Wednesday 16th of September 2026 Sahafi.jo | Ammanxchange.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
  • آخر تحديث
    17-Sep-2026

أسبوع عمّان للتصميم يعود بـتراكمات سبع سنوات
الدستور - رنا حداد -
 
ليس كل غياب فراغاً. أحياناً، تكون السنوات التي لا يظهر فيها المشروع أمام الجمهور هي السنوات التي ينمو فيها بعيداً عن الضوء، تتشكل فيها الأفكار، وتتسع التجارب، وتتراكم المعرفة، ويواصل أصحابها العمل حتى يأتي الوقت الذي يصبح فيه ما تراكم جديراً بأن يعود إلى المدينة.
 
من هنا يمكن قراءة عودة «أسبوع عمّان للتصميم» بعد سبع سنوات؛ فالموعد الجديد لا يحمل فقط استئنافاً لفعالية توقفت، وإنما يكشف عن مشهد تصميمي أردني واصل نموه في الغياب، ويعود اليوم إلى المجال العام بصورة أكثر اتساعاً في الجغرافيا والمشاركة والموضوعات والأثر.
 
وتحت رعاية جلالة الملكة رانيا العبدالله، التي أطلقت مبادرة أسبوع عمّان للتصميم عام 2016، تستعيد الفعالية حضورها في نسختها الرابعة تحت عنوان «تراكمات»، خلال الفترة من 2 إلى 17 تشرين الأول المقبل، بمشاركة أكثر من 220 مصمماً وصانعاً ومجموعة إبداعية، وعبر 204 فعاليات موزعة في مواقع مختلفة داخل عمّان وخارجها.
 
وكانت جلالة الملكة قد تابعت جانباً من التحضيرات للنسخة الجديدة خلال زيارتها جبل اللويبدة، حيث التقت عدداً من رواد الأعمال والشركات الأردنية الناشئة، واستمعت إلى تجارب شباب يعملون على تأسيس مشاريعهم وتطويرها، قبل أن تطلع على استعدادات الأسبوع في «دارة أبو عدنان»، أحد البيوت التراثية التي ما تزال شاهدة على مرحلة من تاريخ العمارة في عمّان.
 
في تلك الدارة تحديداً، يلتقي الماضي بالمستقبل بطريقة تكاد تختصر فكرة النسخة الجديدة كلها؛ بيت من خمسينيات عمّان يعاد ترميمه ويفتح أبوابه للتصميم المعاصر، ومصممون وصنّاع يعملون في المكان، وأعمال تنتقل من الورشة إلى الحديقة، ونسيج وحرفة ومواد وذاكرة تدخل جميعها في تشكيل المشهد الجديد.
 
سبع سنوات صنعت سؤال العودة
 
لم يكن التحدي في عودة الأسبوع أن يعيد تقديم ما سبق، بل أن يجيب عن سؤال أكثر أهمية: ماذا حدث للتصميم الأردني خلال السنوات التي لم يكن فيها للأسبوع حضور عام؟ الإجابة، كما يوضح القائمون على النسخة الجديدة، موجودة في المجتمعات التي واصلت العمل؛ في المصممين الذين اختبروا أفكاراً جديدة، والصنّاع الذين نقلوا خبراتهم، والطلبة الذين واصلوا التعلم، وفي الورش والاستوديوهات والصفوف والمبادرات التي حافظت على حركة التصميم حية في أماكن مختلفة من المملكة.
 
ولهذا تبدو كلمة «تراكمات» أكثر من عنوان؛ إنها مفتاح لقراءة المرحلة كلها.
 
فالتصميم، وفق الرؤية التي تقوم عليها النسخة الجديدة، لا يولد من فراغ، ولا يبدأ من قطعة منفصلة عن سياقها، بل يتشكل عبر الزمن، من مواد تتوارث، ومعارف تنتقل، وممارسات تتكرر، وأفكار يعاد اختبارها، وأخطاء تقود إلى تجارب أخرى.
 
وحتى مفهوم الوفرة يعاد النظر إليه هنا؛ فالثروة التي يحتاجها التصميم ليست دائماً في وفرة المواد والموارد، وإنما في وفرة المعرفة والخبرة والخيال والقدرة على تحويل المتاح إلى شيء جديد.
 
 التصميم يغادر إطار «المعرض»
 
لعل التحول الأوضح في هذه العودة أن التصميم لم يعد محصوراً في قاعة عرض أو قطعة فنية يمر أمامها الجمهور، بل أصبح مساحة مفتوحة للتعلم والمشاركة والحوار والعمل. فـ204 فعاليات تستهدف شرائح مختلفة من المجتمع، من الأطفال إلى الطلبة والمصممين والممارسين والمتخصصين، وتشمل ورشاً وجولات إرشادية ومحاضرات وحوارات مفتوحة، فيما تستضيف أكثر من 60 مساحة في عمّان معارض وورش عمل وندوات وفعاليات للجمهور.
 
وتفتح الفعاليات أبوابها مجاناً أمام الناس، ليكون الجمهور جزءاً من التجربة، لا رقماً في قائمة الحضور.
 
وهنا تتغير العلاقة مع التصميم: الطفل يدخل ورشة، والطالب يعرض مشروعه، والحرفي يقدم معرفته، والمصمم يختبر فكرته أمام الناس، والزائر لا يكتفي بالمشاهدة، وإنما يستطيع أن يسأل ويتعلم ويشارك.
 
 في عام 2026 المدينة جزء من المعرض
 
ولا تقف العودة عند حدود عمّان التقليدية، إذ تمتد الفعاليات إلى رأس العين وجبل اللويبدة وجبل عمّان وعراق الأمير والعقبة، فيما يشكل هنجر رأس العين الموقع الرئيس للأسبوع. ويشارك أكثر من 60 فضاءً في مختلف أنحاء عمّان، معظمها في جبل عمّان، لتتحول المدينة نفسها إلى شبكة من المواقع والتجارب، تتجاور فيها الاستوديوهات والمؤسسات الثقافية والشركات الإبداعية والبيوت التراثية والمساحات العامة.
 
وبذلك لا يأتي الجمهور إلى مكان واحد لمشاهدة التصميم، وإنما يذهب التصميم إلى أماكن الناس وحياتهم اليومية.
 
وهذه النقطة تحديداً تمنح الشراكة المستمرة مع أمانة عمّان الكبرى معنى يتجاوز الدعم اللوجستي؛ فالأمانة تنظر إلى التصميم والثقافة والإبداع بوصفها أدوات يمكن أن تسهم في تطوير المدينة، وتحسين البيئة الحضرية، وتعزيز المشاركة المجتمعية والحفاظ على هوية عمّان وخصوصيتها.
 
 والأهم.. ماذا سيبقى بعد
 
 «انتهاء أسبوع عمّان للتصميم»؟؟ 
 
في كثير من الفعاليات ينتهي الحدث بانتهاء برنامجه، لكن «أسبوع عمّان للتصميم» يضع هذه المرة سؤال الأثر في قلب التجربة. أربعة مشاريع دائمة ستبقى بعد انتهاء الأسبوع في المساحات العامة في العاصمة؛ ثلاثة منها في رأس العين وواحد في جبل اللويبدة.
 
وهنا يصبح التصميم شيئاً يمكن للمدينة أن تحتفظ به، لا مجرد صورة عابرة من موسم ثقافي.
 
المشروع المؤقت يتحول إلى أثر، والفعالية إلى ذاكرة مكان، وما ينتجه المصمم لا يعود ملكاً للمعرض وحده، بل يدخل إلى الفضاء الذي يستخدمه الناس.
 
وهذا البعد يلتقي مع مفهوم الاستدامة الذي تتجه إليه النسخة الجديدة؛ الاستدامة هنا ليست شعاراً بيئياً منفصلاً، وإنما محاولة لجعل ما ينتج عن أسبوع التصميم قابلاً للاستمرار، ولربط الإبداع بالمكان وبالحياة اليومية.
 
 الشباب في قلب المشهد
 
ومن أبرز ما تكشفه النسخة الجديدة أن الشباب ليسوا جمهوراً مستهدفاً فقط، بل جزء من عملية الإنتاج نفسها. فخلال زيارة جلالة الملكة، كان الحوار مع رواد الأعمال الشباب حول تأسيس المشاريع وتطويرها وتحديات الشركات الناشئة، كما تحضر فئة الشباب واليافعين في توجهات الشراكة مع أمانة عمّان، إلى جانب حضور الطلبة والمصممين الجدد.
 
ويعود معرض الطلبة في دورته الثالثة بدعم من مؤسسة سختيان، ليعرض 34 مشروعاً أنجزها 40 طالباً وطالبة، جرى اختيارهم من بين 203 طلبات تقدمت بها 88 مؤسسة تعليمية.
 
وراء هذه الأرقام قصة أخرى: جيل جديد يتعلم التصميم لا باعتباره تخصصاً أكاديمياً فقط، وإنما باعتباره طريقة في التفكير وحل المشكلات وصناعة الأشياء وفهم المكان.
 
الحرفة ليست ماضياً.. بل مادة للمستقبل
 
وفي النسخة الجديدة، لا يأتي الحرفي في الهامش.
 
الخزف والنسيج والحجر تدخل جميعها إلى قلب مشهد التصميم، بما تحمله من معرفة متوارثة ومهارات يدوية وذاكرة محلية.
 
ومن ورشة النسيج التي اطلعت عليها جلالة الملكة في دارة أبو عدنان، إلى الأعمال التي يقدمها المصممون والصنّاع، تبدو الرسالة واضحة: ما ورثه المكان لا يجب أن يبقى محفوظاً في الماضي، بل يمكن أن يصبح مادة لتجارب جديدة.
 
ولهذا يكتسب مفهوم «التراكم» معنى آخر؛ فكل قطعة مصنوعة باليد تحمل أثراً من معرفة سابقة، وكل مادة لها تاريخ، وكل تقنية يمكن أن تجد استخداماً جديداً عندما تلتقي بعقل المصمم.
 
 من الأردن والسعودية.. مساحة للتبادل
 
وتشهد نسخة 2026 كذلك عرض أعمال نتجت عن إقامة «أسبوع إثراء للتصميم» بالتعاون مع أسبوع عمّان للتصميم، وجمعت مصممين من الأردن والسعودية، بما يفتح مساحة للتبادل بين التجارب ويضع التصميم الأردني في حوار إقليمي أوسع.
 
وهكذا تتسع فكرة الأسبوع في اتجاهين متوازيين: جذور أعمق في المكان، ونوافذ أوسع على التجارب المحيطة.
 
 «تراكمات».. تفصيل صغير يقود إلى حكاية كاملة
 
القيّم على البرامج خالد البشير ينطلق في قراءة «التراكمات» من فكرة أن أي موضوع لا يبقى محصوراً في ذاته؛ فكلما تعمقنا فيه، امتد إلى مواد وتواريخ وأشخاص ومنظومات وأماكن أخرى.
 
أما القيّم على المعارض فيصل طبّارة، فيرى في النسخة الجديدة فرصة لرسم صورة متجذرة ومتعددة الطبقات لما يعنيه التصميم في المنطقة؛ صورة تنبع من أيدي المكان ومواده وذاكرته، ومن علاقة الناس به وكيف يشكلونه.
 
وهذا تحديداً ما يجعل «تراكمات» عنواناً مناسباً لعودة الأسبوع.
 
فثمة تراكم في الخبرة، وتراكم في الحرفة، وتراكم في التجارب الشبابية، وتراكم في المعرفة، وتراكم في علاقة المصمم بالمدينة، وتراكم في علاقة الناس بالتصميم نفسه.
 
عمّان.. حين يصبح التصميم لغة للمدينة
 
بعد سبع سنوات، لا يعود أسبوع عمّان للتصميم إلى المكان نفسه.
 
يعود إلى مدينة تغيرت، وإلى جيل جديد من المصممين والصنّاع والطلبة، وإلى مجتمع إبداعي واصل العمل في السنوات الماضية، وإلى جمهور يمكن أن يكون شريكاً في التجربة، وإلى مساحات عامة يمكن أن تحتفظ ببعض نتاجها بعد انتهاء الفعاليات.
 
ومن هنا، فإن قوة هذه العودة لا تكمن فقط في عدد المشاركين أو كثافة البرنامج، رغم أن أكثر من 220 مصمماً وصانعاً ومجموعة إبداعية و204 فعاليات ترسم حجماً واسعاً للحدث.