Wednesday 3rd of March 2021 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    03-Feb-2021

الفيصلية… حين تجسد الحلم كحلوى

 القدس العربي-ثائر دوري

منذ صغري لم أشعر يوماً بود تجاه الفيصليات، وهي حلوى شامية مثلثة الشكل مصنوعة من الكنافة ومحشوة بالفستق الحلبي. في سنين لاحقة بدأت أفكر بأسباب عدم ارتياحي لها، أو ربما أردت أن أدعم موقفي منها بحجج فكرية. قلت هي ضائعة الهوية فلا هي شعيبيات، رغم أنها تشبهها بالشكل الخارجي، ولا هي كنافة رغم أنها مصنوعة من المادة نفسها، ولا هي مبرومة، رغم أنها محشوة بالفستق الحلبي.
أما من الناحية العملية فالتعامل معها عسير، إذ لا يمكن تقسيمها إلى قطع صغيرة متساوية الحجم والمحتوى مثل الشعيبيات، التي يمكن ببساطة تقسيمها إلى قطعتين أو أربع قطع متساوية، وهذا يجعل تناولها أو توزيعها على أكثر من شخص أمراً سهلاً. وكذلك الحال مع الكنافة التي يمكنك أن تقسّمها كما تريد، مربعات أو مستطيلات أو مثلثات، وبالحجم الذي تريد. أما المبرومة فتُقسّم إلى قطع دائرية بأي حجم تريد. بينما الفيصلية مثلثة الشكل فكيف سيتم تقسيمها؟ أجزم أن عالم رياضيات يعجز عن ذلك، خاصة أن الفستق الحلبي موزع بشكل غير متساو بين أضلاع المثلث، وأغلبه متجمع في مركز الفيصلية. ثم إن قساوتها، تجعلها مهددة بالانفراط، وتبعثر محتوياتها من الفستق الحلبي تحت ضغط السكين.
ثم خطر لي سؤال: ما الذي جعل صانع الحلويات في بلاد الشام يفكر بصناعة كائن بدون هوية واضحة، عبر جمع عناصر شتى من الصعب اجتماعها مع بعضها، على سبيل المثال من المستحيل أن يفكر أحد بصناعة شعيبية محشوة بالفستق الحلبي، أو مبرومة محشوة بالقشدة. ما الذي جعل صانع الحلويات يفكر بصناعة الفيصلية، التي يحتاج تناولها إلى كثير من الحذر والاستعداد، فهي تخلف بين يدي آكلها كثيراً من فتات الكنافة، وقد يفقد أثناء ذلك بعض حبات الفستق الحلبي من داخلها؟
 
كائن أيديولوجي
 
سرعان ما اكتشفت أن الفيصلية كائن أيديولوجي، مثله مثل شعر أيمن أبوشعر أو أدب الواقعية الاشتراكية. كائنات تم تصنيعها لخدمة قضية سياسية، ولم يفرزها الواقع بشكل عفوي، لذلك لم تعرف مراحل النضج الطبيعي، الذي يقص الزوائد ويشذّب السلبيات، ويحذف ما هو غير عملي. لقد تم دمج هذا المزيج غير المتجانس من الكنافة والفستق الحلبي بشكل مثلثي، تكريماً للملك فيصل الأول ونسبوها له. وقد اختاروا الشكل المثلثي لشبهه بالسدارة، التي أرادها الملك فيصل غطاء رأس يميز العراقيين والعرب..
السدارة الفيصلية
في 23 آب/اغسطس1921، تولى فيصل الأول نجل الشريف حسين شريف مكة، الذي كان قبل أكثر من عام قد خسر مملكته السورية، بعد استشهاد قائد الجيش ووزير دفاع المملكة الفتية، الشهيد يوسف العظمة. وغادر سوريا بعد إنذار الفرنسيين بوجوب مغادرته دمشق وتالياً درعا، لأنهم لا يريدون رؤيته في الجزء الذي خصتهم به معاهدة سايكس بيكو من بلاد الشام. لكن سرعان ما تلقفه البريطانيون هدية من السماء جاءتهم في الوقت المناسب، كي يحلّوا مشاكلهم المتفاقمة في العراق، الذي يتنازع على إدارته ضباط المستعمرتين المصرية والهندية. فالبلد الذي بدأ النفط يتدفق فيه، أوشك أن يفلت من بين أيديهم في ثورة العشرين. وها قد جاء الحل على هيئة ملك عربي ومملكة عربية يقودها ابن حليفهم السابق ضد الدولة العثمانية وكان ذلك.
 
الفيصلية كانت حلماً فيه كثير من العيوب. لكن هل تصغير حلمك يلغي عيوبه؟ أشك.. لكني على يقين أنه في زمان مقبل سيُبدع الشوام حلماً جديداً ويجسدونه على أرض الواقع. سيبدعون حلماً من مواد جديدة أكثر تجانساً وأسهل تداولاً.
 
بناء دولة عصرية
 
كان فيصل محاطاً بحاشية من الضباط الشوام والعراقيين الذي يملكون مشروعاً تحديثياً للأمة، يجعلهم لا يركنون إلى الحلول التغريبية الجاهزة، كالتي اتبعها أتاتورك حين غرّب بلاده بشكل تام، فاستبدل الحروف العربية التي تكتب بها اللغة التركية بالحروف اللاتينية. بدون أن يشرح أي ميزة يمتلكها الحرف اللاتيني عن الحرف العربي! كما أحلّ القبعة الغربية مكان الطربوش. أما هنا في العراق جمجمة العرب، ومع النخبة الفيصلية فلا تنفع هذه الحلول، لا بد من البعث الشامل للأمة عبر بناء دولة عصرية في العراق، بدون القطيعة مع الماضي على الطريقة الأتاتوركية. سرعان ما بدأت نهضة شملت كل مناحي الحياة من الجيش إلى اللغة إلى التعليم، وكان للزي مكانه في مشروع التحديث والانبعاث القومي. فقد خلع الملك الحجازي سليل أشراف مكة العقال والدشداشة ولبس البدلة العصرية، وخص شعبه بغطاء خاص للرأس. لم يفعل كما فعل أتاتورك حين استبدل الطربوش بالقبعة الغربية، بل اختار غطاء رأس يبدو لناظره مثلث الشكل (انظر الصورة).
فكانت السدارة الفيصلية. وتقول كتب التاريخ أنها وزعت أول مرة للوزراء من قبل رستم حيدر، أحد مستشاري الملك في حينها، وكان الملك فيصل أول من لبسها لتشجيع الناس على ارتدائها، ومنها سميت باسمه (فيصلية). واعتمرها أهل بغداد فصارت رمزاً للهوية الوطنية العراقية، فذكرها شعراؤهم وغنى لها المطربون (يا حلو يا ابو سدارة….. متيمك سوي له جارة).
 
 
لم يكن الشوام مهيضي الجناح بزوال مملكتهم وتقسيم بلدهم، وقضم دول الجوار لجغرافيتهم، واستيطان أقليات عرقية ودينية في بعض مناطق بلادهم. لم يكونوا بعيدين عما يجري في العراق، فالملك ملكهم والنخبة المحيطة به فيها كثير من أبنائهم، وهم يطمحون لخلاص يأتيهم من وراء الحدود. وقد ظل هذا حالهم طيلة القرن العشرين، فقد انتظروا الخلاص مرة من الحسين شريف مكة، ثم من ابنه فيصل في مرحلته العراقية، وبعد وفاة فيصل عولوا على عبد العزيز آل سعود… في نقلات تبدو للمراقب الخارجي غير منطقية فكيف تعشق هاشمياً وبعد سنوات قليلة تنقل عشقك إلى خصمه السعودي. ويبدو أن هذا السؤال قد تعرض له السوريون كثيراً في ثلاثينيات القرن العشرين، مترافقاً بعتاب هاشمي، ما اضطر الصحافي نجيب الريس لكتابة مقال شرح فيه لماذا يتمنى السوريون فوز ابن السعود في معركته ضد الإمام يحيى إمام اليمن؟ قال أن لا عداوة مع إمام اليمن.. وأن السوريين لا ينحازون إلى ابن سعود، ولا إلى غيره، بل هم ينحازون إلى حلمهم بدولة عربية كبيرة قوية تخلصهم من حال التجزئة والضعف والهوان. «هم يتمنون لابن سعود الظفر على الإمام ويعلقون آمالاً ضخمة على احتلال اليمن وضمها إلى المملكة العربية السعودية الناشئة، حيث تتألف دولة عربية واحدة من الخليج إلى البحر الأحمر.. من أمة لا تطرق رأسها حياء إذا قيل أن ايران تعد حوالي العشرين مليوناً. وتركيا على أكثر من هذا العدد، بل يكون عدد هذه الدولة العربية السعودية اذا ضمت اليمن العليا وعسير وتهامة مع الحجاز ونجد عشرة ملايين نسمة..» (مقالة بعنوان لماذا يتمنى السوريون فوز ابن السعود.. كتاب نضال). السوريون كانوا ينحازون لأحلامهم لا إلى فيصل، أو ابن سعود، أو عبد الناصر أو صدام حسين أو…
حتى وفاة الملك فيصل الأول عام 1933 تجسد حلمهم به لذلك سموا أبناءهم وأحفادهم باسمه، كما لبس الرجال السيدارة الفيصلية. واكتسحت مدن وأرياف بلاد الشام. ونشأت معارك صحافية بين المدافعين عن القديم المتمثل بالطربوش والجديد المصنوع محلياً «الفيصلية»، وتزامن ذلك مع طرح فكرة توسيع مملكة فيصل، لتشمل سوريا أو إنشاء عرش هاشمي جديد برعاية فرنسية. فبالغ الشوام بمحبة فيصل وعبروا عن ذلك، بأن صنعوا حلوى خاصة وسموها باسمه فكانت الفيصلية. قبل عقدين ونيف، وبعد أكثر من نصف قرن من وفاة فيصل، أدرك أحدهم عيوب الفيصلية فقام بمحاولة لإصلاحها. ماذا فعل؟ حافظ على شكلها ومكوناتها وقام بتصغيرها فصارت تباع بالكيلو، بعد أن كانت تباع بالقطعة ملفوفة بكثير من التبجيل بورق سولفان أبيض. هل هذا حل مثالي؟
الفيصلية كانت حلماً فيه كثير من العيوب. لكن هل تصغير حلمك يلغي عيوبه؟ أشك.. لكني على يقين أنه في زمان مقبل سيُبدع الشوام حلماً جديداً ويجسدونه على أرض الواقع. سيبدعون حلماً من مواد جديدة أكثر تجانساً وأسهل تداولاً. لكن لا يمكن التكهن بطبيعته الآن، وإن كان لا يخرج عن نسق تفكيرهم في القرن العشرين، دولة قوية كبيرة بجغرافية واسعة وديموغرافيا ضخمة، لا تقل عن إيران أو تركيا. ستكون موادها الأولية من هذه الأرض وسيبدعونها في الساحات والسهول والجبال.
 
كاتب سوري