Monday 1st of June 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    20-May-2020

قصائد «حجر الليل»… الشاعر حين يتأمل ذاته وينفي حاضره الملتبس

 القدس العربي-جميل الشيبي

الشاعر علي نوير من جيل شهد وعاش في خضم التحولات المأساوية العنيفة التي جرت في العراق، ولذا فهو ذاكرة حية لعالم الصراعات والعنف، الذي ما زال مستمرا ، يتضح ذلك من مرارة الأحداث وقسوتها، وهي تطفو في معظم قصائده التي أودعها (قصائده)، التي تحمل عنوانا مراوغا هو «حجر الليل».
نلاحظ ان هذا الشاعر،على الرغم من بداياته المبكرة في كتابة الشعر (عام 1969) اكتفى بنشر ثلاث مجموعات شعرية هي، «هل أبدل عتمة هذا البحر» ـ «خيول بلا أعنّـة» و»حجر الليل»، وقصائد متفرقة ينشرها بين الحين والآخر في الصحف، أو المواقع الإلكترونية، وتغلب على قصائده نبرة الأسى والحزن الشفيف، فيما يتمكن السكون والثبات ونفي الحاضر أجواء قصائده، وهو في نزوعه نحو فضاء الأسى والحزن، فإنه يعبر ضفة الذات تجاه الآخر الشبيه، في رصد وتحر لهذا الأسى المقيم في أعماق الذات، وهذا الحزن الشفيف عند شخوص مختلفين عن ذاته، تجمعهم تجربة حياة واحدة تشي بغربة الجميع وضياع آمالهم. لقد اختار الشاعر عنوانا يدعو إلى التأمل ، ليكشف عن هذا العالم، واختار جملة (حجر الليل)، ستارة تختبئ خلفها مكابدات الذات، وخساراتها، فالليل في العديد من الأعمال الشعرية فضاء للذاكرة الطرية، ومدخلا إلى عالم المتع والأحلام والسهر والنجوى والمسامرات، وهو عالم يوحي بانفلات الذات وتحررها من كوابيس النهار وثقل الحياة اليومية ومشقاتها، لكن الليل في هذه المجموعة الشعرية، يكرس الظلام والوحدة، والخوف من كوابيس الذات المتوحدة مع نفسها، إنه عالم الوحشة الذي أصاب الكثيرين، ويتضح ذلك من الإنصات والقراءة المتمعنة للجملة الشعرية، التي تنطق وتعبر عن هذه التجربة، فهي جملة بسيطة التركيب، تخلو من الصنعة المتكلفة والمجازات المجنحة، والأجواء الغريبة، وتهدف لتجسيد معنى الأسى، وعمق تغلغله في الذات، محاطا ومشبعا بأجواء طاردة تضع الذات في (انحناءة طريق) موحشة.
حدق إلى انحناءة الطريق هذه
ثمة مقعد منزو ورجل وحيد
ذلك هو أنا يا صاحبي
 
إن تكريس حالات اللاجدوى ونفي الحاضر، وتسيد الكابوس والسواد والعزلة المفروضة، تظهر وتتجلى في معظم هذه القصائد، وهي تتقنع بأبنية شكلية متعددة منها، بنية المشهد الذي يضيء، تجارب ماضية أو حاضرة لا علاقة لها بالذات
 
في قصيدة «سائق القاطرة» التي كتبها الشاعر في نهايات عام 2001، ونشرها بقصد مبطن مع قصائد كتبها بعد التغيير، بدلالة هجاء الحاضر ونفي حضوره الفاعل، يتوقف الزمن والمكان في هذه الرحلة، وتبدو الحياة مسطحة لا معنى لها، فالزمن ساكن والمكان موحش مفتوح على (أفق بلا تضاريس وليل بلا نجوم) حيث نفي المكان والزمان، على الرغم من حركة القطار، فلا أمل ولا جديد. لقد تبددت الآمال وضاق الأفق، ليبقى النداء معلقا في فضاء الكلمات :
متى أصحو على رصيف آخر بلا وحول
وأشجار بلا خريف
ونهار بلا قنوط
ومن البراهين الساطعة على ثيمة الغربة والضياع وفقدان الهوية في هذه القصائد اختيار الشاعر لمفردات قصائده بشكل دقيق، يشي بمحنة وعذاب الذات الناطقة، بعضها يعتلي متون القصائد كعنوانات تسهم في إضاءة هذه التجربة منها «السيف والرقبة»، «مائدة فارغة بين اثنين»، «صناديق سود»، «المياه معتمة والغرقى كثيرون»، «الغناء في غرفة خالية»، وكلها تشي برحلة مكابدة وصراع الذات مع الآخر المعادي. وبعضها الآخر يكمن في الأساليب اللغوية المتنوعة، التي استثمرها الشاعر، ليغني تجربته ويؤطر تأثيرها في هذا الاتجاه، كالاستفهام في طرح الأسئلة الشائكة المؤجلة والنفي الذي يبلغ في العديد من القصائد نفي الذات عن المشاركة في حاضر ملغوم باستثمار أدوات النفي والجزم، التي تتحكم بنفي الأفعال المضارعة، كصيغة لنفي الحاضر، أو نفي مطلق تتسيد فيه عبارة (لا جدوى) وهي تقترن بأسماء دالة: (لا جدوى من إطالة النظر، لا جدوى من الذهاب أبعد، لا جدوى أن تقول وداعا، لا جدوى لا جدوى، لا جدوى) أو استثمار الأساليب الأخرى كالنداء والحوار وتبادل الضمائر المتنوعة: الغائب والمتكلم والمخاطب، في تجسيد رحلة الأسى بالأسئلة المعلقة التي تواكبها بدون كلل.
إن تكريس حالات اللاجدوى ونفي الحاضر، وتسيد الكابوس والسواد والعزلة المفروضة، تظهر وتتجلى في معظم هذه القصائد، وهي تتقنع بأبنية شكلية متعددة منها، بنية المشهد الذي يضيء، تجارب ماضية أو حاضرة لا علاقة لها بالذات، بل هي متسلطة ومفروضة كما في قصيدة «صناديق سود»:
صناديق سود هبطت من سماء بعيدة
وفي قصيدة «تشابيه/ عين الكاميرا» يوظف الشاعر سرد عين الكاميرا وهي تكشف مأساة قتل الإمام في كل عصر، حين تقترب عين الكاميرا من المشهد:
ليرى المواطن الكريم
وهو أمام تلفازه الآن
خدعة المقاول والوزير
ومن التقنيات المهمىة التي استثمرها الشاعر لإنارة عالم الآخر الشبيه هي تقنية السرد وقد اتضحت في بعض القصائد منها:
مائدة فارغة بين اثنين، القارب، طائر الحسون، بائع السلال.
إن تقنيات المشهد والسرد وعين الكاميرا، مشفوعة بالأساليب اللغوية التي أشرنا إليها، أضفت على قصائد المجموعة المتفرقة والمنجزة في أزمان مختلفة، وحدة متماسكة جعلتها (قصائد متضامنة) أو (كتاب شعري)، تجمعها أحلام ذات مثخنة بجراح الماضي والحاضر، لكنها تمتلك «قدرا هائلا من الغناء الجميل، ما زال محتبسا في حنجرتي». وتحلم «بأنهار دائمة الجريان، بسماء دائمة الزرقة، بأرض خضراء وقلوب خضر» وتنتظر خلاصا يبعدها عن «الرؤوس التي خدعتنا طويلا»، «لتمتزج مع صراخ الجموع في ساحة التحرير»، وتغيير عاداتها لتنسجم مع «لغة السواعد (..) وهي ترتفع عاليا»، وهو اعتراف منها بالسعي إلى هدم عالم الذات الجريحة النائحة، عالم اللاجدوى والفراغ والدوران في فلك الذات الجريحة، وانتقالها إلى ذات صادحة بالحياة والخضرة والنماء، ذات مشذبة «كثيرا من زوائدك الآن، كي يمر دم منتظر صاعدا إلى الأعالي»، وكي تصبح القصيدة «رمحا والأغنية نشيدا والمغني فارسا بقلب جسور». وهو ما ننتظره في القصائد الجديدة كمشروع مقبل للشاعر علي نوير.
 
٭ كاتب عراقي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات