتداخل والانفتاح بين الأجناس. لكن التجنيس العابر سيغدو أوسع من التحويل، وأرسخ من التهجين، بوصف العبور ارتقاء نحو نقطة التقاء الحدود، فيلتقي الشعر بالتاريخ وينفتح الأدب على الانثروبولوجيا والسرد على التشكيل إلى ما لا نهاية من الانفتاحيات التي تتطور على طريق الإبداع بأطر بلاغية جديدة وتقنيات كتابية مستحدثة، والمتحصل انصهار الواحد في الآخر.
 
وهذا ما يسمح بالتناسل داخل مواضعات الجنس الواحد وبعيدًا عن الاحتذاء والمحاكاة، فيكون( التجنيس العابر) أرحب وأقرب لواقع التجريب من التقوقع في حدية( الأنواع والأجناس) وثنائية( التداخل) و( التعددية).
 
وواحدة من أدبيات التجنيس العابر في السرد ظهور تصنيفات قابلة للصهر في جنس الرواية، تقر بالجغرافيات والهويات والاثنيات والبيئات، تأثرا بالرؤية ما بعد الحداثية التي فيها للمكان خصوصية كونه أصبح مقلقلا وسائلا ومتغيرا. وقد غابت الأمكنة الثابتة جغرافيا وديموغرافيا مما كانت قد اعتادته الرواية الحداثية.