الرأي -
جهود حثيثة يبذلها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين على المستوى الإقليمي والدولي، في سبيل وقف الحرب بالمنطقة، والذهاب إلى مفاوضات تنهي الأزمة التي يتضرر منها الجميع، على شتى الأصعدة. وكان آخرها زيارة الملك إلى جدة ولقاؤه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وسمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، في قمة ثلاثية ركزت على الأوضاع في المنطقة وسبل خفض التصعيد الخطير.
الأردن يقف إلى جانب الدول العربية
ويقول وزير الاتصال الحكومي الأسبق فيصل الشبول إن الملك يؤكد دائما موقف الأردن الثابت، ورفضه الحرب من حيث المبدأ، واصطفافه إلى جانب الدول العربية في هذه المحنة، علاوة على عدم إدارة الظهر، والتذكير دوما بالقضية الفلسطينية.
ولفت الشبول إلى أن جلالة الملك قائد عالمي صاحب خبرة واسعة، وهو ما عززه اتصال معظم زعماء العالم بجلالته في بداية الحرب، بسبب خبرته ومعرفته في المنطقة، وموقفه الثابت ضد النزاعات المسلحة، والتزامه تجاه قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وتابع أن الملك يعرف تماما حجم الكارثة التي أصابت المنطقة جراء اشتعال الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وآثارها بعيدة المدى وليست آنية فقط، لأن ما حصل يشكل تهديدا لأمن المنطقة والعالم، مستذكرا تحركات جلالته مع قادة العالم للضغط من أجل وقف إطلاق النار، وتقليل كلفة الصراع على شعوب المنطقة.
وذكر الشبول بتنبيه القيادة الأردنية، في كل مناسبة، إلى خطورة إدارة الظهر للقضية الفلسطينية، بما فيها حقوق الفلسطينيين، في ظل الإجراءات الإسرائيلية المتطرفة في الضفة الغربية، قائلًا إن الملك يريد ضمان موقف من الدول العربية خلال المرحلة المقبلة، لأنه من الواضح أن حكومة الاحتلال، ومعها السياسات الأميركية، قد تؤثران بشكل كبير على مستقبل المنطقة برمتها.
الخبير الاستراتيجي الدكتور عمر الرداد قال إن الأردن، بقيادة الملك، يقوم بحركة دؤوبة على المستوى الإقليمي والدولي، لتثبيت مواقفه التي تتسم بالاعتدال ورفض الحرب، معتبرا أن أهمية الزيارة تكمن في إعادة التموضع العربي والوصول إلى مواقف إقليمية، وتعظيم القواسم المشتركة، إذ إن الأردن ودول الخليج ملتزمون، حتى اللحظة، بسياسات دفاعية، ولم ولن ينجروا إلى أبعد من ذلك، وهو ما يريده اليمين الإسرائيلي والقيادة الإيرانية.
وأضاف الرداد، في حديثه إلى "الرأي"، أن لقاء الملك مع ولي العهد السعودي وأمير قطر يكتسب أهمية كبيرة، خاصة أنه يأتي في ظل استمرار الحرب، ما يعني تنسيقا في المواقف والإجراءات على الأرض، حول كيفية مواجهة هذه الأزمة التي لدى الأردن ودول الخليج قناعة بأنها نتاج مخططات استراتيجية لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو واليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يريد إشاعة الحرب في المنطقة، إضافة إلى أهداف خاصة بالجانب الإيراني.
وتابع أن الملفت للنظر اليوم ما تقوم به إيران، وتحديدا عبر الحرس الثوري، من ضرب أهداف مدنية في الأردن ودول الخليج، ما جعل هذه الاعتداءات قاسما مشتركا بين الأردن ودول الخليج الست، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
ولفت الرداد إلى أن الأردن جزء من منظومة الأمن الخليجية، وإن كان يرتبط بعلاقات وتحالفات دولية، لكن بعده العربي خليجي بالدرجة الأولى، دون استثناء سوريا والعراق ولبنان، باعتبارها فضاء له، وفق تعبيره.
ويعتقد الرداد أن الزيارة تأتي ضمن أهداف قصيرة المدى، تسعى لتنسيق كيفية المواجهة الحالية خلال الحرب، وأهداف استراتيجية أخرى، لكون المنطقة مقبلة على تغييرات جيوسياسية هائلة جدا، ربما نرى ملامحها اليوم في لبنان والعراق واليمن.
بمعنى، في حال ذهبت الحرب باتجاه هزيمة إيران، سنكون أمام تموضعات جديدة تتطلب تنسيقا جديدا، وإعادة بناء الخطط والاستراتيجيات الأمنية بصورة مختلفة، وبعد وضع إيران الأردن ودول الخليج في سلة واحدة، يجب أن يكون الرد موحدا، ومن هنا تأتي أهمية زيارة الملك إلى دول الخليج، والتنسيق عالي المستوى، بحسب الرداد.
فلسطين عنوان لا يغيب
وفيما يتعلق بالاهتمام بالقضية الفلسطينية، على الرغم من الحالة الإقليمية الاستثنائية التي تشهدها المنطقة، أكد الرداد أولويتها أردنيا، رغم انتقال عين الكاميرا إلى ساحات أخرى، إلا أن الأردن، وفق مواقف ثابتة، ما زال يتمسك بها ويذكر العالم، ويطرح من موقعه العنوان الفلسطيني بكل تفاصيله على طاولات البحث الدولي والإقليمي، وربما يكون الدولة الوحيدة التي تذكر بالقضية الفلسطينية وما يجري في الضفة الغربية، وآخرها منع الصلاة في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، بالإضافة إلى الاستيطان، فضلا عن الأزمة التي تتفاقم يوميا في قطاع غزة.
وبيّن أن كل الملفات المتعلقة بفلسطين لم تغب عن السياسات الأردنية، بما فيها لقاءات جلالة الملك خلال زياراته الإقليمية والدولية، وأثناء الحرب الأخيرة، مبينا أن موقف المملكة لا يأتي على سبيل المزايدة أو طرح الشعارات، بل هي، كعادتها، تعمل في صمت، لما لها من حضور دولي وكلمة مسموعة.
تنسيق عميق بين بلدين وازنين
ويرى مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، الدكتور حسن المومني، أن زيارة الملك إلى جدة واجتماعه مع ولي العهد السعودي تأتي في سياق التنسيق العميق بين بلدين وازنين في السياسة الدولية للشرق الأوسط، تجمعهما مصالح وتحديات مشتركة، كاشفا عن وجود بعد ثالث مع دولة قطر، التي تجمعها مع الأردن علاقة استراتيجية خاصة في سياق الهجمات التي تتعرض لها هذه الدول من قبل إيران.
وتابع، في حديثه إلى "الرأي"، أن الحالة التنسيقية لا تقتصر على الحرب الدائرة حاليا، وإنما تشمل تداعياتها أيضا ومرحلة ما بعدها، وأن التنسيق الأردني السعودي القطري يأتي على خلفية حراك دبلوماسي مكثف سبق الحرب وأثناءها، سواء في الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، أو في إطار جامعة الدول العربية، مشيرا إلى أن الزيارة تأتي في سياق جولات سابقة إلى دولة الإمارات والبحرين والدوحة، في حالة تنسيقية تكشف الأدوار المهمة التي يلعبها الأردن والسعودية.
وأكد المومني عمل الأردن المستمر لبقاء القضية الفلسطينية حية في سياق الحرب الأخيرة، التي قد تكون فرصة لتحويل الاهتمام العالمي والإقليمي عنها، وكذلك لكشف السياسات الإسرائيلية التي تقوم باستغلال انشغال العالم، وقطعا فإن الأردن هو الصوت الداعم لفلسطين على لسان جلالة الملك والمسؤولين الأردنيين.