Tuesday 22nd of September 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    03-Aug-2020

روائح* بروين حبيب

 القدس العربي

«بوسع البشر أن يغمضوا أعينهم أمام ما هو عظيم أو مروّع أو جميل، وأن يغلقوا آذانهم أمام الألحان والكلام المعسول، ولكن ليس بوسعهم الهروب من العبق، لأنه شقيق الشهيق معه يدخل إلى ذواتهم»، بهذا التعبير في خلال سرده لأحداث روايته «العطر»، يدخل باتريك زوسكيند إلى عقولنا، وقد وضع يده على الثغرة المنسية في حواسنا، حاسة الشم، بكل ما لديها من قوّة لرسم حدود علاقاتنا.
يبدو الأمر غريبا حين نذهب في رحلة حسية غير عادية نحو الروائح وتأثيراتها العجيبة في الإنسان في هذه الرواية، إنّها الرواية الأولى للكاتب، وقد حدّد بها مكانته الأدبية المتميزة، معتمدا موضوعا قلّما يُعَالج روائيا بهذا الزخم والإسهاب، مستخدما الصراع القديم الجديد في الذات البشرية بين الشر والخير.
بالطبع لم يكن الأول ولن يكون الأخير، لكنّه وضعنا أمام التصنيفات التي نُخضِع لها الناس حسب روائحهم، فلكل شخص رائحة، تُحَدَّد وفق نوع عمله، ومأكله، وأمكنته التي يعيش فيها. الفقراء لهم روائح إن لم تكن كريهة فهي تشبه العدم. قد يكون هذا مجرّد ترويج حقير لمعطًى عنصري، لكن الحقائق المبنية، سواء على الواقع أو على المتخيل تقول إنّ الأثرياء يحظون بروائح زكية، منبعها ما تزخر به حماماتهم من أنواع الصابون والزيوت والعطور. نستطيع تمييز الكحولي الذي تنبعث رائحة الخمور التي يحتسيها من أنفاسه وجسده، كما نستطيع تمييز المدخنين الذين يشبهون مداخن متحرّكة، تتحدّد علاقاتنا بهؤلاء وغيرهم، حسبما تفرضه علينا ذائقتنا الحسية المرتبطة بقدرتنا على استلطاف أو رفض هذه الروائح.
تعشق المرأة رجلها المدخن إن كانت تستحسن رائحة التبغ، يرتبط حضوره في ذهنها برائحة السجائر، فيما تفضل امرأة أخرى رائحة عطره، أمّا الروائح الجسدية الخفية التي هي نتاج هرموني معقد، تختبره الحواس العقلية العميقة فهذه حكاية أخرى، وهي التي بنى عليها زوسكيند روايته الغريبة، والتي ترجمت لأكثر من خمس وأربعين لغة.
في مقال طويل لدانوتا فجيلستيد أستاذة الدراسات الأمريكية، وما بعد الاستعمارية في معهد بليكنج في السويد، ترجمة أماني لازار، تقول «على الرغم من كثافة الاهتمام النقدي بالجسد، ما زلنا متشبثين بالجماليات التي ورثناها من القرن التاسع عشر، حيث لا اعتبار إلا لحاستي البصر والسمع. في محاولة لتلافي تجاهل حاسة الشم، في النقد تدرس المقالة المشاهد ذات العلاقة بالشم، في كل من رواية توني موريسون «سولا» 1973 و»مذكرات أمي» لجمايكا كينكاد 1996 و»مكتوب على الجسد» لجينيت وينترسن 1992 لإظهار ما تقدمه هذه الروايات من صور آسرة للغاية عن الشم، الجنس (الجندر) والإثنية». وقد استغربت أنها في ترتيبها للنصوص الروائية الغنية بالروائح، أخرت ذكر رواية زوسكيند، مع أنّ «الرّائحة» وحاسة الشم ركيزة أساسية في بنائها. بدا ذلك متعمدا منها، كون الرواية غطت على غيرها من النصوص، في ما يشبه احتكار هذه الثيمة. وبدا واضحا أن المقال ثمرة اجتهاد شخصي، لتأخذنا للتنوع الشمي، الذي تقوم عليه الحياة ولمَا لا، الموت أيضا.
 
من بين الكم الهائل من الروائح التي تحيط بنا، هناك رائحة الكتب التي لا تقبل المنافسة، وهي التي لا تكف عن إلهام أجيال من القرّاء والكتّاب، للذوبان والتفاعل في مكونات الحياة الجميلة.
 
لا علينا، فحسب استنتاجات فجيلستيد «فإننا جميعا متورطون بالتلاعب بعالمنا الشمي، وبالهويات الشمية لأجسادنا»، ولعلّ ذلك ما جعل المرأة أكثر خضوعا وإخضاعا في الوقت نفسه لحاستها هذه، فهي تتخلص باستمرار من روائحها الخاصة وتستبدالها بروائح اصطناعية زكية، بغية تحقيق أهدافها الإغوائية، وهي التي تعرف روائح بيتها وأفراده، وتستخدم أنفها لتصنيف ما هو نظيف وما هو متسخ، من أثواب وملاحف وشراشف، كما تتعايش مع ما يفرزه مطبخها من روائح، إذ تميز بينها، فهي تعرف أن طبختها استوت من رائحتها، كما يدفعها الفضول لاستخدام أنفها لمعرفة ما طبخه الجيران.
تستخدم النّساء أنوفهن لكشف أسرار خيانات أزواجهن لهن، فالمرأة تعرف رائحة زوجها، أو شريكها، وكل تغيّر فيها، يجعلها تدخل في حالة استنفار، لاكتشاف غريمتها. لهذا لا تكتفي بشم ثيابه بحثا عن عطرها، بل تغمس أنفها في تفاصيله، وتلقي القبض على بقايا روائح الخيانة، رغم حدوثها قبل ساعات من عودته للبيت. أخطر حاسة بين حواس الإنسان، هذه الحاسة التي اهتم بها كهنة المعابد، لهذا ارتبط البخور بالأماكن المقدسة، وطرد الأرواح الشريرة، واستحضار الملائكة والصالحين، وهذا ترويض ناجح للبشر في أزمان غابرة، وإخضاعهم لسلطة دينية معينة. في الأدب ظلّت اللغة بعيدة عن عالم الروائح، وحاسة الشم الرهيبة، كونها عصية عن الوصف الدقيق، وإن برزت فباقتضاب.
في رواية «مريم الحكايا» لعلوية صبح، نجد ما يكسر قاعدة الاقتضاب تلك، فمن جماليات هذا النص المميز، استخلاص ما يمكن استخلاصه من تفصيلات كثيرة، منها عبق الروائح وتأثيراتها، نقرأ تقريبا في فصل كامل، عن الرائحة الحميمة، عن التقدم في العمر، وتغيرات الإفرازات الهرمونية وروائح الجسد. حيث تتشابك الحواس في نسيج لغوي لا مثيل له، ناقلا مشهدا استثنائيا تداخلت فيه حوارات الغواية بروائح المكان الجارفة، إلى ما هو حميمي ومحرّم وصعب. تأخذنا الكاتبة إلى أقصى ما يمكن تخيله، من تصورات الجنس غير المكتملة وصفا بل تخيلا.
لا يمكن لقارئ الرواية أن يخرج سوى مرهقا، بمخيلة مستثارة، بعد أن تكون حوّاسه كلها قد خاضت في المسموح والممنوع. لقد تحدثت علوية صبح عن حاسة الشم التي تساوي بيننا وبين الحيوانات، في تساؤلات عن عباس وهو يشمشم مريم، كما تفعل القطط.
تضعنا صبح في مواجهة طبائعنا الإنسانية الخام، وتزيل عنّا ابتكارات الحضارة، في إلغاء جزئنا الحيواني الذي وحده يبقي الشبق على حاله، ويحفظنا من الانقراض.
وإن كانت حاسة الشم ما بعد حداثية كعنصر دخل عالم الاستيتيكا وتُستَثمرُ فيه أموال طائلة، فإنّه في الأدب يلغي القطيعة الوهمية مع الماضي البدائي للإنسان، ويقدمه في صوره كلها، مكتملا ببشاعة مكوناته، ونتانة مخلفاته العضوية. في وصف فضاءاته المكانية من مدن، وقرى، تتسع جماليات المكان كلما قلّ الحضور البشري، لكن قد يصبح لكل مؤثر انفعالي إضافي ما يزيد أو ينقص من قيمة جماله، من وصف للأصوات، والألوان، والأحجام، وغيرها مما تراه العين وتسمعه الأذن وتخزنه الذاكرة.
التخيلات المرتبطة بالروائح لها انعكاسات فلسفية وتاريخية وعلمية وأدبية متقاطعة. فالرائحة هي الطاقة الأقدر على بلوغ قاع اللاوعي، وإخراج مدفوناته إلى السطح، هي أيضا بلغة العلم المحفز الأول للعواطف، ومن بين الكم الهائل من الروائح التي تحيط بنا، هناك رائحة الكتب التي لا تقبل المنافسة، وهي التي لا تكف عن إلهام أجيال من القرّاء والكتّاب، للذوبان والتفاعل في مكونات الحياة الجميلة. في السنوات الأخيرة عقدت ملتقيات أدبية في عدة جامعات بحثت في الروائح والمجازات الشعرية والأنساق الأدبية. ما أعطى أهمية لمفردات الرائحة، وهذا انعكس على أسماء العطـــور التي كانت تستمدها من الأزهار، فأصبحت تستمدها من الشعر مثل poeme بمعنى شعر، أو «ساعة غياب» من مجموعة لويس فيتون، أو «توقف في بونديشيري» من مجموعة كريستيان ديور، وكأنه عنوان رواية…»إمّا الليلة أو لا إلى الأبد… ظل في الماء… فستان صغير أسود… إنه عالم جميل غرائبي وله سحره، وبالتأكيد لنا وقفة أخرى معه في مقالات مقبلة.
 
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات