Thursday 2nd of February 2023 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    11-Nov-2022

جلجامش يبحث عن وظيفة! قراءة ثقافية في رواية (البكاء بين يدي عزرائيل)

 الدستور-غسان إسماعيل عبد الخالق

 
إذا كان البطل الأسطوري جلجامش، قد أفنى عمره في البحث عن سر الخلود دون طائل، فإن جلجامش العقد الأخير من القرن العشرين، قد أفنى نفسه في البحث عن وظيفة تسد رمقه دون طائل أيضًا. على أن الفارق بين الاثنين أوضح من أن يخفى على القارئ المدقق أو الناقد الحصيف؛ فالأول خاض معركة حقيقية ذات هدف وجودي وباسم صريح، والثاني خاض معركة عبثية ذات هدف بديهي دون اسم!
 
انطلاقًا من هذه المفارقة المنقوعة في الاستعارة المزدوجة (ضخامة الماضي وضآلة الحاضر)، والتي تُستهل بها الحكاية على نحو تهكّمي ساخر، يشرع حسام الرشيد في سرد ما واجهه خرّيج كلية الحقوق المثقف الفقير من عقبات، وما اختبره من خيبات، وما أحرزه من اكتشافات، في دروب البحث عن وظيفة،وعلى نحو يذكّرنا بالدون كيشوت وهو يصارع طواحين الهواء – وهذه استعارة ثالثة-؛ فهو لا يطمح للعمل مديرًا أو مستشارًا أو وزيرًا – حتى يُمنى بكل هذه الفجائع النفسية والذهنية- بل هو يطمح لأبسط ما يصبو إليه أي إنسان؛ الحصول على فرصة عمل مناسبة!
 
وبدءًا من الدوام في مركز رياضي في جرش، مرورًا بالسفر إلى العقبة لإجراء مقابلة عمل فاشلة، وليس انتهاء بالانخراط في صحيفة مأجورة بعمّان، يتلقى صاحبنا ما لا يعدّ من الصفعات التي يحاول صديقه السبعيني الملقّب بالمنسي – وهو الوجه الآخر لأنكيدو أو سانشوبانزا- أن يخفّف وقعها، لينتهي به الحال صريعًا تحت عجلات سيارة طائشة، ولنكتشف في الصفحة الأخيرة من الرواية أن كل ما قرأناه هو بصوت (الميّت راويًا)؛ فهناك من يزعم بأن الإنسان يرى شريط حياته كاملاً قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة!
 
وإذا كان من واجبي التنويه بأن (تقنية الميّت راويًا) قد أطلقها يوسف ضمرة في الأردن، عبر روايته (سحب الفوضى) التي كتبها في عام 1983 ونشرها في عام 1991، فإن من واجبي أيضًا التنويه بأن ما سلف من تحليل مكثّف، لا يعدو كونه تأويلاً للنسق المعلن في الرواية التي اشتملت على العديد من الأنساق المضمرة اللافتة:
 
* النسق الأيديولوجي؛ فالسارد مثقّف علماني حداثي، ولا يدّخر وسعًا لإدانة من يتظاهرون بالتديّن تحت مسمّيات سياسية متعدّدة، ويبطنون عكسه تمامًا مثل: القسوة والتهكّم والأنانية والطمع.
 
* النسق الاجتماعي؛ فالسارد يستفيض في تفكيك بعض الشبكات الاجتماعية المتناقضة ظاهرًا المتطابقة مضمونًا. ولعل مديرة المكتبة (نادية) تمثل حلقة الوصل في مثل هذه الشبكات التي تجمع بين القوميين والسلفيين المحافظين،والماركسيين المتمرّدين، ورجال الأعمال الانتهازيين.
 
* النسق السياسي؛ فالسارد يبدو مناوئًا للكيان الصهيوني وللتطبيع معه، كما يبدو مناوئًا للتدخل الأجنبي والمعونات الأجنبية. وهو يتخذ من آثار جرش والبعثات الأجنبية العلمية التي تعاقبت على اكتشافها وترميمها، فضلاً عن أفواج السائحين القادمين في غسق الليل، مجازات وتوريات سياسية لا تخطئها عين الناقد الحصيف.
 
* النسق الثقافي؛ فالسارد وإن كان قد أكّد عدم تضلّعه باللغة العربية - في سياق الحديث عن عمله مدقّقًا في صحيفة (أخبار الوطن) المشبوهة- إلا أن العديد من إشاراته وملاحظاته واستدراكاته، تفصح عن كونه مثقّفًا موسوعيًا؛ فهو قارئ نهم للأدب العربي الحديث وللأدب العربي القديم. وهو قارئ متمرّس بمطالعة الأدب العالمي باللغة الإنجليزية في المقام الأول، وقارئ متمرّس بمطالعة هذا الأدب عبر الترجمات المتعدّدة له في المقام الثاني.
 
* النسق الشخصي؛ فالراوي (حسام الرشيد) يتّخذ من هذه الرواية قناعًا، لسرد جوانب من سيرته الذاتية التي تكاد تتطابق في كثير من تفاصيلها، مع تفاصيل (البكاء بين يدي عزرائيل). ومع أنه نجح في تذويب الذاتي وإكسابه طابعًا موضوعيًا، إلا أنه يبدو من المناوئين لكتابة السيرة الذاتية المباشرة. وأيًا كان الأمر، فإن كثيرًا من الروائيين قد وظّفوا سيرهم الذاتية في أعمالهم الروائية.
 
وكم تمنّيت - بعد فراغي من مطالعة هذه الرواية الجميلة- لو أن (حسام الرشيد) قد دفع بها إلى مراجع متخصص، حتى يتلافى ما وقع فيها من أخطاء لغوية أو مطبعية أو سردية، إلى درجة أنه سها وحدّثنا عن (رفيف) التي لم يبدأ دورها إلا لاحقًا! لكنني سأنتحل له العذر فأقول: الكاتب يقرأ ما هو موجود في رأسه وليس ما تبصره عيناه. وكان الله في عون الكاتب العربي؛ فهو مضطر للاضطلاع أيضًا بدور المدقِّق والمحرِّر والمراجع. كما تمنيت لو أن (حسام الرشيد) لم يكثر من الاقتباسات الممهدة لفصول الرواية؛وعلى الرغم من أن هذه العتبات يمكن تسويغها فنيًا على الصعيد النظري، فإنها تكاثرت في (البكاء بين يدي عزرائيل) على نحو كاد يفرغها من مضمونها. لكن الأمنيتين السالفتين لن تمنعاني من القول: لقد ظفرنا في هذه الرواية بنسغ جديد يعيد للواقعية كثيرًا من عنفوانها وسخونتها واندفاعها.