Saturday 8th of August 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    08-Aug-2026

سياسة الهجرة الأوروبية: انتصار جديد لليمين المتطرف

 الغد

كلوي فريس-بونو؛ وتانيا راشو - (أوريان 21) 2 تموز (يوليو) 2026
 
لا يشكل التوجه نحو إنشاء ما يُعرف بـ"مراكز الإعادة" انتصارًا سياسيًا لليمين المتطرف الأوروبي فحسب، بل يمثل أيضا صيغة جديدة تندرج في سياق عقود من العنصرية البنيوية ونزع الصفة الإنسانية عن المنفيين والمهاجرين. وفي هذا الإطار، وبعيدا عن مبادئ حقوق الإنسان التي يدّعي التمسك بها، لم يعد الاتحاد الأوروبي يخفي استعداده للتكيف مع الأنظمة السلطوية ما دامت تثبت أنها شركاء يُعتمد عليهم.
 
 
***
في الأول من حزيران (يونيو) 2026، توصلت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي إلى اتفاق بشأن ما يعرف بـ"لائحة الإعادة". وتمثل هذه اللائحة، على الأرجح، أبرز تجليات الانحراف الذي بدأ قبل نحو ثلاثين عاما، وتشكل خطوة إضافية نحو إقصاء الأجانب من الأراضي الأوروبية وإبعادهم عن الأنظار. وفي 17 حزيران (يونيو)، أُقرت اللائحة بأغلبية 418 صوتا مقابل 218، مع امتناع 30 نائبا عن التصويت. وهي تخول الدول الأعضاء بإنشاء "مراكز للإعادة" -مراكز احتجاز تقام خارج أراضي الاتحاد الأوروبي، يمكن ترحيل الأجانب المطرودين من أوروبا إليها، واحتجازهم فيها لمدة قد تصل إلى عامين. ومن بين الدول المطروحة لاستضافة هذه المراكز: رواندا، وأوغندا، وأوزبكستان.
المنفيون... يُعاملون كسلعة
يشير مفهوم "التعهيد" Outsourcing إلى نقل جزء من وظائف مؤسسة ما أو كلها إلى جهة خارجية. وفي عالم الأعمال، يتم اللجوء إلى التعهيد في مجالات الإنتاج أو الخدمات اللوجستية وغيرها. أما في سياسات الهجرة الأوروبية، فما يتم تعهيده هو إدارة البشر. وهذه الدلالة ليست بريئة، إذ لم يعد يُنظر إلى المنفيين بوصفهم أصحاب حقوق، بل باعتبارهم تدفقات ينبغي التحكم فيها، أو مشكلة ينبغي تصديرها، أو سلعة يمكن إسناد إدارتها إلى طرف آخر.
وليست فكرة إبعاد الأجانب -بل وحتى إخفائهم عن الأنظار- جديدة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، ومع ترسخ فضاء "شينغن" الذي يضمن حرية تنقل الأشخاص، بدأ الاتحاد الأوروبي يتجه إلى إبرام اتفاقات مع دول خارج حدوده تتضمن بنودا تتعلق بإدارة تدفقات الهجرة، في البداية مع دول أوروبا الشرقية، ثم مع عدد من بلدان شمال أفريقيا وغربها. وسرعان ما أصبحت إدارة سياسات الهجرة محورا أساسيا في مختلف مجالات الدبلوماسية الأوروبية، بحيث باتت التجارة، والمساعدات التنموية، والمساعدات الإنسانية جميعها مشروطة باستعداد الدول الشريكة للقيام بدور حراس حدود أوروبا.
عقود من "التعهيد"
تعود أولى هذه الاتفاقات إلى تلك التي أُبرمت بين الرباط ومدريد مطلع تسعينيات القرن الماضي، بهدف استخدام مدينتي سبتة ومليلية الإسبانيتين في المغرب -وهما من بقايا الحقبة الاستعمارية- بوصفهما حدودًا خارجية مهمتها منع عبور المهاجرين. ثم جاء اتفاق الاتحاد الأوروبي وتركيا في الالعام 2016 ليفتح الباب أمام إسناد مهمة مراقبة اللاجئين، ولا سيما السوريين، إلى أنقرة، مقابل ستة مليارات يورو.
وفي العام 2017، جرى تجديد الاتفاق مع ليبيا، بحيث تتولى قوات خفر السواحل الليبية اعتراض القوارب في وسط البحر الأبيض المتوسط وتنفيذ ما يعرف بعمليات "الإعادة القسرية" Pushback. وفي العام 2023، وقع الاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم مع تونس، تضمنت تقديم 105 ملايين يورو. وخلال صيف العام نفسه، دُفع أكثر من 1.200 شخص إلى الحدود الليبية والجزائرية في ظروف غير إنسانية، حيث تُركوا في الصحراء، من دون ماء، تحت شمسها الحارقة. وفي آذار (مارس) 2024، وقعت مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي "شراكة استراتيجية شاملة" مع الاتحاد الأوروبي بقيمة 7.4 مليارات يورو.
وفي تقريرها الصادر العام 2026 بعنوان "التعهيد من أجل السيطرة: كلفة وتحديات إسناد إدارة الهجرة إلى أطراف خارجية"، تشير منظمة "اللجنة الكاثوليكية لمكافحة الجوع من أجل التنمية – أرض التضامن" CCFD-Terre Solidaire غير الحكومية، التي تنشط في هذا الملف، إلى الغموض المقلق الذي يكتنف هذه الآليات. فالأموال تتدفق، والاتفاقات تُبرم بين الحكومات بعيدًا عن أي رقابة ديمقراطية من الممثلين المنتخبين، فيما تكاد تنعدم، أو تبقى هزيلة، آليات مراقبة احترام حقوق الإنسان. وفي هذا السياق، قررت المنظمة، على سبيل المثال، مقاضاة فرنسا للمطالبة بمزيد من الشفافية بشأن الاتفاق الذي أبرمته مع تونس، وهو اتفاق يضاف إلى ذلك المبرم مع الاتحاد الأوروبي، واتفاقات أخرى أبرمتها بعض الدول الأعضاء، مثل إيطاليا.
مع مرور الوقت، يجد الفاعلون في المجال الإنساني أنفسهم، تدريجيًا، في خدمة السياسات الأمنية الأوروبية، في حين تتعرض منظمات الدفاع عن الحقوق لموجة متزايدة من التضييق. ومن المرتقب أن تتمحور المناقشات الأوروبية المقبلة حول تعديل التوجيه الأوروبي المعروف باسم "توجيه التيسير"، مع اتجاه مرجح إلى تشديد العقوبات على الأفراد والمنظمات التي تقدم الدعم للمهاجرين والمنفيين.
منطقة إدارية خارج نطاق القانون
في أيار (مايو) 2024، اعتمد الاتحاد الأوروبي أيضا ميثاق الهجرة واللجوء، الذي دخل حيز التنفيذ في 12 حزيران (يونيو) 2026. وبعيدا عن أن يشكل قطيعة مع السياسات السابقة، جاء هذا الميثاق ليكرسها ويجعلها أكثر منهجية، تماما كما تفعل لائحة "الإعادة". ومن أبرز ما ينص عليه هو تعميم الإجراءات الحدودية، بما يسمح بإبقاء الأشخاص في ما يشبه منطقة إدارية خارج نطاق القانون طوال فترة النظر في طلب دخولهم إلى أراضي الاتحاد. وبالنسبة لعدد كبير من طالبي اللجوء، تُستكمل إجراءات طلباتهم بالكامل عند الحدود. وفي حال رُفض الطلب، تُباشر إجراءات إعادتهم إلى بلدهم الأصلي، أو إلى بلد القدوم، أو إلى دولة ثالثة، من دون أن يكونوا قد دخلوا رسميا أراضي الاتحاد. كما يمكن، في بعض الحالات، إبقاء القاصرين أيضًا عند الحدود.
رغم أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعرب عن اعتزازه بميثاق الهجرة واللجوء باعتباره أداة لمكافحة الهجرة غير النظامية، فإنه أعلن، في 19 حزيران (يونيو) 2026، معارضته لتطبيق فرنسا سياسة نقل الأجانب إلى مراكز مغلقة مخصصة للإعادة موجودة على أرض دول ثالثة. وبرر موقفه باعتبارات مبدئية، ولكن أيضا بدواعٍ عملية، مشيرًا إلى احتمال عدم جدوى هذه المراكز في البلدان المضيفة. غير أن اعتماد "لائحة الإعادة" جاء، في الأصل، بمبادرة من النائب الفرنسي في البرلمان الأوروبي فرانسوا-كزافييه بيلامي، عضو حزب الجمهوريون، مستفيدًا من تحالف اليمين واليمين المتطرف. وفي هذا السياق، اعتبرت شبكة "ميغر-يوروب" الخاصة بالهجرة أن ما جرى يمثل "إعدامًا للقانون الدولي"، وتحدثت عن تسارع غير مسبوق للأحداث، مشيرة إلى أنه "في أقل من عام، فُرض نص يتجاوز خطوطاً حمراء جديدة في ما يتعلق بحقوق الأجانب".(1) وقد أفضت النقاشات حول "لائحة الإعادة"، على سبيل المثال، إلى إقرار إمكانية توقيف الأشخاص تمهيدا لترحيلهم من أماكن إقامتهم، فضلاً عن تعميم تسجيل بيانات المنفيين ابتداء من سن السادسة.
ويستند مؤيدو النص المنشئ لـ"مراكز الإعادة" إلى حجة مفادها أن النظام الحالي غير فعّال. فبحسب مكتب احصاء الاتحاد الأوروبي"يوروستات"، لا يُنفذ فعليا سوى نحو 27 في المئة من قرارات الترحيل الصادرة داخل الاتحاد الأوروبي. غير أن أسباب عدم تنفيذ قرارات الإبعاد متعددة، منها غياب وثائق الهوية، ورفض دول المنشأ استعادة رعاياها، أو وجود أوضاع شخصية معقدة، مثل وجود أطفال قاصرين أو مشكلات صحية. وحتى لو أمكن لـ"مراكز الإعادة" تجاوز هذه العقبات، فإنها لا تقدم أي حل لبقية الإشكالات، بل تثير، على العكس، أسئلة جديدة تتعلق باحترام حقوق الإنسان وبالتداعيات الدبلوماسية. فبأي منطق ستكون أوزبكستان، مثلا، أقدر من دولة أوروبية على تنفيذ عملية ترحيل إلى أفغانستان؟
منطق عنصري متجذر
بالإضافة إلى هذا الهوس بإدارة الهجرة، تقوم هذه السياسات على منطق عنصري متجذر، بمعنى أنها تشكل منظومة تنتج التمييز على أساس الجنسية أو الأصل أو لون البشرة، وتكرسه وتعيد إنتاجه.
فحدود الاتحاد الأوروبي ليست مغلقة في وجه الجميع، وإنما فقط في وجه أولئك الذين يفرون من الحروب في أفريقيا والشرق الأوسط، كما وثقت ذلك "منظمة العفو الدولية" في تقرير صدر في تشرين الأول (أكتوبر) 2025.(2) وغالبًا ما ينحدر هؤلاء من بلدان الجنوب العالمي، ويهاجرون هربًا من انتهاكات حقوق الإنسان، أو من انعدام الآفاق، أو من تبعات التغير المناخي. وبذلك، تستهدف سياسة تعهيد إدارة الحدود إلى أطراف خارجية، على نحو انتقائي، أجسادًا بعينها، وأصولاً بعينها، وأديانًا بعينها، وألوان بشرة بعينها.
وبالإضافة إلى ذلك، يسهم نقل إدارة الحدود إلى دول ثالثة تُوصف بأنها "آمنة" في تعزيز أنظمة سلطوية وثقت تقارير عديدة ارتكابها انتهاكات جسيمة بحق المنفيين -وغالبا ما يكونون من السود. ففي تونس وليبيا وتركيا، تُستخدم الأموال الأوروبية لتمويل أجهزة قمعية تعامل المنفيين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء بعنف خاص، يتسم بطابع عنصري صريح.
لعل ما يجعل هذا التسارع أكثر إثارة للقلق هو أنه يجري داخل ديمقراطيات ترفع راية الدفاع عن الحقوق الأساسية، وباستخدام أدوات قانونية تدّعي احترامها. وتتضمن الخطط والاتفاقات الموقعة مع تركيا وليبيا وتونس ومصر، في بعض الأحيان، بنودًا تنص على احترام حقوق الإنسان، غير أن هذه البنود تبقى، في كل مرة، حبرًا على ورق. في تموز (يوليو) 2023، وبعد أيام قليلة فقط من توقيع مذكرة التفاهم مع تونس، تُرك مئات المنفيين في الصحراء على الحدود الليبية. وفي أيار (مايو) 2024، كشف تقرير بعنوان "ملقون في الصحراء" صادر عن "تقرير لايت هاوس" أن جزءا من تمويلات الاتحاد الأوروبي خُصص مباشرة لشراء سيارات تُستخدم في نقل -أي إعادة- أشخاص عالقين على طرق الهجرة في المغرب وتونس وموريتانيا إلى عمق الصحراء الكبرى، في ظروف غير إنسانية. وفي العام 2025، اعتبر قرار اعتمدته لجنة الشؤون الأوروبية في "الجمعية الوطنية الفرنسية" أن الاتحاد الأوروبي "شريك في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في تونس بحق طالبي اللجوء واللاجئين والمهاجرين والسود".
في الوقت الذي يشهد نقاشًا حول هذه السياسات وإرسائها، يستمر سقوط الضحايا. فمنذ العام 2014، لقي أكثر من 30 ألف شخص حتفهم أثناء محاولتهم عبور البحر الأبيض المتوسط. وفي مقبرة مدينة جرجيس التونسية، يدفن متطوعون في "حديقة الأفارقة" جثامين أولئك الذين لم ينجوا من سياسات الهجرة التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي. ولسنوات طويلة، كانت هذه الجثامين توارى في مقابر جماعية داخل مكبّ النفايات البلدية.
كانت "مراكز الإعادة" تُعد -حتى وقت قريب- فكرة غير مقبولة مطلقًا. فهي تأتي امتدادًا للنهج الذي تبنته المملكة المتحدة عندما سعت، بموجب اتفاق وقعته مع رواندا في العام 2022، إلى نقل طالبي اللجوء إليها، قبل أن تعرقل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تنفيذ الخطة. ولكن، أمام الجدل الواسع وصدور أحكام القضائية، اضطرت الحكومة البريطانية إلى التراجع.
غير أن اتساع نافذة أوفيرتون التي تسمح بتحول أكثر الأفكار تطرفا إلى سياسات مقبولة، بات واضحًا؛ إذ أصبحت هذه الاستراتيجية اليوم تفرض نفسها على مستوى الاتحاد الأوروبي. كما أنها تتقاطع مع الاتفاق الثنائي المبرم بين الولايات المتحدة وأوغندا لاستقبال طالبي لجوء لا ترغب واشنطن في وجودهم على أراضيها. وفي نهاية المطاف، يكمن الهدف في جعل ما لا يراد رؤيته غير مرئي: أي تحركات السكان الناتجة عن التفاوتات العالمية، وعن النزاعات الداخلية والدولية المستمرة. كما تهدف هذه السياسة القائمة على إسناد المهمة إلى أطراف خارجية، في نهاية المطاف، إلى دفع حدود القانون إلى أبعد مدى.
*كلوي فريس-بونو: حقوقية مستقلة، ومستشارة ومدربة متخصصة في قانون الأجانب وقانون اللجوء وقضايا الهجرة الدولية. كما تواكب مشاريع تضامنية مع المنفيين. تانيا راشو: باحثة حاصلة على الدكتوراه في القانون الأوروبي (جامعة باريس الثانية). تشغل منصب مسؤولة عن المناصرة في قضايا الهجرة بمنظمة "اللجنة الكاثوليكية لمكافحة الجوع من أجل التنمية – أرض التضامن".
هوامش:
(1) "اعتماد لائحة الإعادة الأوروبية: إعدام القانون الدولي"، شبكة Migreurop، 26 آذار (مارس) 2026. وقد نُشر هذا التحليل يوم تصويت البرلمان الأوروبي على موقفه من اللائحة. ثم توصل البرلمان والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق من نفس الشهر.
 
(2) "أوروبا: نظام منح تأشيرات شينغن التمييزي يقصي المدافعين عن حقوق الإنسان"، منظمة العفو الدولية، 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2025.