Friday 27th of May 2022 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    13-May-2022

تأملات في «ملامح لوجوه عدة» للأديبة د. دلال عنبتاوي

 الدستور-صبحي فحماوي

 
قال هملت في مسرحية شكسبير: «أنا رجل أخطأ الآخرون في حقي أكثر مما أخطأت في حقهم.» ربما توجز هذه العبارة مشاعر القاصة المبدعة د.. دلال عنبتاوي في مجموعتها القصصية «ملامح لوجوه عِدّة».
 
وفي المجموعة قصصٌ قصيرةٌ تكاد تُجمع في طروحاتها على ظلم الرجل للمرأة، أو تطفله عليها، أو خداعها، وذلك بسلوكيات ومشاعر مختلفة. وهذه المشاعر تكاد تكون متكاثرة في الكتابة النسوية منذ أن مسكت المرأة القلم والورقة، ووقفت تقدم نفسها على منابر الفكر والأدب، والتي هي ربما التي ساهمت في تحرر المرأة العربية بسرعة غير متوقعة.. إذ كانت المرأة في المفهوم الشعبي التقليدي (ناقصة عقل ودين).
 
والكتاب جاء تحت الجنس السردي «قصص قصيرة جدا» وهذا التصنيف إلى جوار الرواية والقصة، حسب تفكيري المتواضع، ربما كان من الأفضل أن يكون (رواية- قصة- قصة قصيرة.) من دون كلمة (جداً).
 
وجاء الغلاف للفنانة رولا حمدي، والمراجعة للدكتورة إيمان عبد الهادي، والتعقيب على الغلاف الأخير للمجموعة للأديبة والفنانة التشكيلية المبدعة الأستاذة بسمة النمري، إذ أوضحت أن كتابة دلال عنبتاوي تتم بلغة راقية، وصياغة متقنة للحرف، وبراعة في طرح موضوع القصة، مختصرة مركزة. وجاءت المجموعة في 124 صفحة، واحتوت على مائة وأربع قصص.
 
ومنذ القصة الأولى (صفحة 7) التي جاءت بعنوان»الخصلة البيضاء» نجد امرأة معجبة بامرأة أنيقة الشكل والشعر، ولفتها كونها ترخي خصلة شعر أبيض من تسريحتها السوداء..سألتها عن سر الخصلة البيضاء ، فأفصحت لها عن السر، وتقول الساردة إنها الآن تملك في شعرها الخصلة البيضاء ذاتها.
 
في هذه القصة تركتنا القاصة عنبتاوي نترقب السر في الخصلة البيضاء، ولكننا لم نحصل عليه، فصرنا نضطر للتخمين..وبذلك دفعتنا القاصة للتفكير.. فشغلت دماغ القارئ، ويعتبر هذا هدفاً من أهداف كتابة القصة، أن تشغل بال القارئ بقضايا لم تكن على باله،فهي خلقت في القصة دراما الترقب والانتظار والتفكُّر..وربما الابتكار. فكانت قصة قصيرة مميزة بكل المقاييس.
 
وقبل أن أستطرد في الحديث عن مواصفات القصة لدى عنبتاوي، أريد أن أؤكد على كونها دكتورة متمكنة من لغتها العربية، التي جاءت رصينة البناء في هذه القصص، جميلة النسيج، تصلح أن تكون أنموذجاً يحتذى به في اللغة العربية الجميلة لكتابة القصة.
 
ولها كثير من القصص التي تبرز التمايز الطبقي بين المحبوب والمحبوبة، قاصدة إعلاء ثراء المرأة على الرجل في كل قصة.أستغرب ذلك. ففي قصتها الثانية صفحة 8، بعنوان «انتهازية» نجد امرأة ثرية العائلة حدّ الترف، تحب رجلاً فقيراً.تقول الساردة إنه «كان فقيراً لدرجة أنه كان يمارس مهنة التسول.» ورغم معارضة والدها زواجها، إلا أن الحبيب المتسول اتفق مع المحبوبة الثرية أن يهاجرا إلى الخليج، ليلتقيها هناك، فيتزوجا.. وهذا ما حصل.. قامت الفتاة بمغامرة كبرى بالسفر إلى حيث الحبيب، فلم يستقبلها إذ أنه كان في أحضان امرأة أخرى.وبالتأمل في هذه القصة، نجد أن الفتاة هي التي أخطأت الاختيار، إذ أنها تحب شاباً متسولاً، وليس شاباً فقيراً، إذ أن الفقر ليس عيباً، فهل كانت علاقتها به هي علاقة امرأة ثرية تنفق على متسوِّل.. وإذا كانت هكذا، فهي ضالة المشاعر..والذنب ذنبها وليس ذنب المتسول.. ثم كيف تجد المتسول في أحضان امرأة في الخليج؟ وماذا يعمل هناك؟ ومن الذي ينفق عليه، وأليس للحب مواصفات ومتطلبات لتنعقد مشاعره؟ ورغم رفض والدها لذلك الزواج المزمع عقده،إلا أنها أصرت على السير في طريق الضلال.. وهنا ينقلب السحر على الساردة، إذ أننا لم نجد أنفسنا متعاطفين معها، وإذا تعاطفنا مع جهلها لأخلاق الناس وسلوكهم الذي يبطن غير ما يُظهر، فإننا نأخذ الحكمة من قصة الساردة عنبتاوي.
 
وفي قصتها بعنوان»صدمة» في صفحة 9 من المجموعة، نقرأ أن امرأة أنجبت طفلة فربّتها بالدلال والمحبة إلى أن كبرت «فودّعتها مع أول بارقة حب من شاب طائش في الحي ونسيت أمها تماماً.» وهنا نتأمل هذه العلاقة التي حرّكت التفكير في دماغ القارئ..لماذا نسيتها تماماً؟ هل كانت الأم قاسية في تربيتها، فاضطرت الفتاة أن تجد شاباً طائشاً تلتجئ إليه في الحي؟ هل كانت الفتاة ناضجة جنسياً فوق الاحتمال، لدرجة القول المأثور (نارك ولا جنِّة هلي)؟ أليس من الوضع الطبيعي أن تحب الزوجة زوجها، وتعتبر أن أمها وأباها هما من الجيل السابق، الذي له عيشه الخاص لنفسه؟ وألا تعترف الأم بمقولة علي بن أبي طالب: «ربوا أولادكم لجيل غير جيلكم.» ألا تعترف الأم أنها كسائر المربيات اللواتي يُصدِّرن منتجاتهن إلى المجتمع، وعليها أن تفرح لنجاح ابنتها في تحقيق الزواج السعيد، بصفتها منتجها إلى المجتمع، ولا داعي لأن تلتصق الأم بابنتها بعد الزواج، وعليها التفرغ للعمل أو القراءة والكتابة مثلاً.
 
وفي قصتها بعنوان»معرفة» في صفحة 10 نجد امرأة تُسلِّمُ رأسها بكل هدوء للكوافير، أحست وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن بعيد.. وحين التقت نظراتهما أصبحا أسيري اللحظة..
 
وفي هذه القصة التي ربما تنقد علاقة غير سوية، نجدنا نتساءل؛ هل هذه قصة حب، أم لحظة شبق..هل تقصد القاصة نقد هذا المجتمع الذي يعرف الحب من قول: (مرحبا)؟ لقد جعلتنا عنبتاوي نفكر معها متسائلين؛ هل تقصد الساردة مناقشة قضية تفضيل الكوافير على الكوافيرة؟ فهل كان توجُّه المرأة للكوافير الرجل لأنه فنان أكثر من الكوافيرة، إذ يحاول أن يمشطها كما يريد أن يتخيلها فتاته، فيبدع في تجميلها أكثر من الكوافيرة التي ربما لا تبدع لأنها قد تكون تغار من الأنثى شبيهتها، بتسريحتها الأجمل، ونحن نعرف غيرة بعض النساء من النساء؟ أم لأنه ذكر وهي تريد ذكراً يلعب بخصلات شعرها؟وهل محل الكوافير هو مركز صحي لتفريغ الشحنات الجسدية؟ وإلا لماذا أصبحا أسيري اللحظة؟ قد يكون الكوافير يريد مزيداً من الزبائن، فيطيع ويحب ، ولكن ما حُجّة المرأة التي تعرف أن الحب يحتاج إلى مؤهلات كثيرة لينعقد حبْلُه؟ نحن نطّلع ونتأمل.
 
وفي قصتها بعنوان» حجر» صفحة 101 نقرأ أن أباً علّم ابنته على التحرر، من الخزعبلات وأساطير الجدات، وأنه أهداها كتاباً بعنوان «الأنثى هي الأصل» ولكنها حين كبرت، حجر على قلبها وحرمها من اختيار الرجل الذي تحب. وهذه حقيقة، فكثير من الآباء يريدون أن تتحرر بناتهم وتنطلق بحريتهن في المجتمع، ولكنهن عندما ينضجن، نجدهم يغارون عليهن، ويمنعونهن من امتلاك حريتهن المرجوّة..لماذا؟ نحن لا نعرف سبب التحول..»أسمع كلامك يعجبني، أشوف أفعالك، أستعجب.» والحديث يطول حول قصص الدكتورة دلال عنبتاوي المدهشة، والتي لا نملُّ قراءتها.
 
وأمام هذه المشاعر النسوية، التي أبدعت عنبتاوي في سردها، نجدنا نحن الرجال نرغب في قراءة الكتابات النسوية خاصة تلك التي تحمل أفكاراً وخيالاً جميلاً وجديداً.. ولو أن الكتابة النسوية غير مرتبطة بالنساء، فلقد كتب نزار قباني أرقّ المشاعر النسوية بقوله في قصائد كثيرة، مثل قصيدته بعنوان «حبلى».
 
..ولكن على كل حال فنحن نقرأ كتابات النساء، لنتعرف على مشاعرهن، ولو أن معظمهن ما أن يجلسن أو يقفن أمام المنصة حتى ينطلقن في شتم الرجل وتحقيره، بمناسبة وغير مناسبة، وكأنهن بهذا الأسلوب يحصلن على تحررهن من الرجل الذي هن محتاجات له،كما هو محتاج إليهن، سواء رغبن أم كرِهن.
 
ثم إن المرأة التي تُكثر في كتاباتها من توجيه الحديث للرجل الذي تكره، وتمعن في وصفه بأبشع الصفات، وقد كانت وهي فتاة تلهث وتتأوه للحصول على شاب محب يتزوجها، وما تزال وهي أم تسعى للحصول على عريس لابنتها، إنما تؤكد للقارئ أن الرجل هو الأهم في حياتها، ولولا تلك الأهمية، لما ساد الرجل في معظم كتابات النساء.. فإذا كانت المرأة لا تحب الرجل، فالأولى أن تتجاهله نظرياً وعملياً، وبذلك تعطيه قدره، والأولى أن تتفرغ لكتابة شيء جديد نتعلم منه مثل سحر الطبيعة، أو تلوث البيئة، أو الخيال وعالم المستقبل، نريدهن أن يكتبن عن الأسيرات الفلسطينيات في سجون العدو..
 
وعلى العكس فنحن نجد أن الرجل الكاتب في معظم الحالات يجتهد في وصف المرأة بأجمل الأوصاف، وذلك يتجلى في تسمية الآباء لبناتهم، مثل ياسمينة، ودرّة، وجوهرة، ووردة وجبينة وغير ذلك من الأسماء الجميلة، بينما يسمي أولاده بأسماء خشنة قاسية مثل صخر، ومثقال، ومقذوع، ولهب، وغيرها.. ولهذا فإنني أدعو المرأة إلى أن تتوقف عن هجاء الرجل، والتحول للتأمل في جماليات الحياة ومتاعبها، وأن تبتكر لنا رواية جديدة تلحق بالروائية العربية شهرزاد»ألف ليلة وليلة» لتبقى المرأة هي مصدر الحكاية والرواية والقصة العربية والخُرّفية باللهجة الفلسطينية، ويبقى الرجل يتعلم منها كما كنا نتعلم من جداتنا اللواتي كن يسردن لنا الحكايات التي تعلمنا منها حب الوطن مثل حكاية (جبينة)، وحكاية سندريللا، وحكاية الغول، وغيرها من الحكايات.