Friday 27th of May 2022 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    21-Jan-2022

نظرات في «ملحمة الكائن الحربي» للشاعر جميل أبو صبيح

 الدستور-أحمد الكواملة

 
صدر للشاعر جميل أبو صبيح أواخر عام 2020 مجموعة شعرية جديدة بدعم من وزاره الثقافة الأردنية بعنوان (ملحمة الكائن الحربي... أو ما غناه نسر الياسمين في طريقه إلى المعركة) وهو عنوان أولى قصائد المجموعة، والتي تمتد على أديم 65 صفحة، وهي قصيدة ذات طابع ملحمي أسطوري، ليس لان عنوانها يشي بذلك، بل لما فيها من دراما وصياغات ودلالات وصور تمنحها هذا الوسم إلى حد كبير، وهي ليست التجربة الأولى للشاعر جميل أبو صبيح، فقد سبق واصدر أكثر من مجموعة شعرية من نص شعري واحد، أو ما يمكن أن نطلق عليها وسم (المجموعة القصيدة) و جميعها ذات طابع ملحمي أسطوري، منها على سبيل المثال (مجموعه الخيل) و(مجموعه البحر).
 
ولولوج عوالم هذه المجموعة لابد من الوقوف قليلا على عتابها المسماة (ملحمة الكائن الحربي... أو ما غناه نسر الياسمين في طريقه إلى المعركة).
 
دلالة (ملحمة):
 
تحمل كلمة (ملحمة) عبر التراث الإنساني دلالة الخارق للعادة، الاستثنائي بإحداثه وشخوصه، مزيج من الواقع والمتخيل البشري والإلهي، ما هو فان وما هو خالد، قوى الإنسان وخوارق الطبيعة، في اصطراعات عميقة الأثر، زمانا ومكانا.
 
وهو عبر التاريخ القديم قصة شعرية طويلة، ذات طابع بطولي، يتحدث عن حراك الشعوب، يظهر فيها نماذج إنسانية عالية تحتذى.
 
والملحمة تحمل معنى الحرب المستعرة ذات الطابع الأسطوري، وقد قدم الأدب العربي نماذج من الشعر الملحمي، كتغريبة بني هلال وعنترة أبو الفوارس وسيف بن ذي يزن ورسالة الغفران للمعري، أضافة للملاحم الغربية القديمة مثل الإلياذة لهوميروس.
 
وملحمة الشاعر جميل أبو صبيح هذه، تحمل كل ما تحمل الملاحم القديمة من الاستثنائي الخارق للعادة، تضحيات بالغة وغايات سامية، ونماذج تحتذى لكل شعب يتوق إلى الحرية وتقرير مصيره.
 
ما هو إنساني، وما هو آلة:
 
وإذا تجاوزنا كلمه ملحمة من العنوان وصلنا إلى الكائن الحربي وكأنه يومئ إلى الاندغام بين ما هو إنساني، وما هو آلة، (الطائرة الشراعية) ليكون أنغامهما كائنا حربيا.
 
سطوة النسر، وهشاشة الياسمين
 
وإذا ولجنا العنوان الفرعي (أو ما غناه نسر الياسمين في طريقه إلى المعركة) شعرنا بهذا الكائن الحربي الممعن في القوة و الرهافة معا.
 
نعم هو كائن حربي، وهو نسر كاسر أيضا، غير انه مرهف رقيق يغني للياسمين، يغني للفرح والطفولة، للإنسان، للوطن، للجمال، هولا يريد الحرب إنما يشعلها ليبلج من نورها ونارها وهج الحرية والخير والجمال، وطن يعيش في أحلام طفولته، وغايات شبابه، يحرث أرضه لتجود حنطة و ياسمين، وليطوي بعدها والى الأبد كتاب الحروب والألم، هو يعرف أن للحرب ذاكرة مرة، أجسادا شابة ممزقة، إنها الحرب، هشاشة الإسفنج، وقساوة الحديد، للحرب ذاكرتها، حقول موت ودماء، وله ذاكرته، ماء يسكر الروح، صبايا فارعات، ما يهوى العاشق من ورد، يقول الشاعر:
 
للحرب ذاكرة
 
وللجسد التراب انحناء الورود
 
والحرب ألهة من الإسفنج أو زرد الحديد
 
للحرب ذاكرة
 
ليست كما أهوى
 
وأنا أريد الماء بين يدي خمرا من جليد
 
وأريد أجساد الصبايا الفارعات
 
تلك الرياحين الأثيلة».
 
كنه الحرب:
 
ويعرف كنه الحرب (دنيا من الذؤبان، مناجل تشتهي رأس الوليد، لكنه يطير إليها مرغما راغبا، لأنه يعلم تماما أن الحرب:
 
أغنيه الحياة
 
والحرب نورسي الوحيد
 
وأنا أريد
 
بيتا على حبل الوريد
 
إن شاعرنا جميل أبو صبيح يتمثل النسر(خالد اكر) وهو يطير بشراعيه، وكأنه يقول:
 
أنا لا أحب الحرب، لكنها الطريق الوحيد إلى كرامتي، وموالي وحقلي، طريقي الوحيد إلي وطني وذاتي:
 
«وأنا أطير
 
جسدي شِراعّيٌ
 
وآفاقي حرير
 
وأرى الكروم تسير هادئة وأسراب القرى
 
وارى الجداول
 
والعصافير الكثيرة
 
وارى مواويل الذرى
 
وأرى الحقول تذوب في حضن الحقول».
 
خطوته الاخيرة:
 
إن هذا الكائن الحربي، يعرف أنها خطوته الأخيرة، لكنه يعرف أيضا أنها بداية البدايات المضيئة، لسماوات جديدة، نهاية مفتوحة لما تتخيل و..:
 
«هي آخر الطعنات والحرب التي أهوى
 
وأوقن أن خطوتي الأخيرة
 
تختفي تحت انحناءاتي الاخيرة
 
أنها اللحظات تسعل وهي تعبرني و تمضي
 
ليس لي جسم أواريه التراب
 
وليس لي كفن
 
وجسمي ذاب في شفق الصباح
 
الكون ازرق والسماء جديدة
 
ولازال المدى لغزالة الأعداء ممتدا».
 
صور ثرية الدلالات:
 
وأرى أبي يطوي سنبل الأيام في غبش
 
المخيم والدماء
 
...
 
سرحت إمطاري على باب المساء
 
...
 
ودم القصيدة سال في قلبي
 
...
 
وتكون لي فرس تخب على حشيش الضوء
 
...
 
لحمي شِراعِّيٌ وأنيتي نحاس
 
...
 
شجرٌ تجمهر في دمي
 
...
 
هذا غيض من فيض صور جميل ابو صبيح الجامحة
 
وفي تقديمه لهذه المجموعة، قال الناقد الدكتور زياد أبو لبن: (إن ما يميز قصيدة أبي صبيح، قصيدة الملحمة أو الملحمة القصيدة المجازات و الرموز والأنساق الدلالية وجماليات اللغة والإيقاعات وتوالد الصور وفضاء الأنا والتشكيل البصري والمشهد الحركي، كل ذلك بحمولاته الشعرية..).
 
أخيرا وبالمجمل:
 
لعل ما يميز شعر الصديق (جميل أبو صبيح) بالمجمل، هو تلك الصياغات متراكبة الدلالة، التي تأخذنا إلى فضاءات تصويرية وإيقاعات لونية ولقطات درامية سينمائية ضوئية سورياليه متشابكة، تقترب من الواقع دون أن تعفي القارئ من جهد التأمل والنبش عميقا في مدارات التأويل، علها تمسك مفاتيح تفضي إلى فك هذه الشيفرة الممعنة بالغموض المحفز الجميل.