Monday 19th of August 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    19-Jul-2019

الأديب نازك ضمرة: الأدب كله فن والمهم إتقان التعبير بشكل يحمل هوية الكاتب

 الدستور-حاوره: فوزي الخطبا

نازك ضمرة روائي وقاص ومترجم وناقد، ويكتب ايضا المقالة الادبية والسياسية، وقصصا للأطفال والشعر، وتمتاز كتابات الاستاذ نازك ضمرة بجرأة وعمق وأسلوب مضيء، بنى مشروعة الإبداعي بثقة واقتدار، ترفده ثقافة واسعة وعميقة، صدر له عشرة أعمال ابداعية، وهو من أكثر الادباء والكتاب وفاء لإبداعه، تفرغ للكتابة منذ أواسط التسعينيات، يؤمن بأن للكلمة رسالة وموقفا، تكمن في كتاباته الاصالة والصراحة، لا يجامل على الموقف ولا يحابي ؛ فالقضايا المصيرية تتجلى في إبداعاته وكتاباته وخاصة قضية فلسطين التي كتب عنها بحرارة وصدق. و لعل هذه المقابلة تكشف عن جوانب الأديب العجوز نازك ضمرة وإبداعه المتفرد.. 
 
بداية هل تعطينا نبذة عن مسيرة حياتك؟
 - نازك هو إنسان في الدرجة الأولى، وفيه النقصان مهما حاول الكمال، يخطئ ويصيب، يحزن ويفرح، ويحاول ان يعيش في سلام، الكتابة هي متنفسي الوحيد، سواء بالتعبير عن واقع مأزوم او حلم لم يتحقق، فماذا تريدني أن اقول لك بعد هذا؟ منذ وعيت مسار الحياة وأنا أحمل هم الوطن، الأرض والإنسان، وما زلت، لا أضيع فرصة واحدة في العبث او الكسل، حتى وفي سنوات الشيخوخة أضغط على نفسي كي أنتج أي فكرة او عمل إيجابي، لا أرضى بالعادي، باحثا عن الجمال والإتقان والإنجاز والإبداع قدر استطاعتي، ولأن ظروف الحياة القاسية أشغلتني في سنوات الصبا الأولى وهي العقود الأربعة الأولى، فقد كرست حياتي بعدها للكتابة والقراءة، ولو انني مقلّ، لكن قلمي يعايش همومي، وهموم اهلي والأرض.
 
أشار الكثير من الباحثين اننا نجد أجزاء من سيرة الكاتب الذاتية عبر إبداعاته وكتاباته، فهل يصدق القول على كتاباتك في القصة والرواية؟ 
- أحب أن أوافق معك، لكن تعقيدات الحياة ومتطلبات العصر تجعل من هذا التعبير يبدو فيه شيء من سذاجة؛ لأن الكتابة هي أجنة، فهل نستطيع تأكيد جنس هذا الجنين إلا بعد فحوصات وتأكيدات؟ ثم هل يمكن أن نعرف أصالة الجنين إلا بعد ولادته وبعد فحوصات وتدقيقات طويلة؟ قد يتكئ الكاتب على خبرته وما مر به من معاناة او فرح، لكن الموضوع حتى في أبسط تعبير عن تلك الخبرة او الحلم يصبح فلسفة خاصة يتميز بها الكاتب، وهوية ومؤهلا يفرزه من بين المئات والآلاف من أمثاله. ولكن وفي المحصلة، لم يظهر إنسان معزول عن عوالمه وحياته واسرته وخبرته ومحيطه بعد، فكل ما مر بالكاتب هي مدخلات تتلبس أبطال الحكايات والقصص والروايات كما حصلت او محورة، تناسب المواقف التي يعيشها ابطال الحكاية، وهنا تبرز موهبة الكاتب ليحسن استخدام محصوله اللغوي والبلاغي والفكري والفلسفي في تصوير أي موقف في أي زمان أو مكان.
 
* بدايتك الأولى في عوالم الإبداع هو الشعر ولكنك معروف في الأوساط الأدبية قاصا وروائيا هل هجرت كتابة الشعر؟
- هو وحدة متكاملة، وطبيعة الإنسان والمحيط ومشاعر الكاتب كل هذا يقود الكاتب لاستخدام وسيلة التعبير عن أزمته او فرحته، فحين تشتعل المشاعر، ويتسارع النبض متأثرا بموقف حميم او مؤثر بعمق، تميل النفس العربية للغناء او الحداء او الموسيقى، فالشعر يتوالد نتيجة شعور عميق يعبر عن مدى تأثر الكاتب بموقف ما، حزنا او غضباً او فرحاً، وللنثر قدرة قد تسمو على الشعر، وقال العرب (إن من البيان لسحرا) أي ان المعيار ينحصر في الإبداع وتجاوز المألوف والتجديد، فالشعر والنثر الأدبي كله ادب وفن، هو إتقان لصنعة، فليس كل نجار فنان، وليس كل حداد فنان، وحتى الكناس يمكن أن يصبح فنانا في مهنته، إذن فالأدب كله فن، ولكن المهم هو إتقان الإخراج والتعبير بشكل يحمل هوية الكاتب، ويبرز مدى إخلاصه في عمله وإتقانه، وذلك بالاندماج الكامل بالدور الذي يعبر عنه، خالقا له أجواء تناسب روح العصر، بعيدا عن التقليد، بل بإبداع يساير مستوى الحداثة او يتفوق على المألوف. نعم تراجعت عن تكريس حياتي للشعر، لأنني أحمل فلسفة عميقة الجذور، واسعة الأهداف والطموحات، فاخترت الاندفاع مع امواج النثر والكتابة القصصية والروائية، ولكنني لم أتوقف تماما عن قول الشعر، فما زالت طبيعتي العربية تميل للموسيقى والغنائية في الشعر، وأحيانا أخوض عباب الشعر الحر، مع أن الموسيقى تتسلل لتعابيري حتى لو غفلت عنها. 
 
للريف والقرية في رواياتك وقصصك فضاءات واسعة من الخيال والمعايشة ؟
- أنا ابن الأرض، وأينما حللت وأقمت تأثرت بما يحيط بي، عشت سنوات طفولتي وجزءا من المراهقة في الريف، لكنني عشت في المدينة بعد ذلك، ولجمال فلسطين التي نشأت بها وفي طبيعتها التي تروق لكل مخلوق أصيلا كان ام زائرا او دخيلا فلم أستطع نسيان هذا الأثر العميق في نفسي، أحب المجالات الرحبة والفضاءات الواسعة، ومداي الآفاق البعيدة والسموات بما فيها من سحرية وحكايات وخرافات وإيمان وتحليق وإيحاءات، فالريف هو جنة الحياة حتى لو لم يشعر الإنسان بمثل ذلك وهو فيه، لكنه حين ينأى عنه تتلبسه الذكريات، ويهرب من مآسيه والمضايقات التي تعيق انطلاقه إلى تذكر اجواء الريف، لكنني لست متخصصا ولا مكرسا، ولا قاصدا أن أبقى في جو القرية البسيط، فالريف يتميز ببساطة الحياة فيه، ولو ان نفوس الأهل والسكان تكون مثقلة بالتراث والجمود وبطء الحركة والتطور، بعد بلوغي الرابعة عشرة لم أعد للعيش في الريف، وكتاباتي تصف المكان والزمان الذي يناسب الحدث او الظرف الذي نعالج حالته او نصورها، أي إن قدراتي تتساوى في إبراز حياة الريف او المدينة. 
 
لقد اطلعت على الأدب الغربي خاصة القصة والرواية وترجمت منه فهل من نقاط التقاء وتقاطع بين الأدبين؟
- أهم ما يميز الأدب الإبداعي عالميته، فالأدب الحقيقي يظل أدبا حتى لو ترجم إلى اي لغة، والترجمة هي فن في حد ذاتها، والمترجم الأمين الكفء يستطيع ان يجعل من الترجمة فنا يرافق الإبداع الأصيل، نعم قرأت الكثير من الأدب الغربي، وخاصة الأمريكي والياباني والألماني والبريطاني، وترجمت الكثير من القصص الأمريكية للعربية ونشرت في مجلات مرموقة مثل مجلة الجامعة الأردنية، وأفكار، وأقلام العراقية، والموقف الأدبي السورية ثم وترجمت الكثير من الشعر القديم والحديث، أعود لأقول الأدب هو أدب في أي لغة كان، ولكن البيئة والتراث والثقافة والزمان ومستوى الحضارة ووسائلها تميز ادب اي بلد عن ادب البلد الآخر، فالياباني له بيئة خاصة ومعتقدات تختلف عن بيئة ومعتقدات الأمريكي أو العربي، وحين يكتب الأمريكي قصة أو رواية يستخدم أدوات ووسائل لا نستخدمها نحن في حياتنا، وحتى عند الغضب او الحزن او الحماسة، تختلف التعابير والأساليب من أدب إلى آخر، لكن الإعجاب يظل هو القاسم المشترك، حيث يكون القارئ مشاركاً للكاتب في إكمال الفهم للنص، وتعميق الأثر، فكلمات كنت معجبا بالصيغة والحدث والوسائل التي في القصة او الرواية، كلما ازددت اقترابا مما اراده الكاتب من التأثير فيك، وبالتالي ستصل لنتائج ترضى عنها وتجعلك تحس بأنك تميزت عن سواك بسبب قراءتك لذلك النص او الرواية. أما في حالة الشعر فهناك فروق كثيرة بين الآداب العالمية المختلفة، بسبب تضخم الأنا والغلو في التعبير وعمق العاطفة واختلاف الجو الخيالي من بيئة إلى اخرى، عدا عن الفروق والميزات والوسائل التي أشرت لها ونجدها في الإبداع السردي أيضاً.
 
للهم الفلسطيني حضور كبير في إبداعك فهل يعدّ إبداعك أدب مقاومة؟
- أجيب بسرعة عن هذا السؤال بنعم، إن أقل ما أستطيع أن أخدم ارضي واهلي به هو التوعية وتضخيم الإنجاز والهم والعجز والتضحية، وإشهار المكان وإظهار زيادة أثره على النفس والعقلية والسلوك الحاضر والمستقبلي، فالكاتب خالق للمستقبل، ومجموع كتابات الأدباء هي طريق الشعب والوطن في الزمن المستقبل، ولهذا لم يصدف أن نجحت ثورة في العالم إلا وسبقها كتابات محفزة، وتعمل على تهيئة النفوس والشباب للمواجهة او النهوض او التصحيح، وأقرب مثال على بيان اثر الكتابة والتثقيف، ما نراه في فلسطين هذه الأيام او كل عشر سنوات، النظام السياسي الرسمي عاجز أن يخلق حافزا للتضحية والفداء والعزيمة الطوعية الإبداعية في نفوس الشباب، لكن التثقيف الإبداعي هو خيوط من نور تسري إلى النفوس، وسواء قرأها الشباب او سمعوها عبر التلفاز او المذياع او المسلسلات التلفزيونية، فنصوصها بدأت بفن كتابي، ثم تم نقلها للإعلام او عبر الكتب المنشورة والمطبوعة. وبسبب الظروف السياسية والعالمية والضغوطات الدولية والعجز العربي، فإنني أقر بأن كتابتي هي أدب مقاومة لتحرير الأرض والإنسان من كل المعيقات التي تعيق نهوض الشباب بالدور الوطني الفاعل المطلوب منهم، لكن ليس بأساليب خطابية او صحافية او دعائية مباشرة.
 
ما هو مشروعك الإبداعي القادم؟ وما مدى تطابقه مع امنياتك التي كنت تود كتابتها؟ 
- كثير، كثير..، أنهار منهمرة، لا عقلي قادر على تسلسلها، ولا جسمي وصحتي تساعدني على الصمود طويلا أمام جهازي الكمبيوتر، ففيه كنوز تملأ مجلدات من الفكر والأدب والنقد والشعر والتأريخ، روايات وقصص ونصوص وأفكار ومقالات ونقد، رواية (الأسير عفان بن نومان) والتي أخذت أكثر من خمس سنوات حتى رضيت عنها، جاهزة تتحفز للوثوب إلى الوجود والعلن، ومجموعة قصصية قصيرة جدا، ومجموعات من القصص عادية الطول تتململ للمراجعة والتدقيق، ولارتداء ثياب زينتها للاحتفال والانتشار أمام أعين الناس. 
 
هل النقد الأدبي في الأردن يواكب الإبداع في نظرك، وهل يساهم النقد في تطوير الحركة الإبداعية؟
- أبدا، أبدا وكلا، النقد في الأردن خامل، يمكننا أن نلوم المختصين في النقد، ويمكن التأشير على بعض الأسباب؛ فالنقد يزدهر حين يعيش الناقد حياة اقتصادية مريحة، أو يجني من كتابته دخلا يزيد من رفاهيته او يحسن مستوى حياته، النقد عذاب وجهد وعمل شاق، فقد نوافق مع الناقد المتقاعس عن ممارسة عملية النقد للنصوص والكتب والإبداعات، ونقبل حججه التي تبين ان الإنسان لا يعمل بجد لأجل الثواب، ولا بد من مغريات مادية او ما شابه لتزيد من شعوره بوجود افضل في الحياة بسبب تعبه وجهده، لكن نعود فنقول إن النقد مهنة وتفاعل وجاذبية، فمن يعشق قراءة الإبداع شعرا او نثرا او فناً، فلا بد أن يضحي بالقليل او الكثير من الوقت للتعبير عن هذا العشق كهواية، وكثير من الهوايات تكلفنا الجهد والوقت والمال لأجل إرضاء النفس او لمجرد تلبية حاجة نفسية داخلية مكتومة او موروثة او معبرة، ومن هنا يقع اللوم على الأدباء المختصين بالنقد، وهم قلة، وفي بلدنا صاروا يتجنبون توسيع علاقاتهم، لسببين، الأول ابتعادا عن الاستجداء واللحاح عليهم ليكتبوا عن أصدقائهم ومعارفهم، والسبب الثاني لكثرة الضغوطات عليهم واهمها النواحي الاقتصادية والمادية وعدم تقدير جهودهم حق التقدير، النقد في بلدنا متأخر جدا عن سيول الإبداع المنهمرة على سوق النشر والكتابة، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن تميز أدب شعب ما والممارسة والحرية والديمقراطية لا يمكن ان تصل أقصى مداها إلا بوجود حركات نقدية نشيطة وفاعلة، تتناول مختلف نواحي الحياة، وأهمها نقد الإبداع الأدبي والفكري والفني، وكلما غاب النقد عن ساحة اي بلد، كلما هبط مستوى أدبه والإبداع، بسبب رخص الإنتاج وكثرته، مما يسبب النفاق والتقليد والتكرار والهبوط والجمود، فالنقد هو قادح للإبداع ومتحدّ كبير للأدب والأدباء، ومواز ومحفز لمزيد من التفوق والإبداع.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات