Wednesday 12th of August 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Jul-2020

لا عزاء لهذا الفقد.. إلى روح إلياس فركوح

 أحمد المديني (روائي وناقد مغربي)

الراي - إنما تبقى الأحزان أحزاني، خاطبتني وهي تتكاثر، همّاً فوق همٍّ، وفَقْداً بعد فَقد، ولا يد بأمل تمتد. سأبقى كالسُّذّج أحتار، الأخيار يرحلون سريعا، تباعاً، بينما سقط المتاع مشاع.
أمس جاء نعيُه ولم أكن مستعدا لأي كمد، فقد تكسرت النّصال على النّصال، إنما قلت هذا كثير أن تغرب شمسُك، وأربعة أشهر مرت ظلماء مع شراسة الوباء، بعده، ما أثقله الفناء.... جاء نعيُك يا إلياس، الكاتب، الروائي القويم الصحيح الصاحب، وأنت عوّدتنا،
علّمتنا أن بينك، بأدبك الجمّ، ونصِّك المقطّر، وثغرك البسام، وأنفك الأشم، وبين المنون مئات الأعوام. كنتَ أول من تعرفت عليه في عمان من كتاب الأردن. لا أذكر بأي مناسبة أو صدفة، هل في القاهرة عام 1989 في مؤتمر الرواية العربية، أم قادتني قدماي إليك، هي عادتي أزور كتاب البلد حين أحل بين ظهرانيهم، ويطيب لي مجالستهم، وحتما تعود معرفتي بك الآن يا إلياس فركوح إلى ثلاثة عقود خلت، ويتعذر عليّ كتابة عبارة من قبيل بلغت اليوم الختام. في عمارة قبالة حدائق الملك عبد االله من خمسة طوابق، في الطابق الرابع يقع مكتبك، لك ولدار النشر التي غامرت بالتأسيس.. لا لتنافس الحيتان الكبيرة، وإنما لهوس أن تنشر الكتب التي تحب، من دون تفكير في مخاطرة الإفلاس. قاعة كبيرة تستقبل الزائر على حيطانها رفوف الكتب التي أصدرت، جميعها بمواضيع فريدة وعناوين مختلفة. سكرتيرة ترحّب، وهي تنطق: الأستاذ بالداخل، تشير إلى المكتب على يمينها فتراه انتصب أمامك، يمدّ لك بوجه بشوش يدَ المصافحة الحارة والقهوة تحضر حالاً. كانت الرواية وبقيت طيلة أعوام جليسكما الثالث. قرأت رواياته وسافرت في حكاياته، وتنقلت بين أماكنه في فلسطين وعمّان، طفولة ويفاعة وشباب، قليل فرح وجبال أشجان. رواية موضوعها ذاتُه، وذاتُه روحها وأركانُها وظلالها الآخرون، هو واحدٌ منهم وهم كلُّه. هي لغةٌ أخرى، كتب بها. من أول رواية يشخَص أمامك أسلوبه، ويضع بصمتَه، ويُفحم بحداثته لغةً ونسجاً وفكرةً وتصويراً وإنساناً وبحثاً عن معنى غائب لمصير مجهول مفقود.
الحداثة في الرواية ليست صراخ شخصية وهُراء شعار وتلفيقَ شكل، إنما الروح المتقدمة تشقّ صخر الجمود بماء الأدب الزلال والحارق، يتملكها كاتب سكنته قدرة الخالق، ويعيد بَذْلها بلغة هي صلصال الخلق للجسد الإبداعي، بغيتُه أو وهمه إعادة تجديد الكون معه ذاته. كلما زرتُ عمان سارعت لزيارته مم دون موعد، دليل وجوده في مكتبه سحب دخان سجائره، أقتحم غرفته فأراه منحنيا على أوراقه، يكتب بأناة وشغف ولا يبالي بشيء غير هذه الكتابة، تاركا لسكرتيرته تسيير دفة الدار، ولزوجته تدبير الحياة، وبالطبع سيسألني عن جديد ما أكتب، وهل أحمل لدار أزمنة كتابا مخصوصا، بعد أن صار أحد ناشري، فأشرب قهوتي وأترك مخطوطي، وأشواقي، أجدها أحرّ وحضنه أوسع حين أحضر إلى عمّان كأننا افترقنا قبل ساعة... وغدا إذا زرتها إلى أين ستقودني قدماي، وهل تراني أجعل مكتبك حائط مبكاي؟ سأسأل عن قبرك. سألثم شاهدتك. سأفكر من الآن في كلمات تليق برثائك يا إلياس. إنما أنا واثق اللحظة قبل الغد، أن لا عزاء لفقدك، لا عزاء يا صاحبي. لروحك السلام.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات