

وفي قراءة نقدية أعمق لأعمال غنوة، نكتشف أنها تبحث عن “استقلالية مطلقة” في خطوطها ورسومها؛ فكل قطعة هي كيان مكتفٍ بذاته، لا يحتاج لغيره ليفرض حضوره. إنها تعبر عن علاقة معقدة بالمكان، فهي تريده جزءاً منها، ومع ذلك، ترفض أن تترك تصاميمها حبيسة الارتباط الدائم بشيءٍ واحد. إن هذا “التناقض الخلّاق” هو جوهر سحر “ميليشا”؛ فهي تصمم قطعاً تمتلك قدرة على التكيف والترحال، وكأنها ترفض الجمود أو الانتماء لمساحة بعينها، مما يمنح المقتني شعوراً بالحرية والسيولة. هذا الانفصال المدروس بين القطعة والمكان هو نقدٌ مبطن للثبات المفرط؛ فغنوة لا تريد لأثاثنا أن يكون قيوداً، بل تريد له أن يكون رفيقاً حراً، مستقلاً بجماله وقادراً على خلق “مكانه الخاص” أينما وُجد.
تتجلى هذه البراعة عبر محورين إبداعيين؛ الأول هو “المزهريات” (Vases) التي تصيغها كمنحوتاتٍ تتفاعل مع الضوء والظل وتتغير ملامحها بتغير زوايا الرؤية، مما يمنح الفراغ حركةً وحياة، والثاني هو “المصابيح” (Lamps) التي تمثل ذروة نضجها التقني، حيث توظف الضوء كأداة تشكيلية تبعث سكينةً شعورية وتمنح المكان دفئاً بصرياً لا يُدرك إلا بالتجربة الحسية المباشرة. وما يضفي على هذه الأعمال طابعها الفريد هو “الذاكرة” التي تشحن بها تصاميمها؛ فهي تستحضر ذكريات طفولتها ومشاعرها الفطرية لتعيد صياغتها في أشكالٍ معاصرة راقية، مؤمنةً بأن كل قطعة تحمل في طياتها “Loma” -أي الروح- التي تمنح الأشياء قيمةً تتجاوز الزمن. إن “ميليشا” اليوم تمثل ثمرة توازنٍ دقيق؛ توازنٍ بين الأشكال الهادئة والألوان الدافئة، وبين صرامة المهندسة وعفوية الفنان، لتؤكد غنوة عبود في كل زاوية من زوايا أعمالها أن التصميم العظيم ليس ذلك الذي يكتفي بالجمال البصري، بل هو التصميم الذي يلامس الوجدان، ويحترم استقلالية الإنسان ومساحته، ليجعل من المنزل رحلةً مستمرة في عمق الجمال والحرية.