Thursday 29th of October 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    16-Oct-2020

تأملات في كتاب «القدس والقصيدة العمودية القديمة» للدكتور عبد الحميد المعيني

 الدستور-الشاعر والروائي سعد الدين شاهين

أن تكون عالم آثار تنبش عن التاريخ بين الردم والحجارة والقلاع التاريخية لتصل الى مبتغاك من العثور على حقائق وأنساب وتسلسلات لها دلالات شيء هام في البحث عن الموروث التاريخي الماثل. لكن حين يتعلق الأمر بالموروث الأدبي والإبداعي والشفاهي فإنه يحتاج الى باحث يمتلك ناصية الأدب والإبداع أولا كما يمتلك ثقافة التقصي والبحث والربط ومعرفة مفاصل ومواصل الموضوع الذي يستقصي عنه ثانيا. فمنذ أن أهداني أستاذي ومعلمي الدكتور البروفيسور عبد الحميد المعيني كتابه الطازج والمعنون القدس بين القصيدة العمودية القديمة جدل الاسم ودلالته أيقنت من العنوان أنه وهو أستاذ الأدب العربي ونقده بجامعة اليرموك وعميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية والتربوية بجامعة العلوم الإسلامية سابقا أيقنت أنه لن يرضيه إلا أن يغوص في أعماق الموضوع إلى أبعد مدى ليستخرج لنا معلومات وآثار تتبعها بدرايته وعلمه ولم تكن تثير فينا تساؤلا وهو خير من يفعل ليضع القارئ على ظهر قارب من صنعه ليطوف به على كافة بحور الشعر دون أن يجعله يحرك مجدافا واحدا في اللجة ويجعله يمتطي فرسا أصيلة يوغل بها في عمق التاريخ رجوعا إلى العصر الجاهلي، وما قبل القرن الأول الهجري، صاعدا على كتف القصائد العربية القديمة التي نبش عنها وأعادها إلى الواجهة إلى مضارب الإيمان والهدى الى القدس في جنة الأرض على أرض فلسطين المباركة.
قسم الباحث الدكتور عبد الحميد كتابه إلى أربعة أقسام بترتيب معهود فيه وكأنه يبني عمارة أو بيتا بتنسيق عال؛ إذ جعل القسم الأول حول القدس في العصر الجاهلي والقرن الأول الهجري.
والقسم الثاني اسم القدس في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي.
والقسم الثالت اسم القدس في العصر العباسي.
ثم أخيرا تناول في القسم الرابع اسم القدس أبعاد الدلالات وجمالياتها فيما ورد على ألسن الشعراء وقصائدهم.
ولأن القدس ليست كأي مكان في وجدان الكاتب د. عبد الحميد فقد أنجز عمل منقب الآثار في تتبع تسمية القدس كون الدراسات حول هذا الموضوع بالذات شحيحة جدا أو تكاد تكون منسية وهو يفند مغالطة المقولات التي تقول أن القدس بدأ ذكرها في بداية القرن الثالث الهجري حيث يعتمد القائلون بذلك الى ما ورد في كتاب تاريخ الأنطاكي على لسان يحي بن سعيد 458 هـ وفي الأقصى للجابري ويدحض هذه المقولات معتمدا على ما ورد في القصيدة العربية العمودية القديمة في تعدد تسمياتها ومشتقاتها الى أن يبحث مطولا في جماليات التسمية والاسم ودلالاته وإيقاعه ليعثر على مايزيد عن ألفي بيت من الشعر العمودي القديم يمكن أن يعثر فيه على القدس موضوعا وفنا ومكانا ومكانة ومعنى وفكرا.
منوها ان القرن الأول هو الذي أصّل اسم القدس واحتفل به وكتبه قصيدا رائعا وسلمه للقرون التالية:
الشاعر الأعشى القصيدة الميمية في ديوانه الرابع
وقد طفت للمال آفاقه عمان فحمص فأورسالم
أتيت النجاشي في أرضه وأرض النبيط وأرض العجم ص29
وبين الكاتب أن الدلالة لاسم أورسالم وهو الاسم الحقيقي والأصلي للقدس التي وردت في قصيدة الأعشى تعني دار السلام والسلم وأن أول من أطلق هذه التسمية هم العرب الكنعانيون القدامى
والدلالة الثانية ما أشار اليه الشاعر امرؤ القيس في سينيته حين يشير الى (ثوب المقدسي) للتبرك من ثوب العابد المقدسي
فأدركنه يأخذن بالساق والنَّسا كما شبرق الولدان ثوب المقدّسي ص35
وفي موقع اخر يقول
لمختبط منك كأن ثيابه نبشن لحول أو ثياب مقدّسي ص56
كما يلجأ لكاتب الى ربط تسمية القدس بما جاء من عبارات
مثل روح القدس...ما قدّس الرهبان...وقدّس فينا بحب الصلاة...سوى الباقي المقدس ذي الجلال
هذا الحقل الدلالي الذي اكسب مدينة القدس اسمها
وقد أحال الاستاذ الدكتور عبد الحميد القارئ الى أماكن عديدة في الجزيرة العربية تحمل اسم القدس أحال استاذي الكاتب كلمات القدس بضم القاف الى اماكن عديدية في الجزيرة العربية الى التسمية المغايرة الى مدينة القدس التي هي أورسالم في فلسطين وقد ميز بين هذه الأماكن وبين القدس وأكنافها استشهد بذلك بقول الشاعرأبو ذؤيب الهذلي فدلالة الحديث الشريف أكناف بيت المقدس
فإنك عمري أي نظرة ناظر نظرت وقدس دونها ودجوج
وكذلك مزرد بن ضرار الذيباني
وأنت امرؤ من أهل قدس وآرة أحلتك عبد الله أكناف مبهل
ومن شعر زهير بن ابي سلمى
ولنا بقدس فالنقيع إلى اللوى رجع إذا لهث السبنتي الوالغ
والسموأل بن عاديا يقول
ألسنا بني القدس الذي نصبت لهم غمام يقيهم في جميع المراحل
ألسنا بني الطور المقدس والذي تدخدخ للجبار يوم الزلازل ص42
وعن اسم القدس في القرن الأول الهجري عصر الإسلام وحتى الأموي حيث ذكر الكاتب أنه وردت تسميات عديدة لمدينة القدس سجلت حضورا أنيقا للقدس في الشعر العمودي باسم المسجد الأقصى يقول الشاعر زياد بن حنظلة التميمي ( ونحن تركنا أرطبون مطرّدا إلى المسجد الأقصى وفيه حسور ) ص49
وعن فتح مدينة القدس في عهد الفاروق عمر رض الله عنه قال
فلما رأى الفاروق أمان فتحها سما بجنود الله كيما يصاوله
ويستشهد بما ورد في الأغاني عن الشاعر مروان بن الحكم ايضا في قوله
ودع المدينة إنها مرهوبة واقصد لمكة أو لبيت المقدسي
وأشار الى أن سليمان بن عبد الملك بويع بالخلافة في صحن المسجد الأقصى وجعل القدس مقرا شبه دائم لخلافته وبنيت له قبة فخمة في صحن المسجد الأقصى المبارك وكذلك فعل الخليفة عمر بن عبد العزيز اذ أخذ البيعة بالخلافة في المسجد الأقصى وأقام زمنا في القدس خطيبا في مسجدها
وفي ذلك إشارة واضحة الى الشرف العظيم للمكان في أن يتولى الخلفاء مسئولياتهم في أعظم مساجد الله في القدس وبيت المقدس
ويكرر شاعر المقدسيات الفرزدق اسم ايلياء ايضا على القدس ويقول
ولو أن طيرا كلّفت مثل سيره إلى واسط من إيلياء لكلّت
سما بالمهاري من فلسطين بعد ما دنا الفيء من شمس النهار فولّت ص66
وفي موقع اخر للفرزدق ايضا
وبيتان بيت الله نحن ولاته وبيت بأعلى إيلياء مشرّف
كما ذكرها بصفتها التي تشتهر بها الزيتون وتخصيصا جبل الزيتون في القدس
فنصحي لكم قاد الهوى من بلاده الى منبت الزيتون من منبت النخل ص70
والشاعر النجاشي الحارثي اذ يقول عن ثقيف بعد هزيمتهم في معركة صفين ص75
وفرت ثقيف فرق الله جمعها إلى جبل الزيتون والقطران لم يكتف الأديب الناقد الباحث الدكتور عبد الحميد بالتنقيب عن اسم القدس ودلالاته بل كان له إضافات مهمه في ما وراء المعاني والدلالات فكان يكشف مواطن التناصات واللغة الصافية التي تصاغ بها هذه القصائد وأحيانا قصة مناسبتها وربطها بالموضوع بالاشارة الى قوة الدولة الأموية فيمابعد باتخاذها القدس دارا للخلافة وتوفيرها للأمن والأمان للرعية وتأمين الرفاه لهم والربط بين المسجد الحرام والمسجد الاقصى الشاعر عمر بن ابي ربيعة المخزومي
وبما أهل به الحجيج وكبروا عند المقام وركن بيت المحرم
والمسجد الأقصى المبارك حوله والطور حلفة صادق لم يأثم ص89
والأمثلة على هذا المنوال وافرة في الكتاب والبحث من العصر الأموي الأول الشاعر نصر بن سيار الكناني (وبيت خليفة الرحمن فينا وبيتاه المقدس والحرام ص95
وأشار أن من اسمائها الوادي المقدس يقول الشاعر عدي بن الرقاع العاملي
على منبر الوادي المقدس كلّه يروح بقول ثابت المتكلم ص98
ويعرج اخيرا على الاسم السابع في تسميات القدس الى اسمها الحالي «القدس « بعد أور سلم والمسجد الأقصى وبيت المقدس وإيلياء والزيتون والوادي المقدس وصولا الى تسميتها القدس
مستشهدا بقول الشاعر الأموي العجاج بن رؤبة التميمي
(قد علم القدوس مولى القدس أن أبا العباس أولى نفس ص102
وفي موضع اخر اكثر دلالة الشاعر قيس بن الملوح العامري عن توهج حبه لليلى العامرية
أحن إليها كلما ذر شارق كحب النصارى قدس عيسى بن مريم ص118
وبعد أفول عصر الأمويين في القرن الثاني الهجري تناول الشعراء في هذه الفترة في أشعارهم أسماء القدس كما تلوناها سابقا وكان أكثر ذكرها بيت المقدس الشاعر المعلى بن طريف
يا صاح إني قد حججت وزرت بيت المقدس دلالة على تقديس الحج في القدس ص127
ويشير الكاتب ا. د. عبد الحميد المعيني الى دلالة التسميات السبع للقدس ورمزيتها في الموروث الديني بما تحمله من دلالات القداسة والطهارة
ويخلص الكاتب بالإشارة الى أنه لم يجد من خلال بحثه هذا وتنقيبه في القصيدة العربية العمودية أسماء يبوس واورشليم وصهيون ومملكة يهوذا الخ أما التعالق بين اورسلم واورشليم فمرده الى تحريف اليهود للاسم لقلبهم السين شين ثم يلخص الأبعاد الدينية والدلالات الجمالية في التسميات فيي القسم الرابع من الكتاب كما لا ينسى البعد السياسي كون القدس أصبحت دارا للخلافة لعدة مرات زمن الخلافة الأموية ثم البعد الاجتماعي والبعد الثقافي والبعد الإنساني بين المسيحيين والمسلمين في المدينة على مر العصور
أطلت وحاولت الاختصار لم أستطع فالكتاب شيق والمجهود الذي بذل في سبيل إنجازه كبير ويستحق التقدير خاصة في مثل هذا الوقت الذي يسعى الكثير من المؤلفين ركوب السهل في التأليف أترك الكتاب وصاحبه لكم بعد أن أرفقه بوافر التحايا لأستاذي ومعلمي د. عبد الحميد المعيني أديبا وباحثا وناقدا ومعلما.