Friday 18th of October 2019 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة


 
  • آخر تحديث
    12-Jul-2019

ذاكرة المكان في لوحات الفنانة التشكيلية رنا حتاملة

 الدستور-مجدي دعيبس 

قالوا في المكان ما قالوا وكتبوا عنه ما كتبوا وتظل حالة من هنا أو هناك عالقة بالذاكرة ومتشبثة بها دون غيرها. لعل ميسون الكلبية أفضل من لخص ثيمة الارتباط الحميم بالمكان في ذلك البيت الشعري المحفور في الوعي  الجمعي عندما قالت (لبيت تخفق الأرياح فيه   أحب إلى من قصر منيف) فطلقها معاوية او بالأحرى أخلى بينها وبين هذا الحنين إلى فضاء مفتوح ومشبع بروائح تسكن إليها النفس وتعيدها إلى لحظة الطفولة وذكريات زاهيةيغرف منها الإنسان كلما أثقلت عليه الدنيا وعَسُر عليه الرزق وتبدّل هوى العشير. وفي عصرنا هذا باح الطيب صالح بكل شيء عندما قال: كتبت حتى أقيم جسرا بيني وبين بيئة افتقدتها. عاش وعمل في (لندن) لكنه ظل يحن إلى (كَرْمَكوْل)؛ قريته البسيطة ومسقط رأسه في السودان. فرق شاسع بين البادية وقصر معاوية أو بين كرمكول ولندن وهنا تتجلى عبقرية المكان التي أبدعت رائعة الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) وخطّت قصة ميسون ومعاوية بحروف لا تُمحى.
في لوحات التشكيلية رنا حتاملة يظهر وجع المكان جليا رغم أنها لم تغادره وهذا هو الإشكال الأعظم وهو أن تعيش الواقع كحلم والحلم كواقع فتضيع اللحظة ويرتبك الايقاع الزمني فتمتدّاليد حتى تتلمس الحجارة ويرتفع الحاجبان حتى تنطبع الصورة كما هي في ذاكرة بصرية تسعى دوما للتجديد واختطاف اللقطة الفريدة. 
اللوحات التي اطلعت عليها من خلال الشبكة العنكبوتية لا تحمل أسماء ولا أي دلالة تشير إلى لوحة بعينها لذلك سأعمد إلى وصفها أو إلى اطلاق اسم يناسب موضوعها كما أراه. اللوحة الأولى التي سأعرض لها هي تلك التي تظهر فيها ثلاث طائرات ورقية. الألوان وادعة ومريحة ويظهر الصيف بشمسه وسمائه وغيومه اللينة. القمح الذي اكتنزت سنابله حتى مالتودكن لونها وماء البحيرة أو البركة التي ظهرت فيها الأسماك وهي تمسك بخيطان الطائرات الورقية. هذه كلها اشارات ثقافية معروفة سواء في المكان القريب أو المكان البعيد. الماء حياة الصيف والقمح حياة الشتاء. هذه لوحة حورانية تخفق بانفاس حوران العظيم ومكتنزة بموروث شعبي عميق. الشمس جاءت على صورة لا انطباعيةوبدا لها ملامح وجه ما وكأنها تقول:  هذه هديتي إليكم بعد الشتاء الطويل والقاسي. وهذا يدلل على أن الفنانة تبحث عن هوية بصرية بعيدة عن أدلجة المدارس المعروفةفي الفنفتأخذ من هذا ولا تنكر ذاك. الطائرات الورقية هي الحنين الى العمر الطري والفضاء اللانهائي والأحلام المشبعة بالمستحيل الممكن مثل الأسماك التي تستمتع بوقتها وتشد خيط طائرتها الورقية وهذا رمز قد يشير إلى أن لغة الاتصال ممكنة حتى بين العوالم المختلفة؛ عالم الطائرات الورقية وعالم الأسماك. هذه دعوة للانفتاح على الآخر وعدم التمترس خلف أفكار متحجرة ومقيتة تماما كما عاش اجدادونا على هذه الأرض في زمان مضى لم يبق منه سوى صور فوتوغرافية قديمة بالأبيض والأسود. الحرية تكاد تنطق في اللوحة وتقدم نفسها من خلال الألوان والمنحنيات والضوء والظلال.
لن أقول أن هذه اللوحة لن تتكرر ولم يأتِ مثلها فالطائرات الورقية ظهرت في أعمال كثيرة وأيضًا القمح والشمس والسماءوالماء لكن الفريد هنا هو أسلوب المعالجة وجمع مؤشرات ثقافية منعكسة عن واقع ملموس في لوحة واحدة متناغمة لتعبر عن حالة حب وانصهار الخيال بالواقع دون أن يتغول أحدهما على الآخر. لوحة جميلة تستحق التقدير.
اللوحة الثانية هي تلك التي تظهر فيها المئذنة والقنطرة. من الواضح أن الفنانة استخدمت تقنية مختلفة عن تلك المستخدمة في لوحة الطائرات الورقية. على الأغلب يأتي اختيار التقنية جرّاء تصور مسبق للشكل النهائي للعمل. اللوحة انطباعية واللون هو السيد الأول الذي يفرض مزاجه على الجو العام للوحة ويضفي عليها لمسة واقعية ساحرة. القنطرة هي أسلوب معماري ساد فيما مضى وهي جزء من ثقافة المكان التي تتسع لتشمل اللباس والأدوات والعادات والتقاليد وما يؤكل وما يشرب. هذا نوع من التأريخ البصري لفن العمارة أما المئذنة فتتجه للدلالة الدينية لأن تفاصيلها المعمارية غير واضحة.
لوحة الخريف وأوراقه المتساقطة حيث تصلح لأن تكون انطباعية أو رمزية. قد تشير إلى زمن التحولات الاجتماعية والسياسية التي رافقت الربيع العربي. الألوان داكنة وتنعكس على شعور المتلقي فتثير فيه الحيرة والتردد. 
اللوحة الأخيرة هي لوحة الفتى الطائر والدحنون بحمرتة الداكنة الذي يشير إلى ربيع المكان. اللوحة رمزية ومفتوحة على احتمالات كثيرة. الفتى الطائر قد يكون فارس الأحلام الذي استبدل الحصان الأبيض بجناحين بيضاوين. يهم بالهبوط ليقطف لحبيبته زهور الدحنون الفاتنة فيثير زوبعة كبيرة. وقد يكون حفيد عباس بن فرناس الذي تمسك بحلم جده ونجح بتحقيقه أخيرًا. لكن القراءة الأقرب إلي هي أن الأحلام ممكنة التحقيق مهما كانت جامحة ما دام الاصرار حاضر وقد تكون هيبة الدحنون وجمال الطبيعة التي دفعت الفتى للشعور بالخفة والتحليق بوحي من الشعور بالرضا والانسجام وأحلام اليقظة. الألوان المستخدمة تفاوتت بين الأحمر والأخضر والأسود والأبيض والمشمشي وهي متناسبة مع موضوع اللوحة الغامض. 
وهناك لوحات كثيرة ترصد جزئيات تشكل بمجموعها ذاكرة المكان. منها لوحة قن الدجاج الذي ظل لفترة قريبة جزء من باحة منزل الريف ومن المفردات اليومية المتكررة. لوحة النكبة وتهجير الشعب الفلسطيني في الذاكرة القريبة. لوحة فنجان القهوة العربية المحمّل برمزية تحتاج لتحليل وتمعن. لوحة عباد الشمس وبجانبه مواد وأدوات مطروحة على فيما يبدو أنها طاولة مطبخ. لوحة المكحلة ولوحة السلم الخشبي بالإضافة إلى أدوات الزراعة المعروفة. لوحة الطيور المألوفة في المكان ولوحة الجرة او الزير ولوحة المزهرية ولوحة شجرة الحمضيات وغيرها.  
الفنانة رنا حتاملة تلتقط موضوعاتها من محيطها أو من روح وشخصية المكان لتحفظ هذا الإرث الثقافي حتى لا يسقط من الذاكرة بفعل الزمن الذي لا يرحم الذكريات.قدمت في هذه السطور اللوحات التي تتماشى مع موضوع الطرح غير أنه لديها لوحات أخرى كثيرة محمّلة بمضامين جادة. رنا تجربة واعدة وتستحق الإشادة وما زال في جعبتها الكثير الكثير، فلننتظر قادم الأيام ونر ما تأتي به! 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات