Thursday 9th of July 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    27-Jun-2020

التلصص السردي في «مواعيد آثمة» للتونسية زهرة الظاهري

 القدس العربي-يمارس القصاصون التلصص السردي من زاوية الرصد الفني، الذي يتيح للمخيلة أن تعثر على ضالتها الموضوعية التي تبحث عن المضمر، والمغيب، والقابع تحت السطوح من العلاقات، والتفوهات والتمظهرات التي لا تثير انتباه الآخرين، لكن القاص بملامسته اليومية لكل ما هو مهمش وعابر، ويومي، وأصيل يتخذ موقفا راصدا يتلصص من خلاله على تلك الحيوات، ليكون له فيها موقف تعيه القصة من دون أن يفرط بمزاياها الفنية.

ما ذكرته في المقدمة أعلاه ميزَ متن المجموعة القصصية «مواعيد آثمة» التي أصدرتها القاصة التونسية زهرة الظاهري في عام 2020عن منشورات (زخارف) في تونس، فقد قدر للساردة فيها أن تتلصص بكل ما أوتيت من حيل السرد وألاعيب الكلام على مجتمع القصص عموديا بمتواليات ثيمية، وأفقيا بسياقات وتراكيب تقصت الأعماق، بهدف تشكيل سرد يتواءم والأهداف النبيلة، التي تمكن الساردة من إدارة متطلبات السرد، الناشئ من فوران التناقضات، والرغبات، والإشكالات، التي صار وجودها في الحياة المعاصرة يمثل هاجسا لا يمكن للسرد، والفن أن يسكتا عنه.
في الحب- بنوعيه الخالص والمحرم (الآثم) – وهو محور هذه المقالة تتلصص الساردة من بين ثقب أصابع الكتابة، راصدة الثابت والمتغير من شجون الحياة وشؤونها، ففي قصة «مساحة حلم» يكون التلصص معنيا بالحب غير المكتمل، الحب الذي يخشى الزوال، والنقص، والفراق، قلبان كبيران يتخاطران، والصمت ثالث لهما ولكن في (الهم) الذي يشغل مساحة السرد والحياة، من أين لها أن تشتري الاكتمال؟ ستكتفي مرغمة بالصمت، والحلم كي تحبط مؤامرة الزمن، هذا قدر الحب الجميل.
وقد يكون التلصص مركبا بأمزجة الحياة، وهي تتغاير تبعا لتغاير الزمن، وتبدل الأهواء، وحضور صورة المستشفى في شكل مغاير، واكتشاف الحبيب أن للحبيبة ماضيا ليس بريئا له سلطة لا تقاوم: خيانة حبيبة الصديق، وسقوطه مغشيا، والصهر الذي كانت خطيبته ترسل صورها الخليعة لغيره، والسؤال الصعب: هل الخيانة تجري في عروق الناس؟ سيفاجأ المتلقي بماضي الحبيبة المثقل بالأسئلة، ليكون الجواب عن السؤال السابق مغيبا في التلقي: لا لا، لا يمكن أن تكون الخيانة معيارا عاما للجميع.
في قصة «فج الريح» يستمتع التلصص بحكاية البعد النفسي الذي يخلق فجوات للريح بوساطة الثنائيات التي شكلت متن القصة: الزوج ـ الحبيب الأول، هي طبيعية ـ هو غليظ، الصداقة الحقة ـ الصداقة المحرمة، الاحترام ـ الشهوة، متزوجة ـ أعزب، الواقع ـ فج الريح، السماء ـ الأرض، قربه ـ بعيدة، تراه في التأمل ـ يراها في الحلم، هذه الثنائيات بما تملك من خاصية الجمع، والتفريق بين صورتين أصلهما واحد لا يمكن الاستغناء عن إحداهن بسبب تعالقها الدلالي مع الثانية، وبالرجوع إلى سرديتها الصغرى تظهر فاعليتها في استثمار اللاوعي، الذي تكون مهمته إبداعية لها سلطة التأسيس لما هو غائب في الذهن، لكي يكون حاضرا في اللغة، إشكالية الزواج من غير حب.
وفي قصة «رسالة أخطأت عنوانها» يكون الحب في النهاية بعدا، واغترابا، ووحشة بين حبيبين، فما تراه الحبيبةُ حلما، يراه الحبيبُ وهما، وفي النتيجة تعيش المرأة خسرانها الكبير، وهكذا يتحول الوجد الكبير إلى سراب، وهذا ما لا نجده في قصة «لحظات لا غير» فالحياة متاحة للأعمار كلها، لكن السعادة طيف يأتي ولا يأتي، وهذا ما لا نجده أيضا في قصة «عنوان آخر للحياة» فقد يتغير حال الحبيب بعد الزواج، لكن الحياة تظل مفتوحة على أمل التعايش هربا من المستحيل الممكن، وخلافه ما يظهر في «حديث الرائحة» رائحة الحب التي لا عطر لها سوى عطر الروح الأخاذ، وفي قصة «رجل وامرأة بين سماء وماء»، إذ يأخذ عنوان القصة المتلقي إلى رومانسية الحب، والمطر في أبهى صورة، وتمام شكل، فإن رمزية الغيمة في نهاية القصة تسقط السرد في الهاوية، فكانَ الفقد مَنْ يتحكم في النهايات.
ينتهي التلصص على الحب بشكله الواضح، وهو يجتاز عتبات تغاير الزمن، وتبدل الأهواء، وإشكالية البعد النفسي، الذي يخلق فجوات للريح، واغترابا، ووحشة بين حبيبين، فالحب الذي وقع تحت مجهر التكبير السردي عاشر تصورات الحياة، وهو مراقب من تمكن الساردة، وشجاعة وصفها للحظات النشوة، واللذة ، فضلا عن وصف الداخل الأنثوي بطريقة تمكن المتلقي من تشغيل سلطة التأويل.
في ثيمة الحب المحرم (الزنا بالمحارم) يكون للتلصص شكلٌ فاضحٌ للفقر، الذي يسهم في شيوع الإثم، والرذيلة، والساردة إذ تخرق تابوهات المجتمع ، وهي تخوض غمار السرد في هذا العالم الشائك تكرر المحظور لتقف عن الممارسات، غير السوية ليس للتلذذ بفضاء محنتها، بل لفضح الأزمات الاقتصادية التي تتعمق في تعذيب الذات، وهي تصنع أنساقها النفسية في قلوب الأبرياء حتى تصبح ظاهرة توجب التنبيه؛ فالانحراف الأخلاقي وصمةُ عار على جبين المجتمعات، وخرقٌ فاضح للتقاليد السوية، وهذا ما هو كائن في قصتين في المجموعة.
في قصة «خلف الأبواب الموصدة: يكون التلصص مقرونا بالوصف الدقيق للحاضر، فهما يقدمان الحدث ممزوجاً بالفهم الواضح لما يجري، بعيدا عن التعتيم، فضلا عن النقد الذي نستنبطه من خلال القراءة الدقيقة لمتن القصة: تحرش الأخ بأخته، فالزنا بالمحارم حضور للفكر الشيطاني في رأس الفتى: الأخ الذي أراد أن يحاكي الوضع الخاص لأمه وأبيه، ومما زاد من محاكاته ماضيه الذي يشهد أنه من أصحاب السوابق، وهنا يتدخل السرد حين يصب اللعنة على الفقر، الذي جمع العائلة كلها في غرفة واحدة.
بعد خمس عشرة سنة على ذكرى التأريخ الأسود تستعيد الأخت صورة الأخ في أمسه البعيد، وهي تحكم القبض على ذلك العضو الذي تسلل إليها خفية في غياهب الليل لتستفيق مذعورة، وطعم المرارة في حلقها، مع أنها لم تتنكر للحادث الذي حرك فيها سواكن الحال، لقد صارت زوجة وأما، وها هي تستعيد شريط الذكرى المؤلم، وغريزة الأخ، وشهواته المتعفنة ليس بفعل استرجاع الزمن الجميل، إنما بدفع من شخير الزوج الذي ملأ المكان صخبا، وبفعل شهواته المتراكمة التي لا تقيم وزنا للحظات السعادة، التي يجب أن تتعالى على ما هو يومي واعتيادي.
وفي قصة «الاغتصاب» يكون التلصص من ثقب الغرفة الوحيدة أيضا تلك التي يعيش فيها الثلاثة فضلا عن الفاقة، والضنك، كانت (هادية) الأرملة وجدت نفسها بين أحضان رجل آخر، تزوجها وابنتها زينب معها، وعوض أن يعامل الزوج زينب معاملة الأب، الذي صار بحكم الشرع زوج أمها أخذ يتربص بها الدوائر، معولا على تفاهته، وسوء منقلبه، حتى تمكن في ليلة سوداء من اغتصابها، وإذ تنتهي القصة بانتقام زينب لشرفها، وانتحارها، فإن ما وراء سرها يظل مقرونا بالسؤال: أهذا النوع من (الزنا) ترفٌ سردي أم ماذا؟ لا أبدا، بل هو سردٌ مقصود يقف فاضحا الأوضاع الاقتصادية التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب المعاصي في ظل غياب تام لثقافة يترفع فيها المرء عن الدناءات.
 
٭ ناقد وأكاديمي من العراق
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات