Friday 4th of December 2020 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    12-Nov-2020

وماذا لو كانت امرأة بطلة «موسم الهجرة إلى الشمال»؟!

 القدس العربي-إبراهيم نصر الله

مع فهمي وتفهّمي وموقفي الواضح ضد سوء الفهم، المقصود أو غير المقصود، الذي تُطْرَح عبره صورة المرأة في مناهج الدراسة المبكرة بشكل خاص، وفي الإعلام وغير ذلك من مجالات، إلا أنني بينما كنت أنهي الكتابة الرابعة لروايتي الجديدة «مأساة كاتب القصة القصيرة» تمهيدا لإرسالها إلى الناشر، خطر ببالي سؤال غريب: ماذا لو كانت امرأة هي بطلة الرواية، وليس رجلا كما جاء فيها؟!
سؤال غريب، ذلك أن أسئلة كثيرة توالدت منه، مثل: كيف ستُستَقبل الرواية في حال كهذا؟ ما هو موقف كثير من الناقدات والنقاد المُنشغلين بصورة المرأة في الأدب، وكيف سيتمّ تحليلها؟ هل سيبقى جوهر الرواية نفسه، أم ستتغير قراءتها؟ هل سيتم تقبّلها بالطريقة نفسها؟ هل ستَغضب كاتبات القصة مثل كتّاب القصة بالدرجة نفسها من عنوان كهذا، حتى قبل قراءة الرواية، مع أن الرواية لا تتعرض بسوء لا للقصّة القصيرة ولا لمبدعاتها ولا لمبدعيها؟
يمكن أن تظل الأسئلة تتوالد هنا، كما ستتوالد بالتأكيد في ذهن قارئات هذا المقال وقرائه.
أما أغرب سؤال بالنسبة إليّ، فهو: لماذا لن تحاصرني هذه الأسئلة، ما دام بطل الرواية رجلا، وتلتهمني إذا كانت البطلة امرأة؟
لقد لفتت انتباهي دائما مئات الدراسات العربية، أكاديمية وغير أكاديمية، التي تناولت صورة المرأة في الشعر العربي، في الرواية، في القصة، وما إلى ذلك؛ بل يمكننا القول إن هناك آلاف الدراسات حول هذا، لكنني، وذاكرتي تخونني دائما! لا أتذكر أطروحة حول صورة «الرجل» في الرواية العربية أو الشعر أو القصة القصيرة، (يمكن أن نجد صورة البطل..). بالطبع، لذلك دوافع كثيرة؛ أعني للتركيز على صورة المرأة، والدفاع عنها، في ظلّ ظروف ورؤى اجتماعية ظالمة لها. لكن الأمر، رغم هذا، يدعو إلى التأمل.
ربما كان يمكن أن يكون طرح هذا الموضوع صعبا عليّ، لولا أن حضور المرأة كبير في رواياتي، وقصائدي أيضا، وفيها تتجلّى بطريقة صافية ونبيلة وقوية، فالشخصيات النسائية في «زمن الخيول البيضاء»، شخصيات رائعة بكل معنى الكلمة، وهو ما دفع ناقدة وباحثة أن تكتب مقالا جميلا حول «نساء زمن الخيول الرائعات»، وبالنسبة إليّ أستطيع القول إنني متعلّق «بنجمة» في «قناديل ملك الجليل»، أكثر مما أنا متعلّق ببطل الرواية! وفي «ثلاثية الأجراس» تتصدر المرأة بطولة الروايات الثلاث. ولذا، حينما سألني أحد الصحفيين ذات يوم: أي شخصية تلك التي تمثلك في «زمن الخيول البيضاء» وتوقّع أن أُجيب «الحاج خالد»، كان جوابي «ريحانة»، وحينما قالت لي ممثلة رائعة إنها تحب أن تؤدّي شخصية ياسمين في الرواية، وقد كانت هناك فرص لإنتاجها تلفزيونيّا، نصحْتها بأن تؤدي دور ريحانة، فهي أهم وأعمق وأقوى.
ويمكن أن أواصل الحديث عن «أعراس آمنة»، و»زيتون الشوارع»، و»طيور الحذر»، «شرفة العار»، لكن سأتوقف هنا لأعود إلى بداية المقال.
ذات يوم دار حوار حادّ بين مجموعة من الأصدقاء الأدباء وأديبة ناقدة، حول رواية «حرب الكلب الثانية»، وكان موقفها عنيفا من الرواية، لأن شخصية المرأة التي تظهر فيها شخصية سلبية. ولمجرد وجود شخصية سلبية، امتلكت تلك الأديبة جرأة إلغاء (مستوى) الرواية. عبثا حاول الأصدقاء أن يشرحوا لها أن الأمر لا يعني أن الكاتب ضد المرأة، ففي كلِّ رواياته تبدو المرأة في أروع صورها! لكنها لم تتراجع «أنا لا تهمني الروايات الأخرى، تهمّني هذه الرواية»، قالت.
الغريب في الأمر أن شخصيات رواية «حرب الكلب الثانية» كانت كلها شخصيات سلبيّة، لا شخصية إيجابية أبدا بينها، الرجال كلّهم، الصغار والكبار. وهذا أمر فرضه جوهر الرواية الذي لا يسعي لطرح فكرة خلاص أشبه ما تكون بكذبة بيضاء لو كُتِبَتْ، فغرض الرواية إحداث هزّة قوية.
إن سلبية صورة الرجل، صغيرا كان أم كبيرا في الرواية، لم تكن تعني أديبتنا الناقدة شيئا، وهذا في ظنّي أمر شديد الغرابة، فما الفائدة التي ستحققها المرأة إذا كان الرجال سيئين: الصديق والحبيب والزوج والأخ والأب والابن؟ هل ثمة ضرورة فعلية لذلك غير ضرورة أن نهجوهم؟!
في ظنّي أن على هذا النمط من الأفكار، في حدودها القصوى هذه، أن يتذكّر أن وجود رجال (جيدين) هو في مصلحة الحركة النسائية وليس ضدها، فنحن لا نتحدّث عن مُطْلقِ أخيار ومُطْلق أشرار في معادلة الذكورة والأنوثة، وإلا سيتحّول الأمر إلى ما يشبه تعاليم دين لا يجوز المساس بقدسيّتها، وكأن كل رجل ظالم وكل امرأة مظلومة، وكل رجل قاس وكل امرأة رقيقة، فعظمة الأدب دائما أنه إبحار في طبقات الروح الإنسانية، ولا نقول الروح الذكورية أو الأنثوية، فطموح كل كتابة أن يفيض المعنى ليمسّ كل ما هو إنساني.
أعرف أن مقالا كهذا يحتاج إلى قراءة هادئة، هادئة جدّا، لأنه ضد تنميط المرأة أصلا، وضد أن تكون كل امرأة ممثلة شرعية لكل النساء، كما لا يمكن أن يكون كل رجل ممثلا شرعيّا لكل الرجال، فقد تعبنا في عالمنا العربي، كاتبات وكتّابا، من وحشية «الممثل الشرعي» والترميز المجتمعي لكلّ شيء؛ فحين تتحدّث عن ضابط شرطة فاسد، يثور قطاع الشرطة عليك، وحين تتحدّث عن ضابط شرطة شريف، يثور المجتمع عليك ويعتبرك مادحا للسلطة ومتقرّبا لها، ويتكرر الأمر إذا كتبتَ عن زعيم عشيرة، طبيب، مهندس، سائق تكسي، سبّاك، أستاذ جامعي! لأن المُنتمين إلى هذه الفئة أو المدافعين عنها، يعتبرون الكاتبة أو الكاتب مُشوِّها لتلك «الشريحة» الاجتماعية!
لا تقوم الكتابة على هذه الأسس، لأن الحياة نفسها لا تقوم على فقر معادلة واهية كهذه.
وبعـــد:
يبدو لي أن فكرة الاجتزاء هي واحدة من الأفكار الأكثر رعبا لدى شريحة واسعة لدينا. إذ نلتفت لما يهمّنا في النص، فقط، كما نلتفت إلى ما يهمنا في قضية تعرض أمام محكمة، إذ لا يعنينا شيء مثل براءتنا الشخصية، أكثر مما تعنينا براءة شركائنا، في القضية ذاتها، مع أن الظلم واقع على الجميع. فكرة الاجتزاء هذه هي في الحقيقة فكرة المَحو، إذ يملك شخص ما جرأة حذف نص من ألف كلمة، أو خمسة آلاف كلمة، بإلقائه جانبا للاستشهاد بجملة من خمس كلمات، يريد أن يثبت من خلالها أن الكاتب حاقد، أو معادٍ، أو خائن للوطن!
وبعد أيضا:
ماذا لو كانت امرأة بطلة رائعة الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» وليس مصطفى سعيد؟!